رائحتك مازالت في المكان

dr-aly

فيينا  علي فرغلي

عبر فتحة صغيرة، دخلتُ منها منبطحاً — يمر قليل من أشعة الشمس — المكان ضيق ومظلم  — لا يَسعُنا نحن الاربعة! — عجزتُ عن وصف ما رأيته! — فقط اختبأت داخل نفسي — اختبأتُ وبكيت. (على فرغلي )

أتساءل أحيانا: لماذا لا توجد وسيلة تجعلنا نحتضن من فارقونا ولو لبضع دقائق؟ مسيرة طويلة يكتنفها الفراق والألم، يختفي منها رفقاؤنا وأحبابنا المسافرون بعيدا الواحد تلو الآخر. الموت هو الشيء الكامن في أصل الحياه.

أغلقنا الحفرة الصغيرة معاً. لا أتذكر الوجوه التي كانت حولي، فقط أتذكر وجهك البشوش يا أبي حين رأيتك آخر مرة. كأن روحك لم تفارقنا بعد، استشعرت كل الحب والحنان والمشاعر التي مرت بيننا خلال ثلاثين عاماً مضت. بين البداية والنهاية أحاسيس مربكة، ضحكتك الطفولية البريئة، عيناك الصغيرتان الصافيتان كنهر رائق، حنانك الفائض ونفسك المطمئنة .. كم عميقة هي بئر الماضي!

رحلتَ كأنك وليّ لا ينتظر أحداً ولا يرغب في شيء. أحبك كل من عرفك، حتى شجرة النبق التي زرعتها بيدك بجوار البيت جفت فروعها وماتت بعدك بأيام، كأنها حزنت لفراقك. في جنازتك، بشر كثيرون اصطفت أقدامهم كأشجار الغابة العملاقة، ثابتة في صمت رهيب، لم يتبق لي غير الصمت، ووجه أمي وأختي المتكئتين على صخرة كبيرة بجوار القبر، الذي لم يغب عن بالي.

لا أتذكر كم مرة تحدثنا سوياً، هل يستطيع المرء أن يتذكر كم مرة تحدث إلى نفسه! لكن مواقف بعينها راسخة في رأسي: حين كنا نتحدث في السفر .. نثرثر سوياً أثناء مشينا على جانب النهر متجهين إلى بيتنا الجديد مستمعاً وبفرح إلى جملتك الخاصة “أخيراً قعدنا أمام بيتنا .. زيارتنا لمسجد الحسين وفي كل مرة أقرأ لك ما كان مكتوبا أعلى الباب “حسين مني وأنا من حسين” .. ومرة مشينا قاصدين قطب الصعيد “سيدي الفرغل” ربما لم تكن صدفة أن سميتني على اسمه .. سماعنا مرات لساقي الأرواح “الشيخ التوني” .. حكاياتك لي عن فارس الهلالية. مازالتُ يا أبي أحملُ قلب طفل، أنت بطله الدائم.

كيف يختصر الإنسان عُمراً! حكايات وحكايات لا تروح عن قلبي أبدا: “رؤياك بأن النبي داواك بيده الشريفة” .. أحد رجال قريتك في صعيد مصر الذي مات عنه وَلده الوحيد، من حزنه الشديد قام بإطلاق الرصاص في السماء، مخاطباً الله: ارجع لي وَالدي، قيل أن عقله طار من الصدمة”.

بعد الليلة الأولى من رحيلك رأيتك هابطا من السماء تحمل في يدك علبة نادرة مزخرفة باللون الأزرق، منقوشه بآيات قرآنية، لم أر مثلها من قبل، أعطيتها لي وقلت بصوتك الحنون: لا تحزن! ثم عدت مسرعا من حيث هبطت، تاركاً رائحتك تفوح في المكان.

في العيد الصغير فقد البيت جدي، وفي العيد الكبير عاد البيت ينقصه أنت يا أبي! لا أعلم سر الرحيل في العيد؟ لماذا سافرت إلى الشرق وسلمت على كل من يقابلك؟ هل كانت تشعر روحك الشفافة أنها ستفارقنا؟ قالت جدتي أنك أخبرتها بأنك ستسافر خامس يوم العيد وأوصيتها ألا تحزن! لكن أخلفت الوصية فحزنت حتى التحقت بك بعد فترة قليلة.

قلبك الطفولي لم يخف عنا يوما نهر محبته. كنت فياضا بالحب. جاء العيد خمس مرات حتى الآن دون حضورك الجسدي، لكنك حاضرا بروحك الشفافة، يتذكرك أحفادك بـ”العيدية” واللعب معهم والركض ورائهم كطفل مثلهم.. مازالوا يسألون عنك لتحملهم على كتفك وتذهب بهم إلى “المراجيح” .. ينتظرونك لتذهب معهم إلى المسجد ليحفظوا القرآن.. يعتقدون في عودتك يوما، لأنك أخبرتهم بأنك ستسافر وتعود مثل كل مرة!

عشت بيننا غير متعلق بشيء من الدنيا، كلامك قليل، زهدك كثير .. كل عام تمر ذكراك ومعها عمرا كاملا من الحنين والحب، مهما قلتُ ستظل في أعماقي آلام تتفتق من الإحساس بفقدك، آلام يخففها أحياناً إيماني بمقولة الرومي: “الوداع لا يقع إلا لمن يعشق بعينيه أما ذاك الذي يحب “بروحه” وقلبه فلا ثمة انفصال “أبدا”.

شاهد أيضاً

الحاج محمد عبد الوهاب يوسف فى ذمة الله وصلاة الجنازة يوم غد الثلاثاء 21 مايو

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي )) …

رحلات جوية أسرع من الصوت.. طائرة بسرعة مخيفة – لندن-نيويورك 90 دقيقة بدلاّ من 7 ساعات

قد تصبح الرحلات الجوية التي تستغرق وقتا طويلا ذكريات من الماضي، وذلك بفضل مشروع جديد …

بعد فضيحة إشتراخة فى النمسا ـ شعبويو أوروبا في قفص الاتهام!

يبدو أن الرياح لا تجري بما تشتهيه سفن اليمين الشعبوي والمتطرف في أوروبا. فقبل أيام …