لماذا تقود بعض البلدان سياراتها من جهة يسار الطريق؟

قبل نصف قرن شهدت السويد فوضى عارمة في طرقاتها تسببت في عدّة حوادث مروريّة؛ فقد كان الثالث من سبتمبر 1967 هو اليوم الذي بدأت فيه القيادة من الجانب الأيمن من الطريق بعد عشرات السنوات من القيادة من الجانب الأيسر، ورغم أنّ الحكومة وضعت مخطّطًا دقيقًا لكي يتمّ هذا الانتقال بأكبر سلاسة ممكنة، إلا أنّ تفادي حدوث بعض الاصطدامات كان مستحيلًا.

وقد كانت أسباب انتقال السويد من القيادة يسارًا إلى القيادة على الجهة اليمنى اقتصاديّة بالدرجة الأولى؛ فأغلبية السيارات في السوق السويدية أمريكيّة الصنع، لذلك فإن مقعد القيادة موجود على الجهة اليسرى كما هو الحال في أمريكا التي تقود من الجهة اليمنى، وبالتالي فإنه من غير العمليّ أن يقود السويديّون سياراتهم من الجهة يسرى بينما يوجد مقعد السائق على الجهة المخالفة، في حين لم تتّجه الشركات الأمريكية إلى صناعة سيارات تناسب السائقين من الجهة اليسرى؛ لأنّ الأمر غير مجدٍ اقتصاديًّا.

بالإضافة إلى السبب الاقتصاديّ، فقد جرى إقرار القانون الجديد لتجنّب الازدحام المروري على الحدود، كون أنّ السويد هي البلد الوحيد من بين جيرانها التي تنص قوانينها المرورية على القيادة من الجهة اليسرى في تلك الفترة.

فوضى مروريّة في اليوم الذي غيّرت فيه السويد اتجاه السير – المصدر: ويكيبيديا

صحيح أن السويد قد انضمّت منذ 1967 إلى أغلبية دول العالم في القيادة من الجهة اليمنى، لكن ما زال هنالك أكثر من 70 دولة تقود سياراتها من جهة اليسار، وتمثّل ثُلث سكّان العالم. أبرزها بريطانيا وباقي مستعمراتها السابقة مثل: الهند وأستراليا ونيوزيلاندا وإندونيسيا ومالطة والفيليبين وجامايكا وجنوب أفريقيا.

ينص قانون المرور في كل الدول العربية على القيادة من الجانب الأيمن كما هو الحال مع أغلبية دول العالم، لكن ما سرّ قيادة سكّان بعض البلدان مثل: بريطانيا والهند واليابان لسيّاراتهم من الجانب الأيسر للطريق عكس باقي الدول؟ وما علاقة الإمبراطورية الرومانيّة القديمة بهذا الخيار؟

في العصور الوسطى.. القيادة من اليسار لتُشهر سيفك بسرعة

يشير علماء الآثار إلى أن القيادة من اليسار هي الأقدم تاريخيًا، وتعود إلى عهد  العصور الوسطى وحتى الإمبراطورية الرومانيّة حين كانت المجتمعات تتّسم بعنف أكبر، فلا يدري السائر في الطريق ماذا يمكن أن يصادفه ممّا يجعل أخذ الحيطة والحذر واجبًا في كل الأوقات، لذلك كان الفرسان يركبون خيولهم ويلتزمون بالقيادة يسارًا من أجل إبقاء يدهم اليمنى أقرب للخصم المحتمل (باعتبار أن أغلبية الناس تستخدم يدها اليمنى بشكل رئيس)، والسير على الجهة اليسرى أيضًا يجعل إخراج السيف الذي يوضع عادة من الجهة اليسرى للخصر أسهل للفرسان إذا احتاجوا إلى ذلك.

كذلك فإن القيادة من اليسار تعني احتكاكًا أقلّ بين سيف الفارس والشخص القادم على يمينه؛ ممّا يسمح بتفادي الإصابات غير المقصودة. بالإضافة إلى ذلك فإن ركوب الخيل للشخص الذي يستعمل اليد اليمنى أسهل من الجهة اليسرى، بالذات إذا كان يحمل سيفًا، فلو كان السير من الجهة اليمنى فإن امتطاء الحصان سيتمّ وسط الطرق، بدلًا عن أن يكون على الرصيف كما هو الحال من الجهة اليسرى.

لكن هذا التقليد التاريخي بدأ في التغيّر تدريجيًا، خصوصًا لدى فلاحي فرنسا والولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، فقد انتشرت العربات التي تجّرها عدّة خيول لنقل البضاعة، وبما أنّ عربات ذلك الوقت لم تكن تتوفّر على مقعد للسائق، فقد كان السائق يركب الحصان الموجود على أقصى اليسار لكي تبقى يده اليمنى حرّة ويستطيع أن يحمل بها السوط الذي يضرب به الأحصنة. جلوس السائق في أقسى اليسار يجعله طبيعيًّا يرغب في أن تمرّ باقي العربات على يساره حتى يستطيع رؤيتها وتفاديها، ومن هناك بدأت انتشار القيادة على اليمين.

لم يصبح قرار القيادة على الجهة اليمنى للطريق مفروضًا بقوّة القانون إلا سنة 1752، حين وقّعت الإمبراطورة النمساوية إليزبيث قرارًا رسميًّا بتعميم القيادة على الجهة اليمنى، لكن أحد العوامل الرئيسة التي دفعت إلى انتشار القيادة على الجهة اليمنى في العالم كانت الثورة الفرنسية، فقد أراد الثوار الفرنسيون القطيعة مع التقليد السابق في عهد الملكية حين كانت الطبقة الأرستقراطية تسير على الجانب الأيسر للطريق، في حين يُجبر الفلاحون والفقراء على التزام الجانب الأيمن منه.

وتشير المصادر إلى أن الطبقة الارستقراطية بعد الثورة التزمت السير من الجهة اليمنى من أجل إخفاء هويّتها خشية الأعمال الانتقاميّة. وقد أصبح قرار السير من الجهة اليمنى رسميًا في فرنسا سنة 1794، وساهمت الحروب النابليونية، بالإضافة إلى التوسعات الاستعمارية الفرنسيّة في فرض هذه القاعدة في مختلف أنحاء العالم، في المقابل سارعت بريطانيا إلى فرض القيادة على الجهة اليسرى في مستعمراتها من أجل كسر القاعدة الفرنسية في سياق التنافس الاستعماري بين الإمبراطوريّتين.

لكن لماذا يقود اليابانيون من الجهة اليسرى؟

صحيح أن اليابان لم تكن جزءً من الإمبراطورية البريطانية، لكنها تلتزم أيضًا بالقيادة من الجهة اليسرى تمامًا مثل بريطانيا، ويعود السرّ في ذلك إلى القرن السابع عشر حين حكم الساموراي البلاد، وبما أنّ مقاتلي الساموراي يحملون سيوفهم في حلّهم وترحالهم، فقد التزموا بالسير على الجانب الأيسر للأسباب نفسها التي ذكرناها فيما يخصّ مقاتلي الرومان القدماء.

لكن هذه القاعدة لم تصبح مفروضة بالقانون حتّى القرن التاسع عشر، حين أرادت اليابان إنشاء سكّة حديدية، وقد تقدّمت كلّ من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا بعرض لإنشائها، لتفوز في بريطانيا بالصفقة وتفرض بذلك قاعدتها بالسياقة على الجهة اليسرى في مجال القطارات، وتنتشر بعد ذلك إلى مختلف وسائل النقل، والتي من بينها السيارات. وبالتالي فلو أن أيًا من فرنسا أو أمريكا فازت بتلك الصفقة لكانت اليابان اليوم على الأرجح تقود على الجهة اليُمنى التي يقود فيها أغلبية سكّان العالم.

 

شاهد أيضاً

رافع علم “حزب الله” في مطار فيينا قائد بميليشيات بشار الأسد والترحيل من النمسا نهاية الشهر

تستعد السلطات القضائية النمساوية، لترحيل المقاتل السابق في ميليشيات النظام السوري، ويدعى فادي شمعون، من أراضيها، …

بالفيديو..فيلم وثائقى يكشف لغز وفاة العالم جمال حمدان

عرضت فضائية (ON E)، الفيلم الوثائقى مبنى للمجهول ، الذى تدور أحداثه حول لغز وفاة …

أنتخاب رئيس جديد للهيئة الإسلامية الرسمية فى النمسا

أعلنت الهيئة الإسلامية الرسمية بالنمسا منذ أيام عن تولى المحامى أوميت ڤورال Ümit Vural ذات …