الإثنين , 21 أكتوبر 2019

هل العالم مكتظ بالسكان حقاً؟ وما هي الشعوب التي تمثل عبئاً أكبر على الأرض؟

لأكثر من القرن من الزمان شاعت الفكرة أن العالم مكتظ وأن وقف الزيادة السكانية أمر ضروري وإلا العالم لن يكفينا، ولكن زاد سكان ولم تحدث مجاعة، فهل تنظيم الأسرة ضرورة لكي لا يفيض بنا حماية كوكب الأرض، هل العالم مكتظ بالسكان حقاً.

استُخدمت الفكرة القائلة بأننا متجهون ناحية نوع من نهاية العالم من جراء الانفجار السكاني -وأنَّ ثمة خطاً مجرد عبوره سيؤدي بنا حتماً إلى مجاعة جماعية، وإلى أن يصير الكوكب بأسره في مثل ازدحام محطة قطار في ساعة الذروة- لإذكاء المخاوف وبيع الكتب لأكثر من قرن من الزمان، حسبما ورد في تقرير لموقع Gizmodoالأمريكي.

هل العالم مكتظ بالسكان حقاً؟ إنه سؤال خبيث

ويمكن لهذا الخطاب المتعلق بهذه المخاوف من اكتظاظ كوكب الأرض أن يكون خطاباً ساماً للغاية إلى درجة أنَّ الخوض فيه قد يبدو بلا معنى أو غير مجد أو أسوأ من ذلك، لكنه مع ذلك سؤال يستحق تسليط الضوء عليه.

لذا فقد تواصل موقع Gizmodo العلمي عبر قسمه المخصص للأسئلة Giz Asks للتواصل مع عدد من الخبراء في مجالات الاستدامة والدراسات البيئية والاقتصاد والجغرافيا وآخرين غيرهم، لحسم الجدل حول ما إذا كانت الأرض مكتظة بالسكان أم لا.

الخطر الأكبر هو رفض العلم وليس زيادة السكان

جيسي إتش أوسوبيلمدير برنامج البيئة البشرية بجامعة روكفلر

في معظم التجمعات الحيوانية تكون الأنماط البيئة الملائمة المحيطة بأفراد تلك التجمعات ذات حجم ثابت. فالمجتمعات الحيوانية التي تنمو في بيئة ملائمة معينة يكون لها حركيات محسوبة بدقة بمعادلات ذات حد ثابت أو سقف. باختصار، فمن منظور البيئة الملائمة، فإنَّ الموارد هي ما يحد الأعداد. لكنَّ الوصول إلى الموارد يعتمد على أساليب العيش. فعندما تتوصل الحيوانات إلى أساليب جديدة، كأن تستطيع البكتريا إنتاج إنزيم جديد لتفكيك مكون خامل في مرقها، فسوف نواجه مشكلة عندئذ. حينها سوف تنبثق نبضات حية جديدة فجأة وتنمو من البكتريا السابقة.

أما الهومو فيبر (وهو مصطلح لاتيني يعني «الإنسان الخالق»)، صانع الأدوات، فإنَّه مستمر في الابتكار طوال الوقت. وهذه الحدود المتحركة تربك التنبؤ بحجم البشرية على المدى الطويل. ذلك أنَّ توسع البيئة الملائمة، والوصول للموارد وإعادة تعريفها أمران مستمران في الحدوث مع البشر.

فمن خلال اختراع التكنولوجيا ونشرها، يُعدل البشر من بيئتهم الملائمة ويوسعونها، ويعيدون تعريف الموارد ويخرقون التوقعات السكانية. من ذلك أنَّ الديمغرافي الرائد، ريموند بيرل، قدر في عشرينات القرن المنصرم، أنَّ كوكب الأرض يمكن أن يدعم ملياري شخص، في حين أنَّ حوالي 7.7 مليار شخص يعيشون هنا في الوقت الحالي. واليوم، يبدو أنَّ كثيراً من مراقبي الأرض عالقون في البيئة المحدودة الخاصة بهم، في حين أنَّ الموارد حولنا مرنة.

إنَّ الخطر الأكبر الذي يهدد رفاهية المستقبل هو رفض العلم. فبعد أنَّ وصلنا إلى هذا الحد، لا يمكن لـ7.7 مليار نسمة العودة للحياة السابقة. من دون العلم، فإنَّ ذلك الشريط المرن سوف يرتد بقوة.

ما الفئة التي تريدون التخلص منها لكي نستطيع مواصلة العيش على كوكب الأرض؟

ماثيو جي كونليأستاذ التاريخ بجامعة كولومبيا ومدير مبادرة Hertog Global Strategy

عندما يسأل الناس «هل العالم مكتظ بالسكان» فإنني أريد دائماً أن أسألهم: من تقصدون؟ هل هناك شخص ما على وجه الخصوص تظنون أنَّه ربما ما كان ينبغي له أن يولد؟ هل هناك مجموعات كبيرة من البشر، يبلغ تعدادها ملايين الأشخاص، تعتقدون أنَّهم لا ينبغي لهم أن يكونوا هنا؟ لأنني أعتقد أنكم لو تفكرون فقط في  عدد الناس في العالم، فإنَّ هذا لا يخبركم فعلاً بالكثير عن الأشياء المهمة حقاً.

لو أردتم أن تكونوا أكثر دقة حول الأشياء التي يهتم بها الناس فعلاً هل سوف يكون هناك ما يكفي من الطعام؟ هل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أكثر مما ينبغي؟ فسوف يتعين عليكم حينها فعلاً أن تبدأوا بالحديث عمن يستهلك هذا الطعام على وجه التحديد. هل الواقع فعلاً أنَّ طعامنا ينفد؟ وإذا كان الأمر متعلقاً بالاحتباس الحراري، فمن أين يأتي هذا الاحتباس الحراري؟

منذ عصر توماس مالتوس وهو باحث سكاني واقتصادي، والناس المهمومون بالاكتظاظ السكاني قلقون من مسألة كفاية الطعام. والخبر الجيد أنَّه نعم، ثمة الكثير من الطعام. في الواقع، فإنَّ استهلاك السعرات الحرارية، في المتوسط، يزداد منذ عقود. لذا، فلو كان طعامنا ينفد، فمن الصعب أن نشرح سبب استهلاك الناس للمزيد والمزيد من الطعام، وذلك على الرغم من حقيقة أنَّ معظمنا يعيش حياة أقل حركةً.

وفيما يخص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فعليك أن تسأل نفسك: من يُنتج معظم هذه الانبعاثات؟ خرجت منظمة أوكسفام الخيرية بدراسة منذ حوالي أربع سنوات مفادها أنَّ أغنى 1% من سكان الكوكب من المحتمل أنَّ انبعاثاتهم أكثر بثلاثين ضعفاً من أفقر 50% من سكان الكوكب.

فالأغنياء يمثلون عبئاً على كوكبنا أكثر من الفقراء

بيتسي هارتمان

حاصلة على لقب أستاذ فخري في دراسات التنمية بكلية هامبشاير، ومؤلفة كتاب «reproductive rights and wrongs: The Global Politics of Population Control» وكتب أخرى.

بالنسبة لبعض الناس، فالعالم مكتظ منذ قرون. فمالتوس كان يكتب عن «المشكلة» السكانية بنهاية القرن الثامن عشر عندما كان تعداد سكان العالم حوالي مليار نسمة. وما يزال الكثير من الناس خائفين من الاكتظاظ السكاني، وهم قلقون من أنَّه قد يسبب تدهوراً بيئياً ويؤدي إلى ندرة الموارد، سواء كانت بيئية أو اقتصادية أو اجتماعية.

لكن ثمة مشكلات كثيرة في هذه السردية، إذ تتجاهل حقيقة أنَّ الناس ليسوا سواء: فمن المهم، على سبيل المثال، تحديد من يلحق فعلياً ضرراً بالبيئة وسبب ذلك. فثمة فارق كبير للغاية بين فلاح فقير يزرع الأرض، ومدير تنفيذي لشركة من شركات الوقود الحفري. وتميل سردية الاكتظاظ السكاني إلى جمع كل البشر في فئة واحدة واسعة، دون التفريق بين آثارهم المتفاوتة على الكوكب، بل تركز بصورة أساسية على الآثار السلبية، بلا اعتبار للدور الإيجابي الذي يمكن أن يضطلع به الابتكار التكنولوجي والممارسات المستدامة في استعادة البيئة وتحسينها. كما أنَّ هذه السردية تُطبَّع على نحو كبير مع العمليات السياسية التي تحدد من الفائز والخاسر في نظام اجتماعي واقتصادي بعينه.

ومن ثم يصب هذا كله في نزعة أكبر بشأن نهاية العالم لا سيما في الولايات المتحدة حيث يعتقد كثيرون أنَّ نهاية العالم قادمة. ومن المرجح أن تكون الولايات المتحدة البلد الأكثر معاناة من الخوف من الاكتظاظ السكاني، وتلك مفارقة بالنظر إلى أنَّ امتلاكها الكثير من الأراضي والموارد.

وعلى الرغم من أننا شهدنا زيادة كبيرة في السكان خلال القرنين الماضي والحالي، فإنَّ معدل النمو السكاني قد انخفض إلى حد كبير. إذ يبلغ متوسط حجم الأسرة، عالمياً، حوالي طفلين ونصف. ولا تزال معدلات المواليد عالية نسبياً في بعض البلدان، لا سيما إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، لكن سبب ذلك بالأساس هو نقص الاستثمار في خدمات الصحة العامة، ومحو الفقر، والتعليم، وحقوق المرأة إلخ.

وفي أماكن أخرى من العالم تواجه العديد من الدول انخفاضاً في عدد السكان، مع انخفاض معدلات المواليد إلى معدلات الخصوبة دون مستوى الإحلال، وفي الولايات المتحدة حالياً تنجب النساء في المتوسط أقل من طفلين.

ومعدل الزيادة السكانية مرشح للانخفاض

أعتقد أنَّ الناس يشعرون بالتوتر الشديد، لأسباب مفهومة، عندما يرون الأرقام: لدينا 7.6 مليار إنسان الآن، وقد يرتفع هذا الرقم إلى 11.2 مليار بحلول عام 2100. لكن ما لا يفهمه الناس أنَّ الزخم الديمغرافي المُضمَّن في هذه الأرقام له علاقة كبيرة بالتوزيع العمري: ثمة الآن نسبة كبيرة من الناس في سن الإنجاب بين السكان، لا سيما في الجنوب العالمي، وحتى إذا كان لدى أولئك الناس طفلان أو أقل، فإنَّ هذا يعني زيادة مؤكدة في أعداد السكان. نحن بحاجة إلى أن نفهم أنَّ عدد السكان من المرجح أن يستقر أو حتى ينخفض بينما يتقدم جيل الشباب في العمر ويتلاشى الزخم. وفي غضون ذلك، فإنَّ التحدي الحقيقي الذي يواجهنا يتمثل في كيفية التخطيط لعدد سكان يتزايد بطرق مستدامة بيئياً وعادلة اجتماعياً. وبما أنَّ غالبية سكان العالم يعيشون الآن في المدن، فإنَّ تخضير المساحات الحضرية والنقل أمران حيويان للغاية.

البعض لديه مشكلة في اكتظاظ العالم بغير البِيض

ومن الممكن أن يكون الحديث عن الاكتظاظ السكاني بوصفه سبباً للتغير المناخي طريقة ملائمة للبعض لتجاهل القوى النافذة التي ساهمت في تراكم الغازات الدفيئة، تاريخياً وفي الوقت الحالي. فبعض الحركات اليمينية المتطرفة المعادية للأجانب تستخدم الآن لغة الاكتظاظ السكاني. فالبيان الذي أصدره مطلق النار في نيوزيلندا يبدأ بخطاب الاكتظاظ السكاني، ذلك أنَّ اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة قلق للغاية من انخفاض معدلات مواليد ذوي البشرة البيضاء، وفكرة أنَّ المهاجرين يحلون محل البيض.

لذا فإنني أعتقد أنَّنا يجب أن نكون حذرين للغاية بشأن كيفية استخدام السرديات السكانية. ففي تسعينات القرن الماضي وأوائل العقد الأول من القرن العشرين على سبيل المثال، حاول قوميون في الولايات المتحدة استمالة مناصري البيئة اللبراليين بحجة تقول إنَّ المهاجرين، من خلال زيادتهم لسكان الولايات المتحدة، يتسببون في معظم التدهور البيئي ومن ثم ينبغي إبعادهم. وحاولت مجموعات معادية للهجرة الاستيلاء على مؤسسة Sierra Club للبيئة مثلاً (ولحسن الحظ لم ينجحوا في ذلك).

وتنظيم الأسرة ليس حلاً لمشكلات العالم، وأحياناً يُستخدم ضد استقلالية المرأة

وما يُعتبر مشكلةً أيضاً هو ميل بعض وكالات تنظيم الأسرة والمؤسسات الخاصة ومنظمات الإغاثة الدولية إلى استخدام حجج الاكتظاظ السكاني لمحاولة الحصول على دعم إضافي لعملية تنظيم الأسرة على مستوى العالم، وينتهي المطاف بإقناع الناس بأنَّ تنظيم الأسرة بطريقة ما، هو الحل لمشكلات كبرى مثل التغير المناخي والفقر. وفي حين تستخدم هذه المنظمات عادةً لغة تمكين المرأة، فإنَّ حقوق النساء والوصول إلى وسائل تنظيم النسل عادة ما يُنظر إليها بوصفها وسيلة لتحقيق غاية، لا على أنَّها غايات مهمة في حد ذاتها. وبصفتي مؤيدة قوية للحقوق الإنجابية طوال حياتي المهنية، أعتقد أنَّ خطاب الاكتظاظ السكاني يقوّض نوع الرعاية الصحية وتنظيم الأسرة الآمن الطوعي الذي يحترم استقلالية المرأة، وغالباً ما يشجع الطرق القسرية مثل التعقيم الاضطراري.

نحن نعيش في عصر يتسم بتركيز لا يصدَّق للثروة: على الصعيد العالمي، يمتلك أفقر 50% من البالغين على مقياس الثروة الآن أقل من 1% من إجمالي الثروة في العالم، بينما يمتلك أغنى 10% حوالي 90% من الثروة. وأغنى 1% وحدهم يمتلكون 50% من الثروة. هذه الأرقام صاعقة. دعونا نبدأ من هذه النقطة عند الحديث عن مشكلات العالم الحديثة، لا بالحديث عن أفقر الناس الذين لديهم عدد أكبر من اللازم من الأطفال.

إذ يبدو أننا نطرح السؤال الخطأ.. فالسؤال الصحيح: هل نضخ كثيراً من ثاني أكسيد الكربون؟

وارن ساندرسونحاصل على لقب أستاذ فخري في الاقتصاد، بجامعة ستوني بروك

قد يكون السؤال الأفضل: هل نضخ كثيراً من ثاني أكسيد الكربون في الجو؟ وجواب ذلك السؤال: نعم. السؤال الواضح الآخر: هل نستخدم مياهنا الجوفية بطريقة غير مستدامة؟ وجواب ذلك السؤال: نعم. ومن ثم، ينبغي أن يكون الهدف جعل كوكب الأرض مستداماً. هل ينبغي لنا فعل ذلك من خلال تعقيم النساء الأمريكيات اللائي لديهن أكثر من طفلين؟ هل سيساعد ذلك على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون؟ بلا شك لا. هل ينبغي لنا إنفاق مزيد من المال على التعليم في إفريقيا؟ من شأن هذا أن يُخفِّض معدل المواليد، لكنَّ جيلاً أكثر تعليماً سوف يكون أثرى، ومن ثم أكثر تلويثاً للبيئة. ينبغي معالجة مسألة جعل الأرض أكثر استدامة بجدية ومباشرة، ذلك أنَّ جعل الكوكب يتبع مساراً مستداماً من خلال الحد من عدد السكان، في تخلٍّ خطيرٍ عن معالجة المشكلة الأساسية.

فلا يمكن أن نواصل الحياة على الكوكب ونحن نأكل كل هذا اللحم

 كيمبرلي نيكولز — أستاذة مساعدة في علوم الاستدامة بمركز دراسات الاستدامة بجامعة لوند

تخبرنا أحدث المستجدات العلمية من اللجنة الدولية للتغيرات المناخية بأنه لكي نتجنب أخطر آثار التغير المناخي، فنحن بحاجة إلى خفض التلوث المناخي الحالي إلى النصف خلال العقد المقبل. ويعني هذا أنَّ من الضروري للغاية تخفيض الانبعاثات الحالية. وتتمثل أكبر تغييرات بالنظام اللازمة لتجنب التغير المناخي الخطير، في الإيقاف السريع لحرق الوقود الحفري وتقليل كمية الماشية التي نربيها.

في الوقت الحالي، فإنَّ الدخل المرتفع يميل إلى الارتباط بتلوث مناخي أعلى. ذلك أنَّ عدداً قليلاً نسبياً من الأشخاص هم من يسببون قدراً كبيراً من تلوث المناخ. فنحو نصف سكان العالم يعيشون على أقل من 3 دولارات يومياً، وهم يتسببون في تلوث مناخي قليل للغاية (15% فحسب من المجموع العالمي). أما نسبة الـ10% من أصحاب الدخول العالمية الأعلى (من يعيشون على أكثر من 23 دولاراً يومياً، أو نحو 8400 دولار سنوياً) فهم مسؤولون عن 36% من انبعاثات الكربون العالمية.

إنَّ أسرع طريق لخفض الانبعاثات في وقتنا هذا يتمثل في أن يُخفّض أصحاب الانبعاثات الأعلى من بيننا حالياً انبعاثاتهم. وقد أظهرت دراستنا أنَّ الخيارات الثلاثة عالية التأثير التي من شأنها تخفيض الانبعاثات اليوم، هي أن تعيش حياة خالية من اللحم والسيارة والطيران. وثمة فوائد صحية واجتماعية لهذه الخيارات أيضاً. وفي الحالات التي يتعذر فيها التخلي عن هذه الأشياء جميعها، فإنَّ استهداف تخفيض استهلاك اللحوم وقيادة السيارات والطيران اليوم إلى النصف يُعتبر بداية رائعة.

وعلى وجه الخصوص، فإنَّ الطيران نشاطٌ له انبعاثات كربونية كثيفة، وكل رحلة طيران يجري تجنُّبها تمثل توفيراً كبيراً في الانبعاثات. (فعلى سبيل المثال: سوف يتعين عليك إعادة التدوير أربع سنوات، لمعادلة المنافع المناخية لعام واحد دون أكل اللحوم.

وينبعث من الكربون في رحلة طيران واحدة ذهاباً وإياباً «من نيويورك إلى لندن مثلاً» ما يماثل عامين من تناول اللحوم أو 8 أشهور من قيادة السيارة).

ولو أصبحنا نعيش جميعاً كالأمريكيين فإن الأرض بالتأكيد لن تكفينا

رايوات ديوناندان — أستاذ مساعد في العلوم الصحية بجامعة أوتاو

يعتمد ذلك على ما تقصده وعلى كيفية قياس هذه الأشياء. فعادة ما تُعتبر منطقة ما مكتظة بالسكان عندما تتجاوز قدرتها الاستيعابية، وهي عدد الأشخاص الذين تستطيع موارد منطقة ما، دعمهم (وعادة ما يُقصد بالموارد الطعام). لكنَّ هذا التقدير سوف يعتمد على ما يأكله الناس، وعلى ما هم على استعداد لأكله. فمن المعروف، على سبيل المثال، أنَّ اتباع نظام غذائي نباتي أسهل في الاستمرار عليه من اتباع نمط يعتمد على اللحوم. وتختلف الكفاية أيضاً مع اختلاف قدرتنا دائمة التغير على إنتاج الطعام.

وليس الأمر متوقفاً على الطعام فحسب. ولكنه مُتعلق أيضاً بتوافر ما يكفي من الطاقة والمياه والوظائف والخدمات والمساحة المادية لدعم الناس. ومع الابتكار في الهندسة المعمارية الحضرية، فإنَّ مسألة المساحة تجري إدارتها. واستناداً إلى مستوى تنمية المجتمع الذي نتحدث عنه، فسوف تختلف متطلبات الطاقة. فالعوامل الأكثر مرونة مثل الوظائف والخدمات سوف تعتمد على القيادة السياسية والعوامل الاجتماعية الاقتصادية العالمية التي يصعب قياسها والتنبؤ بها.

وتختلف كذلك الطريقة التي تُحدَّد بها الكثافة السكانية استناداً إلى ما تبحث عنه. فالكثافة السكانية للعالم بأَسره نحو 13 شخصاً لكل كيلومتر مربع، وذلك إذا نظرت إلى سطح الكرة الأرضية بأكمله. لكنها تصبح 48 شخصاً لكل كيلومتر مربع إذا نظرت إلى مساحة اليابسة فحسب (لأنه لا أحد يستطيع العيش على المحيط). نسمي ذلك الكثافة الحسابية، لكن يمكننا أيضاً النظر إلى «الكثافة الفسيولوجية»، التي تأخذ بعين الاعتبار فقط مساحة الأرض الصالحة للزراعة المتاحة للعيش فيها. ومع ارتفاع مستويات البحر والتصحر، فإنَّ مساحة الأرض الصالحة للزراعة تتناقص يومياً.

وقد يكون من الحكمة النظر إلى «الحد الأمثل من السكان بيئياً»، وهو عدد السكان الذين يمكن أن تدعمهم الموارد الطبيعية لمنطقة ما. ووفقاً لبعض التقديرات، فلكي يعيش الجميع بنمط حياة أمريكي من الطبقة الوسطى التي تنعم بالراحة، فيمكن أن تدعم الأرض نحو ملياري شخص. ولكي تدعم الأرض حياة أوروبية أكثر تواضعاً واقتصاداً، فمن المحتمل أن يرتفع هذا العدد إلى أكثر من 3 مليارات. ومع تغييرات إضافية في نمط الحياة، فسوف يرتفع هذا الرقم مرة أخرى، وربما بصورة كبيرة. فما مقدار التخفيض في نمط الحياة الذي نحن على استعداد لتحمله؟

عندما نتحدث عن «الاكتظاظ السكاني»، فإنَّنا نتحدث غالباً عن الطعام، لأنَّ هذه هي الخطوة التي تحدد سرعة العملية. وأظن أنَّ عدم كفاية الطعام سوف يكون أزمة ملحوظة قبل وقت طويل من ظهور الانهيار البيئي.

عندما بلغت المخاوف من الاكتظاظ السكاني ذروتها في سبعينيات القرن الماضي، كان التوقع أننا سوف نواجه مجاعات مستمرة منذ ذلك الوقت. وبدلاً من ذلك، فإنَّ إمدادات الغذاء، حتى في أكثر المناطق فقراً بالعالم، عادة ما تتجاوز الألفَي سعر حراري الموصى بها يومياً.

ويرجع هذا بالغالب إلى التحسينات في ممارسات وتكنولوجيا إنتاج الغذاء. في الواقع، تقدر الفاو (منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة) أنَّ 1.3 مليار طن من الطعام المنتَج للاستهلاك البشري يضيع سنوياً. وتعزى معظم الخسائر إلى التخزين والنقل غير المناسبَين. ويعني هذا أنَّ لدينا بالفعل مصدّاً وقائياً من السعرات الحرارية لمواجهة زيادة سكانية أعلى، بافتراض أنَّ من الممكن جعل إدارة الطعام أكثر كفاءة.

ومع ذلك، وبالنظر إلى الزيادة السكانية الهائلة، فربما تعتقد أننا سوف نتجاوز هذه العتبة الغذائية قريباً جداً، أليس كذلك؟ حسناً، ليس الأمر كذلك. ثمة شيء يُدعى التحول الديموغرافي الذي يقول، في أبسط صوره، إنَّ المجتمع كلما أصبح أكثر ثراءً، قل عدد الأطفال الذين ينتجهم هذا المجتمع. فالفقر الآن أقل نسبياً من أي فترة من أي وقت مضى من التاريخ الإنساني المسجل، وتُظهر جميع خطوط الاتجاه مكاسب ثابتة في تدابير مكافحة الفقر بالمستقبل المنظور. بعبارة أخرى، نحن نتوقع أن تنعكس هذه الثروة العالمية المتزايدة في صورة تباطؤ للنمو السكاني، ثم انكماش سكاني في نهاية المطاف. ومع أنَّ التقديرات تختلف، لكنَّ معظمها يُظهر أنَّ عدد البشر سوف يصل إلى ذروته في سبعينيات القرن الحالي، إذ يصل إلى 9 إلى 11 ملياراً، ثم يبدأ في الانخفاض بعد ذلك.

هل ستصبح الأرض مكتظة بالسكان رسمياً قبل هذا الانخفاض؟ نحن ببساطة لا نعرف. فعدد الناس ليس هو المشكلة، وإنما مقدار ما يستهلكه أولئك الناس. فمع زيادة الثروة يميل الناس إلى الرغبة في مزيد من الأطعمة الضارة بيئياً، مثل اللحوم. ربما يصبح عددنا أقل، لكن كل واحد منا سوف تكون بصمته البيئية أكبر بكثير. وثمة طريقة أخرى للنظر إلى الاكتظاظ السكاني، تتمثل في عدم النظر فيما إذا كانت لدينا موارد كافية لدعم العدد الحالي من الناس، بل إذا ما كان السكان الحاليون يخلقون كمية لا تُطاق من الضغوط والضرر البيئيَّين أم لا. فالشخص الفقير في بلد نامٍ منخفض الدخل يُنتج طناً واحداً من ثاني أكسيد الكربون كل عام، في حين أنَّ الشخص الغني في بلد متقدم عالي الدخل يمكن أن ينتج 30 ضعف هذه الكمية.

إذ إن التوقف عن التبذير في الطعام أهم من تقليل الزيادة السكانية

بعبارة أخرى، فإنَّ الزيادة السكانية الكبيرة في البلدان منخفضة الدخل من المحتمل أنَّها لا تسبب ضرراً مثل ضرر النمو السكاني المعتدل بالدول عالية الدخل. ومن المحتمل أن نتمكن من استيعاب كثير من الأشخاص الآخرين لو أنَّ الأشخاص الأثرياء في الدول المتقدمة الثرية استهلكوا أقل قليلاً. لذا، فلو كنت قلقاً من الضرر البيئي، فربما يجدر بك أن تنصح سكان العالم الأول حول طرق حياتنا المبذّرة بدلاً من إلقاء اللائمة على الأسر كبيرة العدد في المجتمعات منخفضة الدخل.

إذا تعين عليَّ حقاً الإجابة عن سؤالك مباشرة، فسوف أقول: لا، العالم ليس مكتظاً بالسكان. وأقول هذا للأسباب التالية: أولاً، معظم الناس في العالم لا يستهلكون أكثر من اللازم، وإنما الأشخاص الأكثر ثراء بالمجتمعات السكانية ذات الخصوبة المنخفضة هم أصحاب السلوكيات الاستهلاكية الأكثر ضرراً. ثانياً، معظم النمو السكاني في هذه التجمعات السكانية الأقل مسؤولية عن الأضرار البيئية. ثالثاً، لدينا في الحقيقة طعام كثير يكفي الجميع وزيادة، لكنَّنا نفتقر إلى البراعة التنظيمية والسياسية لجعل هذا الطعام في متناول الجميع عالمياً. رابعاً، تباطأ معدل النمو السكاني بالفعل، وسوف نشهد انخفاضاً بحلول نهاية القرن الجاري.

– هذا الموضوع مترجم عن موقع Gizmodo الأمريكي.

شاهد أيضاً

قيادة الحزب الأشتراكى الديمقراطى النمساوى “SPÖ”تعقد اجتماعاّ لمناقشة ضخ دماء جديدة في الحزب

عقدت قيادة الحزب الإشتراكى الاجتماعي الديمقراطى النمساوي “SPÖ” أجتماعاّ هاماّ على خلفية نتيجة الانتخابات الأخيرة …