الإثنين , 21 أكتوبر 2019

الجنرال الذى خسر الحرب والسلام – حفتر يواجه ثورة النواب وهزائم في هجومة على طرلبلس

لم تتوقف خسائر خليفة حفتر اللواء الليبي المتقاعد الأخيرة على فقدانه مدينة غريان، التي تمثل المدخل الجنوبي لطرابلس فقط، بل امتدت إلى المسار السياسي أيضاً، إذ بدأ نواب ليبيون تحركات مناوئة لحفتر داخل مجلس النواب تهدف إلى عزله وسط انقسامات في أوساط مؤيدي الجنرال داخل البرلمان.

ففي الوقت الذي  سيطرت فيه قوات حكومة الوفاق، المعترف بها دولياً، على غريان، أمس الأربعاء، يوشك حفتر على أن يفقد آخر ما تبقى له من شرعية منحها له مجلس النواب في طبرق (شرق)، بعدما عينه هذا المجلس قائداً أعلى للجيش في 2015، قبل أن يقوم مجلس النواب الموازي في طرابلس (غرب)، بإلغاء هذا المنصب بالإجماع في 17 يونيو/حزيران الجاري.

لماذا تكتسب غريان كل هذه الأهمية، وكيف تؤثر على مستقبل حفتر؟

تمثل سيطرة قوات حكومة طرابلس على غريان ضربة كبيرة لقوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) بقيادة خليفة حفتر والتي كانت قد بدأت في الرابع من أبريل/نيسان 2019 هجوماً للسيطرة على طرابلس مقر الحكومة المعترف بها دولياً.

غريان هي أول مدينة دخلتها قوات حفتر خلال هجومها على طرابلس، وتحولت إلى القاعدة الأمامية الرئيسية لقوات حفتر، ومنطلقاً للهجوم على طرابلس.

ولم تتمكن قوات حفتر في هجومها من تجاوز الضواحي الجنوبية لطرابلس منذ ذلك الوقت، كما لم يطرأ أي تغير كبير على خطوط المواجهة منذ أسابيع.

ووصف طارق المجريسي، الخبير السياسي ببرنامج شمال إفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، سيطرة القوات المتحالفة مع حكومة طرابلس على غريان بأنه تحول كبير في الوضع الراهن.

وقال: «إذا لم يستطع حفتر استعادتها (البلدة) سريعاً (وهو أمر محل شك) فإن ترهونة والوحدات الباقية للجيش الوطني الليبي ستكون أكثر انعزالاً مع ضعف الموارد وانخفاض الروح المعنوية».

ومن شأن هذه النكسة التي تعرض لها قوات حفتر أن تعطي دفعاً لمحاولات تجرى لنزع الشرعية عنه داخل مجلس النواب المنقسم أصلاً بشأن الهجوم المتعثر على طرابلس.

كيف خسر حفتر دعم أعضاء مجلس النواب؟

استند حفتر منذ البداية إلى تأييد مجلس النواب له، ولكن دعم أعضاء هذا المجلس له يتآكل باطراد.

فعندما أطلق حفتر عملية «الكرامة» في 2014، حظي بدعم غالبية أعضاء مجلس النواب، المقدر عددهم بـ 188 نائباً، رغم مقاطعة نحو 25 منهم لاجتماعاته في طبرق.

لكنه بعد هجومه على طرابلس خسر دعم معظمهم، بعد أن وقّع 100 نائب في 11 أبريل/نيسان الماضي، على بيان مشترك أعلنوا فيه استنكارهم لهجوم حفتر في الرابع من نفس الشهر، على طرابلس.

وجاء بيان الـ100 نائب للتبرؤ من إعلان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، باسم البرلمان، دعمه لهجوم حفتر على طرابلس.

ورغم أن جناح عقيلة صالح لم يعلن عدد النواب الذين أيدوا هجوم حفتر على طرابلس خلال اجتماعهم بطبرق، إلا أن وسائل إعلام محلية تتحدث عن نحو 30 نائباً فقط، ما يعني أن اللواء المتقاعد فقدَ تأييد نحو 130 نائباً.

وتجلى ذلك في البيان المشترك لـ100 نائب، ثم تلاه اجتماع 53 نائباً في طرابلس(47 بحسب وسائل إعلام مقربة من حفتر)، أعلنوا رفضهم لهجوم اللواء المتقاعد.

والآن هؤلاء النواب يختارون رئيساً جديداً بدلاً من عقيلة صالح ويعزلون حفتر

لكن الخطوة الأكثر أهمية، محاولة الإطاحة بعقيلة صالح حليف حفتر، من رئاسة البرلمان.

إذ انتخب النواب المجتمعون في طرابلس، في 5 مايو/أيار الماضي، الصادق الكحيلي، رئيساً جديداً لمجلس النواب، لمدة 45 يوماً، نظراً لاتهامهم لعقيلة صالح بأن مواقفه لا تعكس موقف غالبية النواب.

مجلس النواب الجديد في طرابلس، لم يكتفِ بإدانة هجوم اللواء المتقاعد، والإطاحة بصالح، بل صعّد أكثر عندما صوّت بالإجماع على إلغاء منصب القائد الأعلى للجيش، الذي يتولاه حفتر منذ أربع سنوات، ما ينزع منه أي صفة شرعية، ويجعل منه ضابطاً «متمرداً».

ورغم أن قرار مجلس النواب في طرابلس ضد حفتر «رمزي»، على أساس أن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، المعترف بها دولياً، لا يعتبر حفتر قائداً أعلى للجيش، وهي الصفة التي يتولاها حالياً فايز السراج، رئيس المجلس الرئاسي، كما أن جناح عقيلة صالح في طبرق، رغم تراجع دوره، مازال يعترف بحفتر قائداً أعلى للجيش.

وحفتر يرد بقصف مقر اجتماع البرلمان

غير أن هذا القرار استفز قوات حفتر ما دفعها لقصف مقر اجتماع برلمان طرابلس، في 24 مايو/أيار الماضي، كما أعلن برلمان طبرق سعيه لفصل النواب المجتمعين في طرابلس، رغم أنهم يمثلون أكثر من ربع النواب.

وإذا نجح مجلس النواب في طرابلس، من سحب البساط من تحت أرجل عقيلة صالح ومؤيديه، فإن حفتر سيكون تماماً خارج الشرعية، وسيصنف كانقلابي وخارج عن القانون، ومن شأن ذلك أن يعزز مواقف حكومة الوفاق المعترف لفرض عقوبات دوليةعليه.

ويبدو أن الصادق الكحيلي، رئيس مجلس النواب الجديد، وزملاءه، مصرّون هذه المرة على استعادة ما يعتبرونه مصداقية لمجلس النواب وعدم جعله رهينة لجماعة «عْقيلة»، حسب وصفهم.

لكن أكبر عقبة أمام مجلس النواب في طرابلس، تتمثل في أن غالبية أعضائه من المنطقة الغربية، التي لها أكبر حصة من النواب (نحو 80 نائباً) نظراً لأن نحو نصف سكان ليبيا يقطنون بها، بينما مجلس النواب في طبرق فمعظم أعضائه من المنطقة الشرقية (خسرت 12 نائباً بسبب عدم إجراء الانتخابات في مدينة درنة لأسباب أمنية)، فيما يتوزع نواب المنطقة الجنوبية بين المجلسين.    

لذلك فإنه من الصعب أن يلغي نواب برلمان طرابلس نظراءهم في طبرق، والعكس صحيح؛ لأن ذلك لن يؤدي إلى إحداث شرخ في مجلس النواب فقط، بل سيكرّس الانقسام بين الشرق والغرب داخل البلاد. 

لماذا انفض أغلبية النواب من حول حفتر؟

والسؤال الأكثر إلحاحاً، ما سبب تخلي معظم النواب عن دعم حفتر؟

يرتبط هذا الموقف بالاتفاق السياسي الذي تم التوقيع عليه في الصخيرات بين وفد من مجلس النواب وآخر من المؤتمر الوطني العام (المجلس التأسيسي) في 17 ديسمبر/كانون الأول 2015، وتم فيه اختيار أحد نواب طبرق (فايز السراج) رئيساً للمجلس الرئاسي.

إذ استطاع السراج استقطاب جناح من النواب لدعم حكومة الوفاق، خاصة من المنطقة الغربية، وبالأخص من طرابلس، التي تضم أكبر عدد من النواب.

ناهيك أن أكثر من 100 نائب كانوا مؤيدين لاتفاق الصخيرات، ولكن مجموعة صغيرة من النواب الموالين لحفتر أفسدوا محاولات المجلس المصادقة على اتفاق الصخيرات، من خلال البلطجة وافتعال الفوضى داخل المجلس، ما عرقل اعتماد حكومة الوفاق، رغم أن تمديد عهدة مجلس النواب، التي انتهت رسمياً في 2015، جاء تحت شرعية اتفاق الصخيرات.

كما وقعت انقسامات داخل صفوف أنصار حفتر

كتلة مهمة كان لها خلاف حساس مع حفتر، رغم استمرار تأييدها له، ويتعلق الأمر بالنواب الفيدراليين، الذين يطالبون بحكم فيدرالي في إقليم برقة (شرق)، وهو ما يرفضه حفتر الذي يؤمن بالحكم المركزي، ما دفع نواب «برقة» إلى مقاطعة اجتماعات المجلس.

كما أن خلافات حفتر مع بعض القبائل المؤيدة له مثل التبو وجناح من الزنتان والمغاربة، وقبائل من الشرق انشق قادتها عن قوات حفتر، على غرار محمد الحجازي من قبيلة الحاسة، ومهدي البرغثي من البراغثة، وفرج البرعصي من قبيلة البراعصة، كان له تأثير في مواقف نوابها إما من خلال المقاطعة أو الانحياز لمجلس النواب في طرابلس.

قطاع آخر من النواب قاطعوا الاجتماعات في طبرق لغياب الأمن، حيث تعرض بعضهم للضرب أو الاختطاف بسبب مواقفهم أو لأسباب شخصية، فضلاً عن آخرين توفوا.

واللافت أن عقيلة صالح لم يستقبل المبعوث الأممي في مقر مجلس النواب

ولكن يبقى الموقف الدولي مُهماً بشأن الاعتراف بمجلس النواب في طرابلس، ورئيسه الجديد الصادق الكحيلي، الذي حظي باستقبال رئيس المجلس الرئاسي، ما يعني اعترافاً من أحد أطراف الصراع به.

كما استقبل خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، الكحيلي، بمكتبه في طرابلس، وتم بحث سبل التكامل بين المجلسين «لاستكمال الاستحقاقات الدستورية»، في إشارة إلى الاستفتاء على الدستور وتنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية.

ويبدو أن عقيلة صالح لازال يحظى بجزء من الاعتراف الدولي بالنظر إلى لقاء المبعوث الأممي غسان سلامة، له لكن في مقر إقامته بمدينة القبة (شرق)، وليس في طبرق، خاصة أن صالح يُعتبر من أعيان قبيلة العبيدات، كبرى قبائل الشرق.

المشكلة بالنسبة لمجلس النواب الذي جاء بحفتر أن الطابع العسكري لقيادة الجنرال يهمش دور البرلمان تماماً، وفي الوقت ذاته فإن حفتر وعدهم بحسم معركة طرابلس خلال فترة قصيرة، وهو ما لم يتحقق.

 وقد تسبب مغامرة الجنرال الفاشلة في طرابلس في إفساد جهود السلام بعدما كانت وصلت لمرحلة حساسة.

إذ إن حفتر شن هجومه المفاجئ على طرابلس أثناء زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش للمدينة للترويج لعملية السلام.

والآن مع الهزيمة في مدينة غريان الاستراتيجية ومخاوف النواب أصلاً من النزعة الديكتاتورية لحفتر، من المتوقع أن تتزايد الكتلة الرافضة لحفتر داخل مجلس النواب ما يعرضه لفقدان ظهيره السياسي بعدما تعثر خياره العسكري.

وفي الوقت ذاته، فإن رئيس الحكومة الليبية المعترف بها فائز السراج أعلن أنه لن يقبل بإجراء محادثات سلام مع الجنرال المتقاعد.

شاهد أيضاً

قيادة الحزب الأشتراكى الديمقراطى النمساوى “SPÖ”تعقد اجتماعاّ لمناقشة ضخ دماء جديدة في الحزب

عقدت قيادة الحزب الإشتراكى الاجتماعي الديمقراطى النمساوي “SPÖ” أجتماعاّ هاماّ على خلفية نتيجة الانتخابات الأخيرة …