للأخبار                                                                            
شبكه رمضان

القدس في ظل الاغتصاب الصهيوني

عبد الغفار نصر

باحث سوري-عضو اتحاد الكتاب العرب

كان هرتزل يقول: "إذا حصلنا يوماً على القدس، وكنت ما أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء مقدساً لدى اليهود فيها، وسوف أحرق الآثار التي مرت بها قرون"، هذا البيان الصريح تؤمن به اليهود في تطلعها المستقبلي، وقد لا يتحقق لهم إذ لم تتمكن الحركة الصهيونية من تزوير التاريخ وتغيير ونبش الآثار.. إما حرقها أو بإضافة مقولة ماعليها، أو بإخفائها نهائياً، وذلك يتم من خلال سرقة الآثار الفلسطينية، والاعتداء على المقدسات المسيحية والإسلامية على السواء. ولهذا فقد نظروا في الآثار الدينية والمكتشفات الأثرية، وأوعزوا إلى علماء الآثار من الصهاينة من أجل تدمير وحرق ما لايتلاءم مع أساطيرهم التوراتية ومن ثم تسييس الاستنتاجات التي تتوافق وتطلعات المشروع الاستيطاني.

وقد برزت جملة هذه الاعمال والنوايا بصورة أكثر وضوحاً بعد احتلال القوات الصهيونية للقدس الشرقية والضفة الغربية في حرب 1967 فشرعوا يتطاولون على المسجد الأقصى، وأول الأعمال الوحشية كانت حرقه عام 1969 ثم القيام بعملية حفر الأنفاق تحت أعمدته بحثاً عما يدعونه الهيكل الذي تم تدميره، ومحو آثاره عند كل هجوم لشعوب بلاد الرافدين الآشوريين والكلدانيين، ثم أخيراً الرومان منذ عام 70 و135م فأي أثر يبحثون عنه.

 

القدس في ظل الاغتصاب الصهيوني

 

كان قرار الاغتصاب جماعياً. اشتركت في التخطيط له، والعمل على تنفيذه دول إنكلترا وألمانيا وفرنسا وروسيا، وهي الدول التي تنافست فيما بينها على اقتسام ممتلكات الرجل المريض "تركيا"، وقد سلكت كل دولة مسلكها في عملية الاغتصاب الذي أعنيه المشروع الصهيوني الاستيطاني. هذه الدول، وغيرها من الدول الأوروبية، وإن كانت إنكلترا صاحبة السبق في التبني على لسان وزير خارجيتها اللود بلفور الذي عكس أفكاره، وآراء شخصيات بريطانية متصهينة ويهودية تقول كما يقول البروتستنتية والكنيسة الانغليكانية من منابع التوراة والتلمود وتؤكد على استمرارية الرؤية الصليبية الأوروبية.

لكن المفارقات في قضية ملكية القدس تبدأ من ملكية الأماكن المقدسة والكثافة السكانية، فالأماكن المقدسة قبل الإسلام كانت بعهدة المسيحية لأنه لم يكن يوجد يهود إلا قله لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة- كما أشار "آدم ميتز" في كتابه "تاريخ الحضارة الإسلامية" ـ "أربعة أنفار فقط". ويذكر "نتن ياهو« في كتابه "مكان بين الأمم " أن الحاخام "هاليفي" جاء إلى القدس بعد تحريرها من الغزو الصليبي، ولم يجد فيها أحداً من اليهود فأخذ يدعوهم إلى القدوم إليها. واستناداً إلى العهدة العمرية بعد التحرير الإسلامي أصبحت إدارة الأماكن المقدسة، والاشراف عليها بيد المسلمين مع حريه العبادة للجميع، وقد حرم على اليهود النفخ بالبوق قرب حائط المبكى- أي ما يعرف النفخ بالشوفر الذي يلجؤون إليه في المظاهرات السياسية- كما يمنع عليهم رحضار أدوات الصلاة الجماعية في الكنيس كالمقاعد والستائر والخزائن، وذلك لقداسة الحائط الذي يعرف باسم- البراق، مربط البراق الذي أسرى برسول الله عليه الصلاة والسلام إلى القدس- وأصبحت هذه الأعراف والتقاليد تعرف باسم "السناتوكو" أي الحالة الراهنة التي استمر عليها أهل القدس على مختلف مذاهبهم يعملون بها طولة العهود الإسلامية حتى زمن الانتداب البريطاني.

مع ازدياد الهجرة الجماعية اليهودية إلى المدينة شرعوا يطالبون برئاسة بلديتها، ويدّعون أنهم الأغلبية عندما اعتبروا المستوطنات الملاصقة للمدينة ضمن حدود بلديتها، وهذه كانت صناعة بريطانية انتقائيه، ولم يسمع صوت العرب في تطبيق مبدأ الأقلية والأكثرية على كل فلسطين، إنما بريطانيا راحت تطرح تقسيم المدينة عام 1936 على أثر الثورة العارمة  ذلك الزمن، إلى بلديتين: عربية من إسلام ومسيحين، ويهودية القسم الغربي من المدينة إن لم يكن الحي اليهودي موجوداً لأنهم أقلية قليلة.

هكذا أصبحت القدس بلديتيين. ثم كان قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947، ويكفي هذا الزمن، أي حتى هذا التاريخ لأن يتزايد اليهود بنسبة كبيرة بفعل الهجرة في ظل الرعاية البريطانية. والمؤسف له أن الكتَّاب العرب لا يخجلون. وهم يقولون القدس العربية، والقدس اليهودية أو الغربية، فمتى كان في القدس يهود منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وحتى تاريخ القرار؟ ومتى كانت لهم حقوق في القدس، أو في أي بقعة من فلسطين؟ فإذا كانت الأنظمة العربية تقول دولة "إسرائيل" باستثناء أنظمة قليلة جداً، فما زالت تقول الصهاينة ودولة الصهاينة؟ لكن أليس من العار أن يتلفظ مفكرون باحثون، وكتاب عرب "بدولة إسرائيل"؟ هذه اعترافات مشؤومة تؤدلج معنى الانهزام العربي، وبعد قليل سوف تعترف بكل ما يغتصب من أطراف الأمة العربية تحت شعار الراهن، وفرضية الواقع.

 فرض التشرذم العربي والتخلف والضعف والانحلال الذي أصاب العرب والمسلمين أمراً هو قيام دولة الكيان الصهيوني، وبين 29/11/1947و 11/5/1949 أصدرت قرارات تعلن شكلانياً احترام الأماكن المقدسة وحرية العبادة وحكماً ذاتياً للعرب، واليهود الصهاينة، وعودة اللاجئيين كما نصت الفقرة رقم 11 من قرار الجمعية العامة رقم 194. كل ذلك لم يمنع دولة الكيان من الإعلان عن نقل عاصمتهم في 11/12/1949 إلى القدس لقد أصبح 13.84% من المدينة في ظل الاغتصاب منذ سقوطها يوم 15/5/1948 ولم يبق في يد العرب أكثر من 48.11% وهو ما أطلق عليه تسمية القدس الشرقية ثم درج اسم القدس العربية مقابل القدس اليهودية ومن خلال العقل الاستعماري المرحلي شرعت الصهيونية تثبت أقدامها في القدس الغربية، وتدعو جميع يهود العالم للهجرة إليها حتى ولو في بيوت قصديرية هشة، وهذه هي دعوة "دافيد بن غوريون" فور إعلان دولة الكيان الصهيوني.

لقد تطور عدد السكان اليهود في فلسطين من الصفر، اللاوجود، في مدينة القدس إلى حوالي 1850 يهودياً نهاية العهد العثماني، وفي كل فلسطين إلى 650 ألفاً عند نهاية الانتداب 1948 مقابل 1.400.000 عربي مسلم ومسيحي، أما ملكية العقار فقد ارتفعت من 4% عام 1918إلى 14% عام 1948. وهنا نلفت الانتباه إلى أن هذه الإحصائية تختلف من باحث إلى آخر.

وتزايد عدد اليهود في القدس بسبب الهجرة إليها من 100.000 يهودي عام 1948 إلى 190.000 يهودي أو 200.000 في إحصائيات أخرى عام 1967، وتقول بعض الاحصائيات أن نسبة اليهود أصبحت بعد 1948 هي 84.2% والعرب 2.9%، وقد تناقض عدد العرب الفلسطينيين إلى 66.000 نسمة، كما رافق تزايد السكان الصهاينة ارتفاعاً أكبر في بناء المستوطنات، التي تلتصق بالمدينة على شكل أحزمة كانت قبل 1967 في الجهات الثلاث جنوب غرب شمال فقط وبعد أن سقطت المدينة في حرب حزيران 1967 سارعت القوات الصهيونية إلى عمليات المصادرة، والهدم، والطرد، والحفر، والاستيطان الجماعي، والتضييق على ما تبقى من عرب في القدس القديمة.

كانت بلدية القدس الشرقية قبل عام 1967 حوال 6كم2، وملكية اليهود قبل 1948 لاتزيد عن 2% وقد سارعت دولة الكيان الصهيوني إلى توسيع حدود بلدية القدس الغربية على حساب الشرقية إلى 71كم2 صادرتها من الأرض العربية، فارتفع عدد المستوطنات من 12 مستوطنة على منحدرات المدينة إلى 64 مستوطنة. في حين لم تكن مساحة القدس الغربية المحتلة قبل عام 1967 أكثر من 38كم2 لتصبح مساحة المدينة 109كم2 بعد الحرب، وراحت دولة الكيان تتلاعب بعمليات المصادرة فمثلاً 25 كم2 من أصل الــ 71كم2 هي للمنفعة العامة و35كم2 مناطق مفتوحة وغير مخططة وسكنية، وأطلقت اسم المناطق الخضراء على هذه المناطق الثلاث، ومن أجل أن تعزل العرب المقدسيين أحاطت بلدية القدس الشرقية بحزامين من المستعمرات فوق أرض منهوبة من الضفة الغربية، الحزام الأول 330كم وأطلقوا عليه اسم القدس الكبرى، والحزام الثاني اسم حاضرة القدس بمساحة قدرها 665كم2 يسكنه 60.000 يهودي، في الوقت نفسه تزايد عدد المساكن اليهودية من 57500 مسكن عام 1967 إلى 122367 مسكناً عام 1995. وهذا يعود إلى أن دولة الكيان تمنح الصهاينة 3000 رخصة سنوياً وحقهم في القروض والمنح مقابل 150 رخصة للعرب، ولا يسمح لهم ببناء طابقي أكثر من طابقين فقط، ولا يمنح العربي قرضاً أو منحة من الكيان.

وقد بلغ عدد المساكن التي هدمتها دولة الكيان الصهيوني 600 بناية عربية يسكنها 6000 مواطن عربي مدعية إعادة تنظيم، وتخطيط الحي اليهودي في القدس القديمة كما تابعت مصادرة الأراضي في العيذرية، وأبو ديس، وجبل جيلا، وهذه تقع ضمن القدس الكبرى. وأصبحت المدينة تمتد بين رام الله شمالاً، وبيت لحم جنوباً، بمساحة قدرها 324 ميلاً مربعاً. جميع هذه الاجراءات تهدف تحقيق تضخم سكاني يهودي في القدس على حساب العرب الذين يتم طردهم يومياً. وهكذا فقد راحت دولة الكيان تعمل على:

- التخلص من العرب، وتوطين أكبر عدد ممكن من اليهود.

- تغيير معالم المدينة نهائياً بحيث يتم قطع صلتها بتاريخها، لذلك كان عدد العرب الذين طردوا حتى 1972 ما مجموعه 7400 مواطن عربي.

لتحقيق هذه الأهداف كانت دولة الكيان الصهيوني تضع الخطط السكنية وتطرد العرب على مراحل. فعلى سبيل المثال بين عامي 1967و 1977 تمت إقامة عدد من الأحياء السكنية هي "رامات اشكول"، حي "شابير"، أو "التلة الفرنسية"، حي "الجامعة العبرية"، "سانهدريا النبي يعقوب"، تل "بيوت الشرقية"، أو "الكالبية"، "جبعات همغتار"، "شهلات دفتا"، وفي ذهنية التخطيط الصهيوني في هذه المرحلة العمل على طرد 130 ألف عربي، وضم مساحات جديدة من الأرض، وتجزئة الضفة الغربية من خلال نشر المستوطنات. في الوقت نفسه وضعت خطة تحمل اسم التنمية الخاصة وتهدف إلى تغيير معالم القدس القديمة، وقد تمت حتى عام 1981 إقامة وترميم 468 وحدة سكنية، وتم بناء أسواق تجارية وكنيس يهودي، وإزالة أحياء عربية أخرى ومصادرة أملاكهم داخل حدود أمانة القدس.

إن جميع التغييرات الجارية هي لتحقيق مدينة كبرى كثيفة السكان تكون عاصمة لدولتهم، وهو ماتم إقراره في 30/1/1980 في توحيد المدينة كاملاً باسم أورشليم العاصمة دون أن تعبأ بالنداءات الدولية، أو قرارات الأمم المتحدة التي تنص على عدم المساس في وضع المدينة العربية، لكن دولة الكيان استمرت في بناء المساكن، والأحياء، والمستوطنات، حتى بلغ أوائل التسعينيات 72 ألف وحدة سكنية.

وكان يتم بشكل متوسط بناء نحو 2170 وحدة سكنية سنوياً، وبهذا أصبح عدد سكان المدينة حوالي 780 ألفاً في غضون سبع سنوات بين 1983- 1990. وكان هذا التضخم السكاني، أو بناء الوحدات السكنية، والمستوطنات في ضواحي القدس، أو في داخلها على حساب مصادرة الأراضي العربية، أو مساكن عربية يتم هدمها.

 

الاعتداءات الصهيونية على الأماكن المقدسة

 

ومنذ قيام الكيان الصهيوني وانتصر الدعم الشرق غربي والغرب غربي راحت تعمل على إنجاح عقل توراتي صهيوني من خلال وعد توراتي خرافي مزعوم: "لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر النيل إلى النهر الكبير نهر الفرات". لا بد والحالة هذه من البدء في هذا السياق لاحتلال هذه الأرض بإزالة المعالم الأثرية وتهويد المنطقة المقدسة التي هي ملك جميع المسلمين في جميع أنحاء العالم. وعندما تعمل الصهيونية على إزالة الآثار الإسلامية محاولة تهويد مدينة القدس، نحو تحقيق مركزية سياسية مدعومة بتاريخ يهودي مزيف، لذلك تعمل المنظمات والعصابات الصهيونية الإرهابية الخطيرة بتحد صارخ بعد أن أيقنت ضعف العرب في حماية الأماكن المقدسة.

 

المنظمات الإرهابية الصهيونية

 

1- منظمة بيتار- منظمة الشباب التصحيحيين:

وهي أقدم المنظمات الصهيونية في فلسطين المحتلة تأسست عام 1923. تهتم بإقامة الصلوات في ساحة المسجد الأقصى أسسها المحامي: "رابينوفت" والمحامي "جرشون سلمون".

2- حركة كاخ، عصبة الدفاع اليهودية:

أسسها الحاخام اليهودي الأمريكي "مائير كاهانا" عام 1972 يؤمن بطرد العرب بالقوة، يحتقرهم ويعتبرهم جماعة متعصبة منحطة يجب اضطهادهم وطردهم. قامت جماعته بنشاطات إرهابية خطيرة. فاعتدت على المسجد الأقصى وحاولت الاستيلاء عليه، كما حاولت تفجير قبة الصخرة وإطلاق النار ضدها.

3- جماعة غوش ايمونيم:

أسسها "موشي ليفنجر" في أيار 1974، في أعقاب حرب تشرين، تعمل على الاستيطان في الضفة الغربية وقطاع غزة، تؤمن بإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى. ولتحقيق ذلك يجب هدم المسجد، وطرد العرب من كل فلسطين التاريخية. أو على حد تعبير المؤسس من "إسرائيل"، وهو يعني بالتأكيد بين النيل والفرات. وتعد هذه الجماعة من أنشط الجماعات داخل الكيان الصهيوني، وهي تضم كبار الحاخامات، وتعتبر أقرب المنظمات الإرهابية إلى الليكود، يقول دانجار وبنشتاين صاحب كتاب "غوش ايمونيم الوجه الحقيقي للصهيونية".

4- حركة الحكومات كهاناحي:

هي امتداد لحركة كاخ يقيم أعضاؤها في مستوطنة "كفاء تبوح" شمال الضفة الغربية. ويعد بنيامين نجل الحاخام مائير كاهانا أبرز أعضائها يسير على خطا أبيه في قتل العرب. وأعمال تخريب في ممتلكاتهم. معظم أعضاء هذه الحركة من يهود الولايات المتحدة الأمريكية، يؤمنون بقدسية أرض "إسرائيل" وشعبها.

5- مجموعة حشمو نائيم:

يتزعمها الارهابي "يوئيل لرنر" على غرار حركة كاخ، ارهابية فاشية، يعمل المنتسبون إليها بعد أن أدوا الخدمة العسكرية على احتلال بيت المقدس بالقوة، وهم متمردون على سياسة الحكومة.

6- حركة الاستيلاء على الأقصى:

تدعو هذه الحركة علانية إلى هدم المسجد الأقصى، وتهويد مدينة الخليل، والاستيلاء على المسجد الإبراهيمي الذي أطلقوا عليه اسم "كنيس ماكفير" من أبرز أعضائها (يسرائيل أرئيل)، والحاخام كورن الذي يعد المرشح الروحي لعدد من الشبان اليهود. الذي قاموا بالاعتداء على المسجد الأقصى عام 1968.

هناك حركات ومجموعات صهيونية أخرى، تؤمن بإبادة العرب، وترحيل الفلسطينيين والاستيلاء على كامل التراب الفلسطيني. جميعها ذات طابع إرهابي، وعقل ليكودي يميني، لا يؤمن أصحابها بعقائد دينية، وليسوا متدينين، إنما حملوا الشعائر الدينية كذباً، وتشويهاً، وتستراً، نحو غاية وهدف مركزي مشحون بأيديولوجيا توراتية صهيونية تلمودية. هي "دولة إسرائيل" من الفرات إلى النيل، ويرون تحقيق هذا الهدف في ظل غياب الإسلام، وتعطيل آلية المسلمين الوحدوية، في الوقت الذي تتقارب، وتتقاطع، مبادىء الصهيونية العالمية، مع تطلعات الإدارة الأمريكية، حيث تجسدها على أرض الواقع الفلسطيني، عمليات ترحيل الفلسطينيين، وإخلاء فلسطين التاريخية.

وكانت الحروب الصليبية قد فشلت في تحقيق هذا الحلم على مدى قرنين، من أجل أن تبقى المنطقة العربية، والعالم الاسلامي، مرتعاً للأوروبيين، بل إنه الآن حلم "لوثري" في تجميع شذاذ الآفاق، من كل بقاع الدنيا، فوق الأرض الفلسطينية في القدس، تحت عنوان انتظار، ولقاء الماشيح المنتظر.

ومنذ اللحظات الأولى التي دنست فيها أقدام الصهاينة مدينة القدس 4/6/1967 أعلن حاخام الجيش الصهيوني "شلومو غورين" عن نيته في تدمير المسجد الأقصى، وقبة الصخرة المشرفة، من أجل استئناف ما يسمى الوجود اليهودي تحتها، وبديهي أن يتصرف محتل تعشش في ذاكرته روح الحقد والانتقام، ويحمل طبيعة الوحوش وسكان الغابات، مثل هذه النيات، وهو لا يرعى حرمة الله، ولا يؤمن بإله واحد، إنما هو من قبيلة لها إلهها- يهوه- يختص بها، يقاتل معها، ويتوحش بتوحشها.

هكذا شرع الصهاينة في العمل على تهويد مدينة القدس منذ اللحظات الأولى لانتصارهم، وهزيمتنا.

فاعتدوا على المحرمات، والمقدسات الإسلامية، والمسيحية في القدس، وفي جميع المدن الفلسطينية، ومن المقدسات التي تعرضت لوحشيتهم: سرقة تاج لتمثال السيدة العذراء من داخل كنيسة القيامة، وفي الرابع والعشرين من آذار عام 1971 قام عدد من اليهود باعتلاء القبر المقدس للسيد المسيح، وداسوه بالأرجل، وحطموا قناديل الزيت الموضوعة فوق القبر الواقع داخل كنيسة القيامة، كما شرعوا أيضاً في الثالث والعشرين من نيسان 1973 بكسر أحد الأعمدة الرخامية في الكنيسة وسرقة تاج السيدة العذارء، وكذلك الصليب والجلجلة، عندما قام عدد من الصهاينة بدخول الكنيسة، والعبث بمقدساتها.

ويمكن أن نوجز اعتداءاتهم على الأماكن المقدسة المسيحية فيما يلي:

1- الإزعاج والتحقير للمقدسات: فقد تعرضت كنيسة القيامة، وهي أقدم كنيسة مسيحية في القدس، وفي العالم لهذه الحوادث البشعة:

أ- سرقة تاج السيدة العذراء أواخر سنة 1967.

ب- تحطيم قناديل الزيت والشموع التي فوق القبر في مدخل الكنيسة يوم 24/3/1971.

ج- محاولة سرقة إكليل مرصع بالماس، قائم قرب صليب الجلجلة داخل كنيسة القيامة من قبل ثلاثة إسرائيليين يوم 12/4/1973 بعد أن اعتدوا على راهب فرانسسكاني وألحقوا أضراراً بالغة فيه.

د- الاعتداء على دير الأقباط ليلة عيد الميلاد المجيد في 25/4/1977 ونهب ممتلكاته.

هـ- قام بعض الموتورين الإسرائيليين المتعصبين في 26/2/1973 بإحراق المركز الدولي للكتاب المقدس على جبل الزيتون.

و- كما أحرقت أربعة مراكز مسيحية في القدس في 11/2/1974.

وهناك مواقع مسيحية في المدينة المقدسة، شرعت الإدارة الصهيونية في العمل على انتزاعها، وضمها للمتلكاتها مثل: أراضي أحياء المصلبة، والقطمون، وكرم الرهبان، ومدرسة شنلر الألمانية، والمعروفة باسم مدرسة دار الأيتام السورية، وأراض وأبنية الكنيسة الروسية البيضاء، والمعروفة بالمسكوبية، وأراض وعقارات متعددة، ومن بينها عمارة فندق فاست، وسط القدس المحتلة.

وتعرضت القدس الشرقية للقصف الجوي، والمدفعي الإسرائيلي، في عدوان حزيران، فأسفر عن تدمير عدد من الأبنية الأثرية، وبعض الكنائس، والمساجد الإسلامية، ومن بينها المسجد الأقصى المبارك، ومسجد قبة الصخرة المشرفة. وفي الحادي عشر من حزيران 1967 هدم المتوحشون حي المغاربة، وأسفر ذلك عن تدمير مسجدين في الحي المذكور. وفي الثامن من آب 1967 أزالت سلطاتهم عدداً من الأحياء العربية داخل البلدة القديمة، وهي: حي الشرف، وباب السلسلة، وحي السريان. وتم هدم خمسة مساجد إسلامية، وأربع مدارس أثرية. وفي الرابع عشر من حزيران 1967 أسفرت عمليات الهدم ونسف الأحياء العربية، المجاورة لحائط المبكى عن إزالة أربع عشرة داراً دينية، وأثرية. كما شرعت سلطات الاحتلال إلى القيام بعمليات الحفريات حول الحائط الغربي، والجنوبي، للحرم القدسي الشريف، وقد أدى هذا الهدم إلى تصدع الأبنية المجاورة للسور، فهدموها وأزالوها بالجرافات. ويمكن أن نكتفي بإشارة سريعة إلى بعض الاعتداءات الصهيونية:

1- قيام المدعو (شلومو غورين) حاخام الجيش الصهيوني يوم 9/8/1967 باقتحام الحرم القدسي الشريف على رأس عصابة يهودية تضم حوالي خمسين شخصاً حيث أقاموا الصلاة. وعبر غورين عن نيته في إقامة كنيس يهودي في المكان نفسه دون أي اعتبار لحقائق التاريخ، ولا احترام للمقدسات الإسلامية التي تتجه إليها أنظار ملايين المسلمين من جميع شعوب الأرض.

2- سمحت السلطات الصهيونية للأشرار من بني "إسرائيل" باقتحام الحرم القدسي، بين الحين والآخر، للعبث، وإهانة المصلين المسلمين.

3- هدد (موشي دايان) بضرورة فتح جميع أبواب الحرم القدسي لليهود، ولم يتورع عن الدخول يوم 19/10/1969 وهو يتحدى مشاعر المسلمين.

4- دخل (ايغال الون) نائب رئيس الحكومة الصهيونية يوم 2/11/1969 ومساعدوه إلى الحرم القدسي الشريف.

5- قامت جماعة من حركة بيتار مؤلفة من 12 شاباً بالدخول إلى المسجد الأقصى ومحاولة الصلاة فيه يوم 11/7/1971.

6- أقامت جماعة من حركة بيتار الصلاة في الحرم القدسي يوم 22/7/1971 وفي 1/8/1971 عمدت هذه الحركة نفسها إلى الصلاة في ساحة الحرم.

7- تقوم الجماعات الإسرائيلية بنبش المقابر الإسلامية، وإشادة أبنية سكنية، وتجارية فوقها.

كما قامت بضم عدد من المقابر في منطقتي باب الرحمة، واليوسفية، إلى أراضي منتزه "إسرائيل" الوطني 1974. كما قامت بالاستيلاء على مقبرة إسلامية تقع في حي "ماميلا" العربي في القدس العربية المحتلة 1948، وتضم المقبرة رفاة عدد كبير من المجاهدين ورجال الفتح الإسلامي.

 

القرارات الدولية بشأن القدس

أصبح للقرار صفته الدولية منذ الإعلان عن تكشيل مجلس الأمن الدولي والهيئات الدولية الأخرى التي تتبع الأمم المتحدة. ومدنية القدس، وبحكم موقعها الديني على المستويين الإسلامي والمسيحي، نالت مساحة واسعة من أعمال المنظمة الدولية وصدرت بشأنها مجموعة كبيرة من القرارات كان أولها قرار التقسيم:

1- وهو القرار رقم /181/ تاريخ 29/11/1947 ورد في الجزء الثالث منه معالجة قضية القدس، حدد حدودها شرقاً "أبو ديس"، جنوباً "بيت لحم"، غرباً "عين كارم". أقر هذا القرار مجلس وصاية لممارسة السلطة الإدارية، يتشكل من دون مراعاة الجنسية ونصت الفقرة /4/ على أن تكون المدينة حيادية منزوعة السلاح. والفقرة /8/ تنص على حرية الدخول والإقامة وهذه يحددها حاكم المدينة.

تعتبر الفقرة /10/ منه اللغة العربية والعبرية لغة رسمية. وتتضمن الفقرة /11/ حرية العقيدة الدينية وتكوين الجمعيات وحرية التظلم، والتعليم وتمنع أي تمييز بين السكان أو أي إجراءات تعيق نشاط المؤسسات الدينية. وتنص الفقرة /13/ على صيانة الأماكن المقدسة والأبنية الدينية. وتنص الفقرة /14/ على إعادة صياغة نظام المدينة بعد عشر سنوات.

2- القرار رقم /185/ تاريخ 26/4/1948 أن حفظ الأمن والنظام من اختصاص الأمم المتحدة.

3- القرار رقم /186/ التأكيد على حماية الأماكن المقدسة.

4- القرار رقم /187/ تاريخ 6/5/1948 تعيين رجل محايد للعمل كمفوض للأمم المتحدة. وقد اختير الأمريكي "هارول ايفانز" ثم تولى المهمة بعده الكونت »برنادوت« وقد اغتالته الصهاينة.

5- قرار رقم /194/ وقد جاء بعد احتلال وإعلان قيام دولة الكيان الصهيوني لــ 80% من فلسطين، وقد أكد هذا القرار ضرورة تأمين الوصول إلى المدينة المقدسة وضرورة عودة اللاجئين الفقرة /11/ منه، أو دفع التعويضات للذين لا يرغبون العودة. ونص القرار على تشكيل لجنة من أعضاء الأمم المتحدة تقوم بمهام "برنادوت" الذي اغتالته العصابات الصهيونية.

6- قرار /273/ الصادر 11/5/1949 وفيه انضمت دولة الكيان إلى الأمم المتحدة وقد اعترف وزير خارجيته "أبا إيبان" أن للقدس وضعاً قانونياً يختلف عن بقية البلاد.

7- القرار رقم /303/ في 9/12/1949: أكد على القرار رقم /194/ وعلى مجلس الوصاية لإنجاز قانون النظام المالي الدولي للقدس.

هنا نلفت الانتباه أن دولة الكيان الصهيوني أعلنت القدس عاصمة لها بعد يومين من صدور هذا القرار، وقام الأردن بإعلان ضم القدس الشرقية والضفة الغربية.

وفي الثامن من حزيران 1967 سقطت القدس بعد معارك دامية بيد الصهاينة وأعلنت دولة الكيان بضم القدس الشرقية وتغيير اسمها إلى (أورشليم) .

8- القرار /2253/  تاريخ 4/7/1967 جاء رداً من الأمم المتحدة على تصرفات دولة الكيان الصهيوني وذلك بأغلبية 99 صوتاً.

9- القرار /2254/ يؤكد على القرار السابق- بعد أسبوع- وقد طلبت من الأمين العام تقديم تقريره دورياً إلى مجلس الأمن والجمعية العامة بشأن القدس.

ومنذ 1980 أصبحت مدينة القدس حاضرة في جميع قرارات الجمعية العامة وأهم ماصدر عن هذه الجمعية القرار رقم 35/122 الذي يؤكد على القرار /194/ ووصف "إسرائيل" بدولة الاحتلال.

وبتاريخ 28/11/1981 صدر القرار 36/15 أهم ماورد فيه:

أ- التنديد بأعمال الحفر والتغيير في المواقع التاريخية للمدينة واحترام القانون الدولي واتفاقية جنيف.

ب- تشكل انتهاكات دولة الكيان تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

ج- يطالب القرار أن تكف دولة الكيان عن أعمال الحفر والتنقيب.

وبتاريخ 13/2/1990 صدر القرار 45/83: شجب هذا القرار ماقامت به بعض الدول من نقل لبعثاتها الدبلوماسية إلى القدس.

 

قرارات مجلس الأمن:

منذ 1968 دخلت مدينة القدس مجلس الأمن الدولي:

1- القرار رقم /250/ تاريخ 27/4/1968 يطلب فيه مجلس الأمن من "إسرائيل" عدم إقامة والعرض العسكري يوم 2/5 في مدينة القدس. وصدر القرار بالإجماع.

2- القرار رقم /252/ تاريخ 21/5/1968 على أثر عدم امتثال دولة الكيان الصهيوني لقرارات الجمعية العامة. واعتبر القرار جميع ماقامت به دولة الكيان من إجراءات إدارية أو تشريعية، أو مصادرة للأراضي والأملاك العامة لاغية وباطلة.

3- القرار رقم  /267/ تاريخ 3/7/1969 يؤكد على القرار رقم 252.

4- القرار رقم /271/ تاريخ 15/9/1969 وقد جاء على إحراق المسجد الأقصى ويؤكد على القرارين السابقين. وعدم جواز اكتساب الأرض بالقوة والغزو العسكري. وأشار القرار إلى حرمة الأماكن المقدسة واعتبر أي تدنيس للمواقع الدينية أو أي تواطؤ من هذا القبيل تهديد للسلام العالمي وطلب من دولة الكيان الامتناع عن خرق القرارات الدولية المذكورة أعلاه، وأن تبطل جميع الاجراءات التي تؤدي الى تغيير وضع القدس.

5- القرار رقم /476/ تاريخ 30/6/1980 وينص:

أ- يؤكد المجلس على الضرورة الملحة لانهاء الاحتلال للأراضي التي تحتلها دولة الكيان الصهيوني منذ عام 1967 بما في ذلك القدس.

ب- يشجب بشدة رفض دولة الكيان لقرارات الأمم المتحدة.

ج- يؤكد المجلس على رفض أي تغيير يطال مدينة القدس.

6- القرار رقم /478/ الذي لام دولة الكيان أشد اللوم لمصادقتها على القانون الأساسي بشأن القدس ورفضها التقيد بقرارات مجلس الأمن. قرر المجلس عدم الاعتراف بالقانون الأساسي وهو يخالف المادة من اتفاقية جنيف بشأن الأراضي الفلسطينية.

وعلى أثر الانتفاضة الباسلة صدرت قرارات عدة أهمها:

القراران /672- 673/ الصادران في 13/11/1990 وقد أقر صراحة بحقوق الشعب الفلسطيني على عكس القرار رقم 242 الذي اكتفى بذكر "حل مشكلة اللاجئين".

وهناك قرارات أخرى:

694- تاريخ 25/5/1991

726- تاريخ 7/1/1992

كانت هذه القرارات تعالج السلوك الصهيوني في مدينة القدس من طرد للسكان أو مصادرة منازلهم وهدمها أو مصادرة الأراضي في مجموع هذا السلوك الذي يخالف اتفاقيات جنيف. وجميع هذه القرارات تتكىء على القرار رقم /181/ للعام 1947 الذي أشرنا إليه.

دخلت العملية السلمية أو ما يسمى بالسلام مع دولة الكيان الصهيوني في أعقاب حرب الخليج  الثانية حملت الولايات المتحدة المسؤولية باسم رعاية السلام وليس في الحقيقة إلا استسلاماً وإهانة للأمة العربية.

 

المراجع:

1 - آرثر كوستلر: إمبراطورية الغزو: حمدي متولي مصطفى صالح.

2 – خطيئة إسرائيل الأصلية: دومنيك فيدال. ترجمة جبور الدويهي.

3 – اليهود واليهودية والتزوير التاريخي: عبد الغفار نصر.

4 – مجلة شؤون عربية: ع/04/4891.

5 – معلومات دولية: ع/65/ 2000.

6 – مجلة الدراسات الفلسطينية: ع/43/2000و50/2002.

7 – صحيفة الكفاح: ع/24/9/1999.
--------------------------------

المصدر
http://palestine-info.info/arabic/alquds/tahweed/egtesab.htm

أرسل مقال: أضغط هنا

 

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه

 

مقالات و أراء أخرى

1 . المدارس العربيه بفيينا سلبياتها وأجابيتها    
"""""""""""""""""""""""          
 . المكيال الأمريكى بين دارفور و رفح . .... أبراهيم الأزرق
""""""""""""""""""""""""
   3 ماذا يريد أبنائنا منا........ فاتن عمارة
"""""""""""""""""""
   4  ماذا جنى الغرب من الأختلاط........مها مناع
"""""""""""""""""
   5 تصحيح خطأ للمؤرخ الأسرائيلى بينى موريس.... أنطوان
""""""""""""""""""
6 . فى أمريكا الحجاب ينتصر على البكيني
""""""""""""""
 7 - البرنامج النووي المصري .. وداعاً
""""""""""""
المرأة بين التحرير و التغريب
8  الأعجاز العلمى >> الأذان 24 ساعه لاينقطع
"""""""""""
القدس في ظل الاغتصاب الصهيوني

9   السودان على طريق العراق ..........عبدالبارى عطوان
"""""""""""""""""""

 

 

جميع الحقوق محفوظه لدى شبكه رمضان