|
من هو الأوربى .. ؟!
حسـام شـاكر
(باحث وإعلامي، فيينا)
المرّة تلو الأخرى؛ يحاول
بعض المتنافسين على أصوات الناخبين في هذه القارة العجوز شق صفوف
مجتمعاتهم بين أوروبيين بجدارة، وآخرين لا يستحقون انتماء كهذا، فهم أو
آباؤهم أو حتى أجدادهم، قادمون من وراء البحار، أو ينتمون إلى دين
مغاير، أو تميل بشرتهم إلى السمرة.
وإذا كان هذا هو فحوى خطاب
اليمين المتطرف؛ فإنّ المشكلة لا تتوقف بالتأكيد عند هذا الحد. فيوماً
بعد آخر؛ نفيق على المزيد من القوانين المشددة والإجراءات المنفذة التي
تهدف لتحصين هذه القلعة المنيعة، أوروبا الموحدة، التي تحتضن بين
أسوارها العالية أربعمائة مليون نسمة، لتحول دون دخول بائسي هذا الكوكب
وفقرائه إلى عالم الرفاه والدعة.
والمسألة لها خلفياتها
العميقة، التي لا يفضل الكثيرون نبشها وإثارة الجدل حولها. فأن تكون
أوروبياً، غير مشكوك في أوروبيتك؛ يعني ببساطة أنّ الأمد العمري
المتوقع لك، بحسابات الإحصائيين المجردة، ضِعف ما هو منتظر لكثير من
الأفارقة، الذين يحاصرهم ثالوث الجوع والإيدز واستحقاقات الديون
الأوروبية.
وأن تكون أوروبياً؛ يعني
أيضاً أنّ حصتك من البروتين تتفوق على حظوظ شركائك في الإنسانية، الذين
يتقاسمون كسرة الجوع والحرمان. بل لن يُسمح لك، بوصفك أوروبياً؛ أن
تلتهم موزاً من النوعيات الرديئة التي يتناولها الفقراء الجالسون خارج
صالون المرفهين هذا، فقد قرّر المشرِّعون في بروكسيل وستراسبورغ منذ
سنوات أنّ أيّ موزة تدخل القارة الموحدة ينبغي أن تتقيد بـ"معايير
الجودة الأوروبية".
أما المشكوك في أوروبيتهم،
فكثيرون على كل حال. فلا جدال أنّ ألبانيا مثلاً لا تنتمي إلى أوروبا
إلاّ في الخارطة، ولعلّ بعضهم يرى في ذلك "مفارقة جغرافية" لا أكثر.
فما شأن الألبان الفقراء، الذين يقاسون المتاعب المركّبة، وقارة
المحظوظين هذه؟!. بهذا نفهم سبباً إضافياً يجعل تيرانا تبقى بمنأى عن
مشروع التكامل الأوروبي، الذي هو مشروع اقتصادي قبل أي اعتبار آخر.
وللمشكوك في أوروبيتهم
مواصفات عدة؛ فأجورهم في سوق العمل أقل، وحظوظهم من نقمة اليمين
السياسي أكبر، وهم بضاعة الاتجار بالبشر عبر الحدود، وضحايا القوانين
المشددة التي يقرِّرها السادة الجالسون في مواقع صنع القرار أيضاً.
وبنظرة خاطفة سنجد الكثير
من الشواهد التي لا تفتقر لدواعي الأسى. فمولدافيا، مثلاً، الغارقة في
متاعبها حتى أذنيها؛ ليست أوروبية، بجدارة، فمواطنوها الذين يعيشون في
الفناء الخلفي لأوروبا؛ هم بوجوههم الشاحبة أشباه أوروبيين، لا أكثر.
ولا شك في أنّ المسألة
تتجاوز الفوارق المعيشية والتباينات المذهلة في مستوى الرفاه، لتمتد
إلى جملة من الأبعاد الدينية والتاريخية والثقافية المتشابكة. هذا ما
يتجلى في الحالة التركية مثلاً؛ فالأتراك ما زالوا في غرفة الانتظار
ولم يؤذن لهم بالالتحاق بنادي الأوروبيين بعد، منذ أن أرغمهم أتاتورك
على ارتداء الملابس الأوروبية قبل ثمانية عقود. وهم اليوم، يدركون أكثر
من أي وقت مضى أنّ المعادلة الأوروبية أعقد من خلع الطربوش الزاهي من
فوق الرؤوس.
وحتى عندما وقفت أوروبا
أربع سنوات وهي مكتوفة اليدين، بينما كان شعب البوسنة يُسحق سحقاً؛
أدرك جميعهم مغزى الرسالة التي تقول؛ هؤلاء البوسنيون ليسوا أوروبيين
تماماً. وإلاّ لكان مسلسل الإبادة قد توقف في حلقته الأولى، كما حدث
على الأقل بالنسبة لسلوفينيا التي دخلت الصالون الأوروبي الفخم في أيار
(مايو) 2004، وهي التي أريدَ لها أن تسلم من لعبة الحرب التي لا تُبقي
ولا تذر.
يبقى لنا أن نتساءل .. من
هو الأوروبي يا تُرى؟ أهو الرجل الأبيض ذو الشعر الأشقر والعينين
الزرقاوين؛ كما يريد اليمين المتطرف أن يفهمنا؟ أم هو المسيحي، حتى ولو
لم يكن من مرتادي الكنائس أو "المؤمنين بالرب"؛ كما نستشف من ما يبوح
به بعض المحافظين؟
هل الأوروبي هو ذاك الذي
ينتمي إلى التشكيل السياسي الذي يحمل اسم "الاتحاد الأوروبي"، بدوله
الأعضاء التي ليس من بينها قلب أوروبا (سويسرا) وسقفها (النرويج)،
وغيرهما كثير؟
وإلى حين فضّ النزاع وسط
قائمة طويلة من التساؤلات، وبانتظار أن يتقدم المتبارون بتعريف جامع
مانع لهذا الإنسان "الأوروبي" ذي المقاسات المحددة التي يفترضها
الحالمون؛ لا نجد ما نستأنس به، سوى أنّ نخلص إلى أنّ الأوروبي هو "من
يشعر نفسه أنه كذلك".
يبقى علينا أن ندرك أنّ
مشروع التكامل الأوروبي يواجه التحديات والعقبات، ويبدو أنّ أشدها وطأة
هي نزعة العزلة التي تتدثر بها دول القارة الموحدة، وهي الدول التي لا
تمثل سوى نصف القارة العجوز في واقع الأمر.
أما إذا أريد للمشروع
الأوروبي أن ينهض على أسس أكثر رشداً؛ فإنه سيكون بحاجة إلى إيلاء
اهتمام أكبر للبُعد الإنساني. بهذا سيكون متاحاً لأوروبا أن تتسامى على
الحدود السياسية الجامدة والحسابات الاقتصادية الجافة التي ما زالت
سيّدة الموقف، كما سيجعلها ذلك أقدر على التعالي على متاعب الماضي،
والحواجز والأسوار المصطنعة في النفوس.
وإذا كانت عدد مواطني
أوروبا الموحدة قد قفز بمقدار سبعين مليوناً، في ربيع العام 2004،
باستيعاب عشر دول جديدة في الاتحاد؛ فإنّ الأمر يستحق أكثر من وقفة.
فأوروبا مطالبة في هذه المرحلة الدقيقة التي تعيشها أن تحذر من التحوّل
إلى "إمبراطورية رومانية" جديدة، وأن تُحسِن قراءة التاريخ لتتحاشى
تقمص الماضي الحافل بالأتراح.
ولسنا نبالغ إذا ما زعمنا
أنّ معظم البشرية، البائسة، ستقابل المشروع الوحدوي الأوروبي بوافر
التقدير والارتياح إذا ما تحلّى بوجه إنساني حقيقي، بعيداً عن الشطط في
الجشع والمادية والعزلة عن السياق الكوكبي. عندها فقط سيقال أنّ
المشروع الأوروبي الذي انطلق بخطواته الأولى في العام 1952 قد تجاوز
اهتمامات "الفحم والصلب" التي حُدِّدَت له آنذاك، إلى الاكتراث بالبشر
أنفسهم .. وبإنسانيتهم أيضاً.

|
|
مقالات و أبحاث أخرى للكاتب
""""""""""
من
هو الأوربى
===========
مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========
الأحتلال هو الأحتلال
=============
فضائيه الحرة .. أهى حرة
حقاً
=============
ً
ويسألونك عن "إسراطين
=============
أي علمانيه تقصدون بالضبط
============
الدين فى أوربا
===========
أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================
بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============
مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============
هل أخفقت "القرية الكونية"؟
========
أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب
===========
المؤتمر الأول للأئمة في النمسا
اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً
ديمقراطية السقف الأدنى وإصلاح دون مستوى
الإصلاح
لاستعمار يطلّ برأسه من جديد
هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية
تصلّب في شرايين الجمعيات؟
مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة
من الهجرة إلى المواطنة
شخصنة المؤسسات
|