هل
أخفقت "القرية الكونية"؟
حسـام شـاكر
(باحث وإعلامي، فيينا)
تبقى
"العولمةُ" واحدةً من المفاهيم المثيرة للجدل، والتي، رغم كثرة
تداولها؛ لم يحصل الاتفاق تماماً بشأن ماهيتها أو طبيعة مقاصدها أو
انعكاساتها وتداعياتها.
فهناك من اعتبر العولمة عملية تلقائية بوصفها تطوّراً طبيعياً لمجمل
التحولات التي يشهدها عالمنا في مجالات الاتصال والإعلام والتقانة
والاقتصاد والسياسة، بل وفي مجال الثقافة أيضاً، بينما رآها آخرون
بمثابة عملية مُبَرمَجة عن قصد وخاضعة للتوجيه.
وقد
وجد القائلون بالرأي الثاني أنّ عليهم أن يكشفوا النقاب عن تلك الأطراف
المتنفذة، التي يُفترض أنها اصطنعت العولمة أو التي تقوم باصطناعها
ورعايتها. وذهب هؤلاء إلى أنّها عملية كانت قد برمجتها، أو تسعى إلى
برمجتها، الدول الصناعية الأبرز، ومعها المنظمات الدولية التي يهيمن
عليها أقطاب النظام الدولي، زيادة على التكتلات والتحالفات التي تمثل
إطاراً لتلك الدول.
قد
يكون كلا المذهبين قد أصاب جانباً من الحقيقة بشأن العولمة، وليس
بالتأكيد كل الحقيقة، إلاّ أنّ ما نرغب في إثارته، هو سؤال مغاير بعض
الشيء: فهل العولمة قائمة حقاً، حتى الآن على الأقل؟. إنه بكل تأكيد
سؤال جوهري يحتاج تناولاً نقدياً جاداً، قد تفلح الملاحظات
والاستنتاجات التالية في أن تكون مدخلاً له.
إنّ
الدول التي سارعت إلى التبشير بالعولمة والترويج لها؛ وجدناها الأسبق
أحياناً إلى الانقلاب على مقتضياتها والتزاماتها. فإذا كانت العولمة
تقتضي إيجاد أطر دولية للقضايا المشتركة؛ فقد أصبحنا شهوداً على تعثّر
بعض تلك الأطر، لمجرد أنها مسّت ما اعتبرت دولٌ مؤيدةٌ للعولمة أنه
يُضِرّ بمصالحها. وبين أيدينا، على سبيل المثال؛ نموذج نكوص الدول
الصناعية الكبرى عن التزاماتها بشأن قضية التغير المناخي والاحتباس
الحراري. فقد أحجمت الدول الصناعية، وبخاصة الولايات المتحدة، عن
الوفاء بهذا الالتزام الملحّ للحفاظ على الكوكب الأزرق، وهو ما أسفر عن
تعثُّر الاتفاقية الإطارية الخاصة بتغير المناخ لسنة 1992، وكذلك
بروتوكول كيوتو المرتبط بها لسنة 1997، حتى مع المحاولات المتلاحقة
لتفعيله أو إعادة تحويره.
وبينما تقوم العولمة في جانبها الاقتصادي على مبدأ حرية التجارة وتحقيق
أقصى درجات الانفتاح اللازم لذلك؛ فإننا نجد، عبر مزيد من التأمل؛
توسّعاً في مجال التدفق الحرّ لرؤوس الأموال والاستثمارات؛ يقابله
إحجامٌ عن الخوض في حلقة أخرى من السلسلة الاقتصادية، تتمثل في القوى
العاملة التي يجري، في ظل عصر العولمة المفترض؛ الحدّ من تحرّكها
وتقييد فرصها بصورة غير مسبوقة. ومن الواضح بالتالي أنّ الأمر على هذا
النحو إنما يُلصِق شبهةَ التناقض بمشروع العولمة الاقتصادية. وبهذا؛
أصبح من الممكن تبرير بعض التأويلات القائلة بأنّ شعارات العولمة يتم
ترجمتها وفق مصالح الدول المهيمنة على النظام الدولي الراهن وما تراه
من مكاسب ذاتية لها، بغضّ النظر عن مصالح أكثرية الأمم والبلدان في
المجتمع الدولي.
ثم
إنّ العولمة الاقتصادية، كمفهوم يقوم على انفتاح الأسواق؛ باتت موضعَ
تساؤلٍ جدِّي منذ أن نكصت الولايات المتحدة على عقبيها بلجوئها إلى فرض
إجراءات الحماية التجارية على واردات الصلب إليها في العام 2002، وهو
ما أدّى إلى ردود أفعال مماثلة في أوروبا وآسيا.
وليس
بعيداً عن ذلك؛ اندلع النزاع التجاري الذي عُرف باسم "حرب الموز". إذ
كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد هدّدت بفرض عقوبات على الاتحاد
الأوروبي إذا لم يتراجع هذا الأخير عن قراره بفرض رسوم إضافية على
وارداته من الموز. وقد رأت الولايات المتحدة في الخطوة الأوروبية
تهديداً لمصالحها في الدول المرتبطة بها في أمريكا الوسطى والجنوبية
المنتجة للموز، بينما كان الأوروبيون يريدون منح الأفضلية لواردات
الموز من الدول المرتبطة بهم في أفريقيا والكاريبي. وقد استغرق ذلك
النزاع تسعَ سنوات، ابتداء من سنة 1993، لكنه بلغ الذروة في نهاية
التسعينيات واستمر حتى سنة 2002.
مقابل هذا كلِّه؛ لا يفوتنا ارتباط العولمة بعبارة جذابة ومثيرة، كان
قد أطلقها المنظِّر الإعلامي الكندي مارشال ماكلوهان
Marshal McLuhan قبل أربعة
عقود. فقد توقع ماكلوهان، في مطلع الستينيات من القرن العشرين؛ أن تقود
التحولات الاتصالية والإعلامية المتسارعة؛ عالمنا إلى أن يصبح "قرية
كوكبية" Global Village.
وكثير منا بالفعل بات يفخر بأنّ العالم قد أصبح "قرية" في ظل الثورة
الاتصالية والإعلامية التي ما زال يشهدها.
إلاّ
أنّنا بشيء من التأمل سنجد أنّ الواقع الفعلي بقي بعيداً عن هذا الشعار
البرّاق، الذي يدغدغ مشاعر الإنسان الطامح إلى تجاوز الحدود والمسافات
واختراق الآفاق. فهناك أمم بأكملها لم تستفد من هذه "الثورة الاتصالية
والإعلامية" بعد، ويبدو أنها لن تحصد ثمارها في الأمد القريب على أحسن
التقديرات. ولعلّ ما هو أهمّ؛ أنّ هذه الأمم تمثل معظم البشرية، التي
تقف اليوم على هامش مجتمع المعلومات والإعلام العالمي.
ثم
إنّ "القرية الكونية" الموعودة؛ لم تتحقق بعد لسبب آخر. فالذين تحدثوا
بتفاؤلٍ مُفْرِط عن هذا المفهوم؛ ربما أغفلوا الجانب الآخر منه. فمن
سمات القرية أنها لا تقوم على التواصل القريب وحسب؛ بل وعلى التواصل
الدافئ أيضاً، فالجميع يعرفون بعضهم بعضاً ويتواصَون ببعضهم بعضاً
خيراً. يقود القرية حكماؤها، بينما يُصار إلى تسوية النزاعات وفق آليات
حصل التوافق عليها على أمل تحقيق العدل والإنصاف.
ولكنّ عالمنا اليوم لا يعكس ذلك كله، فالتواصل الفعلي بين شتى أرجائه
وأطرافه ليس قائماً حتى الآن، بينما تغلب على الظاهرة الاتصالية
الراهنة أحادية التدفق من اتجاه إلى آخر وليس في الاتجاهين. ثم إنّ
ثورة المعلومات والإعلام لم تفلح، كما كان مأمولاً، في تجاوز
الانطباعات المسبقة والمعلومات المشوّهة عن "الآخر"، المتوارثة من عصور
الظلام. فما جرى في كثير من الأحيان لم يتجاوز إعادة إنتاج لتلك
الانطباعات والمعلومات المقولبة. صحيح أنّ وسائل الإعلام تنقل إلى
متابعيها الحدث العالمي بالنص والصوت والصورة، وبالتغطية الحية أيضاً؛
لكنها نادراً ما تُفلح في عرض الخلفيات وإيضاح الملابسات المرتبطة
بالحدث، التي لا بد من إدراكها كي يحدث الفهم لطبيعته. قد تساهم هذه
الحقيقة في تفسير الفجوة الشعورية المتعاظمة وحالة الخصام المؤسفة بين
قطاعات من البشر في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب. فـ"الآخر" يبدو
مختلفاً ومثيراً للاستغراب والاستهجان، لأنّ صورته لم تُقدّم كما
ينبغي، أو أنها لم تُوضّح بالقدر الكافي.
ومن
هنا نستنتج أننا ما زلنا بعيدين عن التواصل الكوكبي المنشود، فضلاً عن
أن يكون تواصلاً دافئاً متحرِّراً من التمترس خلف الصور النمطية
والانطباعات المسبقة السلبية.
إنّ
الإنسان في عصر "القرية الكوكبية" المُفترض، ربما يعلم بمعاناة أخيه
الإنسان، ضحية ثالوث الفقر والجوع والمرض؛ لكنّ ذلك العلم لا يرقى في
كثير من الأحيان إلى درجة الشعور الفعلي بتلك المعاناة ومعايشتها،
وبالتالي المساهمة في إنقاذ الإنسان لأخيه الإنسان، كما ينبغي. ولسنا
في مقام يتسع للاستشهاد بالكثير من المعطيات العددية المذهلة التي تؤكد
هذه الحقيقة المؤسفة.
وزيادة على ذلك كله؛ فإنّ عالمنا ما زال بعيداً عن التمكين لآلية نافذة
من الحكم الجماعي الرشيد، الذي يغلِّب صوت العقل ونداء الحكمة، فينصاع
له الضعفاء والأقوياء. وقد برهنت الدول المهيمنة على النظام الدولي
ذاتها، كما وجدنا ذلك بوضوح في السنوات الأخيرة؛ أنها لا تتوّرع عن خرق
الشرعية الدولية وانتهاك مبادئها ونظمها إذا لم تساير مصالحها. ومع
استعلاء الخيارات الحربية والتحاكم إلى الترسانة العسكرية لحل القضايا
العالقة والسعي إلى استنفاذ المصالح الذاتية من خلال ذلك؛ يبتعد عالمنا
بكل تأكيد عن صورة القرية، محاكياً نموذج الغابة ونمط العلاقات السائدة
فيها.