حسـام شـاكر
(باحث وإعلامي، فيينا)
الاتساع الذي طرأ على مشروع الوحدة الأوروبية في العام الماضي جعل
الاتحاد كياناً متعاظم الحجم والأهمية بدوله الخمس والعشرين.
فقد أصبحت أوروبا الموحدة اليوم عملاقاً
بالفعل، بمواطنيها الذين يناهزون أربعمائة مليون شخص، إلاّ أنّ هؤلاء
يعيشون على ما يبدو في وادٍ آخر غير ذلك الذي يترعرع فيه الكيان
المتعاظم.
إذ
لم تكن صناديق الاقتراع الخالية تقريباً في الكثير من مراكز التصويت في
آخر جولة انتخابية أعقبت التوسعة؛ سوى مؤشر إضافي على أزمة مشروع
الوحدة الأوروبية. فالناخبون الذين تحاشى معظمهم في حزيران (يونيو)
2004 الإدلاء بأصواتهم، متنازلين عن حقهم في تشكيل الخارطة الجديدة
للبرلمان الأوروبي؛ برهنوا مرة أخرى على مدى تفاعلهم مع الوحدة
الأوروبية وشعاراتها الكبرى.
كانت
نسبة المشاركة في الانتخابات الأوروبية الأخيرة، التي هبطت هذه المرة
إلى قرابة الثلث من إجمالي من يحق لهم التصويت؛ مؤشراً جديداً على درجة
اكتراث الشارع الأوروبي بمشروع الوحدة المصمّم في أعلى المستويات.
ولعلّ ما يؤرّق بعضهم من هذا التجاوب الفاتر للغاية؛ أنّ هذه هي حصيلة
حملات أوروبية ووطنية مكثفة جرت في الأسابيع التي سبقت الاقتراع،
لاستنهاض رغبة المواطن الأوروبي في الإدلاء بصوته، لتحديد من يمثله في
بروكسيل على المستوى التشريعي. وقد ظهر رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك
رومانو برودي بشكل يومي على شاشات
التلفزة في أقطار أوروبا، في إعلانات
مدفوعة الأجر لهذا الغرض، حاثاً مواطني الدول الأعضاء بلغاتهم الأم على
التفاعل بشكل أفضل مع انتمائهم الأوروبي المشترك.
ولكنّ الأمر لا يتوقف عند هذا الحد. فالسلوك
التصويتي في انتخابات البرلمان الأوروبي يدعو إلى مزيد من
التأمل. فهو يخضع إلى حد كبير للتطورات
الداخلية في الدول الأعضاء، ويبدو انعكاساً لها قبل أن يكون تفاعلاً مع
السياسات الأوروبية المشتركة. فالتقليد الذي يفرض
نفسه بشكل متزايد؛ هو تقدّم المعارضات المحلية على الأحزاب الحكومية في
انتخابات البرلمان الأوروبي. أي أنّ الناخبين يفضلون
اغتنام فرصة الانتخابات الأوروبية لغير
أغراضها الأصلية، بإرسال إشارات تحذيرية عبرها للداخل، نحو حكوماتهم
الوطنية المثيرة للمتاعب. وعادة ما تقرأ
الحكومات مضمون الرسالة بعناية فائقة؛ فإما أن تسارع إلى كسب رضا
مواطنيها قبل فوات الأوان؛ أو أن تتحول الإشارة التحذيرية إلى فعل
تصويتي جدِّي في الانتخابات العامة القادمة على المستوى الوطني.
أما
برامج الأحزاب والقوائم المتنافسة، وطنياً، على الجلوس على مقاعد
البرلمان الأوروبي؛ فلم تعكس، إجمالاً، المدى الذي بلغته عملية تبلور
الكيان الأوروبي الموحد. وإذا كان الخضر، وحسب، الذين
خاضوا الانتخابات الأخيرة كحزب أوروبي موحد
وتحت شعار مشترك؛ فإنّ النزعة القطرية لم تستثنهم أيضاً على المستوى
الميداني، رغم لفتتهم الرمزية هذه. فلم تكن
هناك فرصة إضافية للمراهنة على تسويق الشعارات الجميلة للوحدة
الأوروبية في حمى المنافسة التي فرضتها المعركة الانتخابية. بل غلبت
لغة المزايدات على السجال الانتخابي هذه المرّة، بشكل أكثر وضوحاً من
سابقاتها. فالنقمة غلبت على الناخبين في الدول "المانحة" التي يميل
ميزان العطاء والأخذ على حسابها، وقد باتت شكاوى من قبيل "إننا ندفع
لبروكسيل أكثر مما نحصِّل منها"؛ مادة جيدة للتراشق بين المرشحين في
المناظرات التلفزيونية، الذين انبروا لإظهار مدى انتزاعهم المكاسب
للوطن الأم من القارة العجوز. أما في الدول "المتلقية"، التي اعتاد
مواطنوها أن ينظروا إلى أوروبا الموحدة كمانح للمساعدات قبل أي شيء
آخر؛ فإنّ القلق من الامتيازات التي تتمتع بها
قد تسيّد الموقف مع التوسعة الكبرى الأخيرة للاتحاد، وما تفرضه من
توجيه الدعم للأعضاء الجدد لتمكينهم من تسريع عملية نهوضهم الاقتصادي.
في المحصلة؛ قُدِّمت أوروبا الموحدة في "المعركة الانتخابية" الأخيرة
على أنها "بقرة حلوب"، وقد ساهم البرلمانيون الذين يُفترض أن ينهضوا
بأعباء التمثيل والتشريع والمحاسبة؛ في تكريس نظرة رياضية مختزلة لجدوى
الوحدة الأوروبية، طالما أنّ الموازنة التي
استهوت بعضهم هي: كم نأخذ؟ وكم ندفع؟.
من
الثابت على أي حال أنّ الإقبال الفاتر جداً على التصويت في انتخابات
البرلمان الأوروبي؛ هو بحد ذاته أحد أعراض أزمة رافقت مشروع الوحدة،
الذي تنهمك فيه هذه القارة منذ نصف قرن. فمشروع
التكامل الأوروبي الذي يقوم على عضوية الدول فيه؛ يضيِّق مسارات
التفاعل بين الشارع والمفوضية، أي حكومة أوروبا الموحدة. فلم يحدث
مثلاً أن قام المواطنون الأوروبيون بالنزول إلى الشوارع للتنديد
بحكومتهم الأوروبية الموحدة، بينما اعتادوا أن يفعلوا ذلك على
المستويات الوطنية، بما أدى أحياناً إلى الإطاحة بوزراء أو حتى إسقاط
حكومات.
أما
عدم حدوث التفاعل الحيوي بين المواطنين وقمة مشروع الوحدة؛ فيُعزى
أساساً إلى حواجز واقعية لا مناص من الإقرار بها.
فإذا كان المواطن الأوروبي على احتكاك شبه مباشر مع
المسؤولين على المستوى المحلي والوطني؛
فإنّه يرى المسافة التي تفصله عن بروكسيل أو
ستراسبورغ بعيدة جداً. وما يزيد في
اغترابه؛ أنّهم في أروقة الوحدة لا يتحدثون إلاّ نادراً بلغته الأم،
فهي مجرد واحدة من عشرين لغة معتمدة رسمياً على قدم المساواة، بينما
يعمل جيش من آلاف المترجمين على إنجاح هذا التواصل اللغوي المذهل.
ثم إنّ البناء المُتعاظم لبيروقراطية الوحدة؛ يفرض مسارات معقدة يصعب
على المواطنين استيعابها، ما يورثهم حالة من التيه واضطراب الاتجاه،
وهو ما يعبٍّر عن ذاته أيضاً عبر التقلبات الحادة في المؤشرات
التصويتية في انتخابات البرلمان الأوروبي،
بين مفاجآت جولة وأخرى. وما يفاقم الموقف؛
ما أسفرت عنه التوسعة الأخيرة من تعقيد زائد في الهيكلية وتشابك معقد
في الصلاحيات، لإفساح المجال أمام عشر دول جديدة أخرى في مؤسسات
الاتحاد.
من
هنا يثور التساؤل؛ هل نظام أوروبا الموحدة مفهومٌ بالقدر الكافي في وعي
مواطنيه؟ الواضح مبدئياً أنّنا إزاء مشكلة لا يمكن توريتها في فهم آلية
المشروع، الذي يختزله الوعي الجمعي عادة في صورة عائلية كبرى، يظهر
فيها الكثير من قادة الدول والحكومات عدة مرات في السنة، بابتساماتهم
العريضة وإيماءاتهم اللطيفة، أو في المقاعد النيابية هائلة العدد، التي
يشغلها من يمثلون مواطني أوروبا، دون أن يكون هؤلاء المواطنون قادرين
على تسمية أفراد منهم، أو التمييز بينهم حسب الأسماء أو الانتماءات
الحزبية، فضلاً عن التوجهات والمشروعات التي يحملونها.
لقد عبّر مواطنو القارة الموحدة عن زهدهم في الفرص المتاحة لهم في
التعامل المباشر مع مؤسسات الوحدة، والأمر لا يتوقف على عدم مشاركة
الأغلبية في التصويت لبرلمان الوحدة؛ بل ويتعداه إلى تآكل معالم
الديمقراطية المباشرة، وضعف الاتصال الحيوي بين المواطن والمؤسسة
الوحدوية.
لكن الأمر مرشح لأن يتطوّر من حالة اللامبالاة الشعبية الراهنة إلى
أزمة ثقة في مؤسسات الوحدة، طالما أنّ الفضائح المالية التي كشفها
النائب النمساوي في البرلمان الأوروبي هانز بيتر مارتن في سنة 2004،
والتي ثبت تورّط عدد غير قليل من النواب فيها، تعيد إلى الأذهان ذكرى
الأيام الكئيبة للمفوضية الأوروبية في سنة 1999، عندما اضطرت للاستقالة
تخلصاً من وزر الفساد.
يجري هذا كلّه؛ بينما تتعاظم أدوار جماعات المصالح ويتضخم حضور القُوَى
جيِّدة التنظيم، التي تعيدُ في بروكسيل إنتاجَ تجربة نشاطات اللوبي في
واشنطن. وسيتولى المشهد الأمريكي الإلقاء
بظلاله أيضاً عبر الظاهرة الانتخابية المشتركة بين الولايات المتحدة
وأوروبا الموحدة، ففي الحالتين تُحدِّد أقلية من الناخبين المسار
العام، لأنّ الأكثرية تزهد في ممارسة حق الاقتراع.
في
المحصلة؛ سيبقى استمرار مشروع الوحدة الأوروبي في تماسكه، بل وتقدمه
على مستويات عدة؛ مثيراً للانتباه. وما هو
أكثر إثارة؛ أنّ هذا النجاح يتحقّق له حتى مع عدم اكتراث معظم
المواطنين بما يجري في أروقة صانعي وحدة الدول، أما وحدة الشعوب فلها
شأن آخر.
(*) باحث وإعلامي، فيينا.
