المؤتمر الأول للأئمة في النمسا
- حسام شاكر
|
الأئمة المسلمون في النمسا يشرعون في فتح ملفات متراكمة
مناسبة للحوار والنقد الذاتي ..
ومداولات لقضايا لا تفتقر إلى السخونة
أئمة النمسا يعقدون مؤتمرهم الأول في قلب الاهتمام
السياسي والإعلامي
|
 |
وجد المحتشدون والمحتشدات في هذه القاعة البرلمانية العريقة أنفسهم
إزاء قضايا دقيقة وأخرى شائكة تتنازعهم،
بين ما تتطلع إليه الأوساط النمساوية، وما تنتظره منهم جاليتهم
المسلمة العريضة بما لها من احتياجات مزمنة ومشكلات متفاقمة.
فوسط اهتمام كبير من أوساط الجالية المسلمة في النمسا، ومتابعة
ملحوظة من قِبل المستويات الرسمية والإعلامية النمساوية للحدث غير
المسبوق من نوعه؛ أقيمت في فيينا أعمال
المؤتمر الأول للأئمة المسلمين في عموم النمسا.
واحتشد لهذا الغرض أكثر من مائة وثلاثين مشاركاً من الأئمة
ومسؤولي المؤسسات الإسلامية ومنسقي
الخدمات الخاصة بالجالية المسلمة، طوال يوم الأحد، في المقر العريق
لدار بلدية فيينا ومقر برلمانها القديم،
بحضور عدد من الممثلين عن الأطراف السياسية النمساوية.
وجاء انعقاد مؤتمر أئمة النمسا الأول، الذي حضرته وكالة "قدس
برس"، بغرض إطلاق عملية
تنسيقية بين هؤلاء الذين يُنظر إليهم
على أنهم المُمْسِكون فعلياً بزمام التوجيه والإرشاد في قرابة مائتين
من المساجد والمصليات التي تتوزع على عموم النمسا، والتي تمثل مراكز
الاستقطاب الأهم للوجود المسلم في هذا البلد الواقع في قلب أوروبا،
حيث يعيش قرابة أربعمائة ألف مسلم، يتمتعون باعتراف رسمي بوضعهم
كطائفة دينية بناء على "قانون الإسلام" لعام 1912.
كما
سعى المؤتمر إلى توضيح مواقف الأئمة والمساجد من الدولة والمجتمع،
وتحديد نظرتهم لعدد من القيم والمسائل المطروحة بقوة في الرأي العام.
وأما القضايا التقليدية المتوقعة؛ كالموقف من الإرهاب والتشدد؛ فقد
احتلت اهتمامات مركزية في الكلمات والمداولات والبيان الختامي، رغم
تأكيد المسؤولين عن المؤتمر أنه لا يأتي
في سياق دفاعي.
شأن داخلي .. وليس للدفاع عن النفس
بدوره؛ أوضح أنس شقفة، رئيس الهيئة
الدينية الإسلامية في النمسا، التي بادرت إلى تنظيم هذا المؤتمر، في
كلمته التي ألقاها في افتتاح أعماله؛ أنّ هذا الانعقاد يأتي بمثابة
شأن داخلي للهيئة الممثِّلة للمسلمين رسمياً في هذا البلد، وقال
"يتعلق الأمر بالجالية الإسلامية في النمسا".
وأشار شقفة إلى أنّ الهيئة التي يرأسها
تقود الحوار الداخلي في الجالية، بين الجمعيات والاتحادات والأئمة،
ومضى إلى القول "ينبغي علينا أن نُقرّ خطّنا في الهيئة الدينية
الإسلامية على مستوى الجالية ككل". وأضاف متابعاً "لدينا جمعيات
واتحادات متعددة، ونريد أن نعبِّر عن كوننا طائفة واحدة"، كما قال.
وبينما أكد شقفة الحاجة الداخلية
للجالية المسلمة في النمسا لانعقاد مؤتمر الأئمة هذا؛ فقد رأى أنه
بالنسبة للدواعي الأخرى غير المتعلقة بالجالية ذاتها؛ "فإننا غير
معنيِّين بأن نبرِّر انعقاد هذا المؤتمر، ولا يتوجب علينا أن ندافع
عن أنفسنا؛ وإلاّ فإننا سنتهم أنفسنا بأنفسنا، ولماذا نفعل ذلك؟"،
حسب ما ذكر في كلمته.
وفي ما يخصّ الظلال التي تلقيها الأحداث الخارجية الملتهبة على واقع
المسلمين في النمسا ودول أوروبا الأخرى؛ قال أنس
شقفة "إذا ما حدث شيء في الخارج (خارج
النمسا)؛ فإننا غير معنيِّين به، وقد
عبّرنا عن مواقفنا إزاء العديد من الأحداث، ولا نرى في انعقاد هذا
المؤتمر ردّاً على ذلك (الأحداث)"، مؤكداً أنّ المستهدفين من أعمال
المؤتمر هم مسلمو النمسا وقال "عنواننا (الذي نتوجه إليه) هو جاليتنا
الإسلامية"، على حد تعبيره.
وأبدى رئيس الهيئة الدينية الإسلامية في النمسا حرصاً ملحوظاً على
النأي بمسلمي النمسا عن تداعيات التطوّرات الحادة التي
شهدتها مناطق متفرقة من العالم في غضون
السنوات القليلة الماضية، فقال "لا يمكننا أن نتحمّل المسؤولية عن
بعض الأفعال والأحداث التي تجري في العالم الإسلامي"، معيداً إلى
الأذهان مبدأ "أننا لسنا جهة تمثيلية خارجية كما لا نريد أن نكون
كذلك، بل نحن جزء من المجتمع النمساوي"، وفق تأكيده.
ولفت أنس شقفة الأنظار إلى أنه "لا يوجد
تناقض بين أن يكون المرء مسلماً وأن يكون جزءاً من هذا المجتمع"،
معتبراً أنّ "الواقع النمساوي يصدِّق هذه المعادلة". وبالمقابل؛ أعرب
المسؤول المسلم عن تأكيده بأنّ
"المسلمين لا يريدون أن يضعوا الطابع المسيحي الغربي لأوروبا موضع
تساؤل"، محذِّراً في الوقت ذاته من "الذين يثيرون المخاوف من تهديد
المسلمين المزعوم لهوية أوروبا التاريخية"، واصفاً هذه النزعات
المتوجِّسة من المسلمين بأنها "أفكار مغامرة".
وفي ما بدت على أنها محاولة لطمأنة الكنائس في النمسا؛ قال أنس
شقفة إنّ المسلمين لا يريدون أن يمارسوا
التبشير الديني في هذا المجتمع. ولم يتمكن أيّ ممثل عن الكنائس من
حضور مؤتمر أئمة مسلمي النمسا الأول، بسبب تزامن موعد الانعقاد
تماماً مع انشغال رجال السلك الكنسي في إقامة صلوات الأحد.
الربط بين الإسلام والإرهاب "غباء
ببساطة"
أما الدكتور فيرنر
فاسلابند، وزير الدفاع النمساوي الأسبق، والنائب الحالي في
البرلمان عن حزب الشعب (محافظ) الذي يقود الائتلاف الحاكم؛ فقد حضر
المؤتمر ممثلاً لرئيس البرلمان أندرياس كول،
وأكد في كلمته أهمية خوض الحوار بين جميع الأطراف بما فيها المسلمون.
وشدّد فاسلابند على أنّ الربط بين
الإسلام والإرهاب "ليس فقط غير عادل، كما أنه ليس خاطئاً وحسب؛ بل
إنه ببساطة غباء"، على حد وصفه.
وفسّر السياسي النمساوي المحافظ، الذي شغل منصب وزير الدفاع لمدة عشر
سنوات؛ استنتاجه هذا بإشارته إلى أنّ "الإرهاب عبارة عن تكتيك عسكري،
يجري بشكل خاص في المناطق الضعيفة"، وخلص إلى أنّ كون "الإرهاب"
مرتبطاً بأزمات ومشكلات وبالفوارق في موازين القوى؛ يجعله غير ذي صلة
بالدين الإسلامي.
وفي معرض تأكيده لهذا الاستنتاج؛ أوضح الوزير النمساوي الأسبق أنه
عكف على تعقّب الرسائل التي يصدرها أسامة بن لادن، زعيم منظمة
"القاعدة"، محاولاً الحصول قدر الإمكان على نسخها في صيغها الأولية
غير المحوّرة، ما قاده إلى التوصّل إلى قناعة مفادها أنّها لا تستند
إلى خلفية دينية أو فقهية إسلامية، وإنما يتعلق الأمر بخطاب لـ"منظمة
متطرفة سياسياً".
وطالب فاسلابند في الكلمة الهادئة التي
قوطعت مراراً بتصفيق حارّ من الأئمة الحاضرين؛ "بالتصدِّي للأحكام
المسبقة (السلبية) المتعلقة بالإسلام، حتى في هذا المجتمع" النمساوي،
قبل أن يعبِّر عن ارتياحه لانعقاد هذا المؤتمر، الذي أمل له "الكثير
من النجاح، فنجاحكم نجاح كبير لهذا المجتمع"، كما قال.
ترحيب ..
ومكامن قلق
أما سونيا فيسيلي،
وزيرة الاندماج في حكومة مقاطعة فيينا
عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي، والتي مثّلت في المؤتمر عمدة
فيينا وحاكم مقاطعتها ميخائيل
هويْبل؛ فاستهلّت الكلمة التي ألقتها
بإيراد معطيات عددية لفتت فيها الأنظار إلى اتساع الوجود المسلم في
أوروبا ورسوخه، فأعادت إلى الأذهان أنه في كل أوروبا يعيش خمسون
مليون مسلم، وأنّ خمسة عشر مليوناً منهم يعيشون في الاتحاد الأوروبي،
وفق البيانات التي أوردتها، بينما أوضحت أنّ المسلمين هم ثالث طائفة
دينية في النمسا، بعد أتباع الكنيستين الكاثوليكية والإنجيلية
(بروتستانت).
وقالت فيسيلي "المسلمات والمسلمون هم
فييناويات
وفييناويون، إنهم جزء من هذا المجتمع، هم ليسوا ضيوفاً بل جزء
من فيينا"، بينما أعربت عن قناعتها
بضرورة "الحوار المتكافئ" بين جميع الطوائف، مشددة على أهمية "أن
نتعلم مع بعضنا بعضاً ومن بعضنا بعضاً"، على حد قولها. وقدمت
المسؤولة في حكومة مقاطعة
فيينا رؤيتها لمفهوم الاندماج بوصفه
"يعني الحوار، يعني العيش معاً، والتعلّم من بعضنا بعضاً".
وإزاء هذه التصريحات التي غلبت عليها روح المجاملة والودّ؛ فقد طرحت
سونيا فيسيلي
بعض المسائل التي لا تفتقر إلى المغزى النقدي على أجندة مؤتمر أئمة
النمسا الأول، بقولها "هناك بعض المجالات التي أتلهّف بانتظار نتائج
مداولاتكم ومباحثاتكم بشأنها، وذلك في ما يتعلق بحقوق الإنسان وحقوق
المرأة بشكل خاص"، مذكِّرة بأنها تشغل أيضاً منصب وزيرة شؤون المرأة
في حكومة فيينا.
وفي سياق متصل؛ ذكرت فيسيلي أنّ هناك
مسألتيْن تثيران قلقها بشكل خاص؛ أولهما مسألة ختان الإناث أو "تشويه
الأعضاء التناسلية"، وفق التسمية التي باتت معتمدة للدلالة على هذه
الممارسة وهو المصطلح المقتبس من الأدبيات
النسوية. والمسألة الثانية هي "الزواج
القسري"، الذي قالت إنه مرصود من قبل الجهات المختصة في حكومة
فيينا، مطالبة بضرورة ضمان حرية اختيار
المرأة في ما يتعلق بالزواج.
وبينما قالت فيسيلي إنها تؤيد وزير
الدفاع الأسبق فاسلابند في ما ذهب إليه
من بطلان ربط الإسلام بالإرهاب؛ فإنها لفتت انتباه الأئمة المسلمين
بأنّ عليهم رغم ذلك أن "يعبِّروا عن موقفهم بوضوح إزاء ما يتعلّق
بالمزاعم الخاصة بالإرهاب والأصولية".
كما طالبت وزيرة الاندماج في حكومة مقاطعة
فيينا المسلمين وغير المسلمين في المجتمع النمساوي؛ بأن
يكافحوا من أجل ألاّ تكون هناك على الإطلاق "مجتمعات متوازية" في
المجتمع الواحد تفتقر إلى التواصل في ما بينها.
الخارجية
النمساوية: صفحة جديدة في العلاقات مع العالم الإسلامي
من جانبه؛ فإنّ ممثل وزارة الخارجية النمساوية الدكتور
فلوريان هاوغ؛
بادر في الكلمة التي ألقاها في المؤتمر إلى كشف النقاب عن أنّ وزارته
تشعر بأنها معنيّة بفتح صفحة جديدة من العلاقات مع العالم الإسلامي،
مشيراً إلى أنّ هذا التوجّه النمساوي والأوروبي يقوم على أساس أن
تكون هذه العلاقات مُصاغة في دوائر الحوار والثقافة والدبلوماسية
الأوروبية، بدلاً من أن يتم وضع معالمها في الدوائر الأمنية وفي
أوساط حلف شمال الأطلسي، كما عليه الحال حتى الآن.
وأعرب هاوغ، الذي يدير قسم التعاون
العلمي والتقني في وزارة الخارجية النمساوية؛ عن اعتقاده بأنّ الحضور
الإيجابي للجالية الإسلامية في النمسا؛ يساعد
فيينا كثيراً في نسج علاقات متقدِّمة ومنفتحة مع العواصم
الإسلامية وفق أسس جديدة، موضحاً أنّ "هذه هي رسالة وزارة الخارجية
إلى المؤتمر".
ومن اللفتات الخاصة التي تخلّلت
الوقائع؛ مبادرة ليزه بروكوب، وزيرة
الداخلية النمساوية، إلى توجيه رسالة تحيّة إلى المؤتمر، اعتذرت فيها
عن الحضور "لأسباب مرتبطة بالمواعيد"، معبرة عن امتنانها لالتئام أول
مؤتمر لأئمة النمسا. وتكتسب هذه الرسالة
أهميتها بالنظر إلى الضجة التي أحدثتها التصريحات الخارجة عن المألوف
التي أطلقتها الوزيرة ذاتها في آذار (مارس) الماضي، والتي عبّرت فيها
عن موقف مناهض من الإسلام والثقافة الإسلامية، معربة عن رغبتها في
حظر الحجاب في المدارس. وكانت بروكوب قد
تراجعت، بشكل خافت، عن موقفها هذا، بإصدارها رسالة مشتركة مع الهيئة
الدينية الإسلامية أكدت فيها نظرتها التقديرية للإسلام.
نقد ذاتي .. وهزّات رؤوس
ومن الجانب المسلم؛ جاءت مداخلة البروفيسور السيد الشاهد، عميد
الأكاديمية الإسلامية لإعداد معلمي الدين الإسلامي في
فيينا، مطبوعة بالنقد الذاتي لواقع
العلماء والأئمة المسلمين، بما يتخطى حدود الخصوصية النمساوية، وكانت
بعض الجوانب التي تطرّق إليها كافية لأن تطلق بدايات جدل داخلي.
وقال البروفيسور الشاهد "يفهم المرء دينه من خلال تقاليده (...)،
وطالما أننا في أفكارنا وفي أقوالنا لا
نفرِّق بين الدين والتقليد؛ فإننا لا نمضي قدماً"، منتقداً الأنماط
السائدة لدى العلماء والأئمة المسلمين في التصوّرات والخطاب
والممارسة.
وشدّد السيد الشاهد على أنّ "المجتمع الذي نعيش فيه ليس مجتمعاً من
الكفار، ولكن من أهل الكتاب"، واعتبر أنّ مجرّد النقاش بشأن مسائل
كهذه هو أمر "معيب"، لكنه أكد أنّ "هناك من يتحدث في المساجد عن
ذلك"، أي نعت "أهل الكتاب" بالكفر.
وقال الشاهد "إننا نأخذ بالأحوط، ولكنّ
الله أعطانا الرّخَص، وتكون الرّخَص في حالة الضرورة، وإن كانت
المرأة المسلمة مثلاً مرغمة على خلع غطاء الرأس وإلاّ فقدت موقعها في
العمل؛ أفلا تكون هذه ضرورة؟ فلماذا لا تأخذ (المرأة) بالرّخَص"، وهو
موقف دفع بعض الحاضرات والحاضرين إلى هزّ رؤوسهم ذات اليمين وذات
اليسار، تعبيراً عن التحفظ والتعجب على ما يبدو.
القبول المتبادل في مجتمع تعددي .. إسلامياً
وقد تبوأت مسألة التعددية في المجتمع الواحد واستحقاقاتها؛ مساحة
ملحوظة من وقائع مؤتمر الأئمة. وفي هذا الصدد قال أمير زيدان، مدير
المعهد الأكاديمي الديني الإسلامي، الذي يمثِّل امتداداً للأكاديمية
الإسلامية لإعداد المعلمين، في مداخلته "إنّ الإسلام قد فرض على
المسلمين احترام الكرامة الإنسانية دون قيد أو شرط.
وهذا بدوره يتطلب التسامح من حيث قبول
الآخر. فالإسلام يطالبنا بقبول التعددية الدينية والسياسية والثقافية
والاجتماعية داخل الأمة وخارجها".
وشدّد زيدان، الذي صدرت له العديد من الكتب الإسلامية باللغة
الألمانية، على أنّ "التسامح الذي يطلبه الإسلام ليس من باب تحمّل
الآخر والتعطّف عليه، بل من باب احترامه والاعتراف
به وقبوله في إنسانيته"، معتبراً أنّ
"السعي لحفظ كرامة الإنسان يتطلب الاحترام؛ احترام أنماط الحياة
المختلفة وما تُبنى عليه من قيم وأعراف وقناعات.
وفي مجتمع متعدد الثقافات لا بد من احترام الفروق، دون أن
يعني ذلك اللامبالاة"، وفق قوله.
وأما الشيخ عدنان إبراهيم، إمام وخطيب مسجد "الشورى"
بفيينا، فأعاد إلى الأذهان الموقف
الإسلامي من مسألة القبول المتبادل في المجتمع الواحد، فقال "لقد فرغ
الإسلام منذ قرون في تجربته للتعاطي مع الآخر".
وأضاف قوله "لقد برهن المسلمون على تعاطيهم مع الآخر، وقد
برهنت الجالية المسلمة هنا وفي أماكن أخرى على تعاطيها مع الآخر"،
معيداً إلى الأذهان أنّ "الاختلاف سنّة قدريّة لا يمكن معارضتها ولا
مشاكستها"، وفق تعبيره.
ورأى الشيخ إبراهيم في مداخلته خلال المؤتمر أنّ "الطبيعيّة
والفطريّة هما الطريق الوحيد لاجتثاث كل أشكال التمييز". وعن الواقع
التعددي في المجتمع الواحد وعلى الصعيد
الإنساني ككل مضى إلى القول "علينا أن نتعامل مع هذا الواقع كما هو،
فالإسلام قد تعامل مع هذه الحالة (الاختلاف) على أنها حالة لا مناص
منها"، وتابع مضيفاً "لا ينظر الإسلام إلى موضوع المساواة على أنه
مقولة إنشائية وإنما مقولة خبرية"، كما قال.
ورأى الشيخ عدنان إبراهيم أنّ التحدي اليوم بالنسبة للمسلمين
المقيمين في الغرب بشقّيه الأمريكي والأوروبي هو "أن يكونوا قادرين
على العيش بسلام ووئام مع الآخرين"، على حد تقديره.
وفي
ما يتعلق بالمعالجات الفقهية أكد إبراهيم أنّ "الفقه الذي نحتاجه هو
الفقه الذي يوسِّع ولا يشدِّد، الفقه الذي لا يكون نظرياً بل يكون
واقعياً، بأن ينطلق من ملاحظة مفردات الواقع"، كما ذكر في مداخلته.
تجذير
الوجود المسلم في أوروبا
وفي سياق مداخلتها عن "مشاركة المسلمات والمسلمين في النمسا"؛ لاحظت
الناشطة المسلمة غيلميهري
آيتاتش "أننا نعايش
تجذير الجالية المسلمة في أوروبا"، وأنّ
هذا المؤتمر يأتي في هذا السياق تماماً.
وفي معرض مناقشتها لبعض خصوصيات الوجود المسلم في هذه القارة؛ أعادت
آيتاتش إلى الأذهان أنّ "الدين الإسلامي
لا يتعلّق فقط بالعلاقة بين العبد وربِّه، أو بالمجال الشخصي للفرد؛
بل إنّ الإسلام يتعلق كذلك بنمط حياة المسلم"، وقالت "المسلم كائن
اجتماعي"، مشيرة إلى ضرورة أن يحدِّد المسلمون دورهم ومواقفهم في
المجتمع النمساوي، قبل أن تثير التساؤل "أية مُساهمة بوسعنا نحن
المسلمين تقديمها للمجتمع؟!".
وبشأن موضوع المرأة؛ تطرّقت آيتاتش إلى
البون الذي رأته شاسعاً بين النصوص الإسلامية الأصلية والتجربة
التاريخية للمسلمين من جانب؛ والتطبيق المعاصر والممارسات السائدة في
المجتمعات المسلمة في ما يتعلق بهذا الموضوع من جانب آخر.
وبدورها؛ لخصت كارلا آمنة
بغجاتي، المسؤولة
الإعلامية في الهيئة الدينية الإسلامية، رؤيتها بالقول "إننا نريد
الحفاظ على هويتنا في مجتمع الأغلبية، وبالقدر ذاته؛ أن نُدرَك كجزء
حيوي يثري المجتمع". ورفعت بغجاتي شعار
"الفعل بدلاً من ردّ الفعل"، معتبرة أنه انعكاس لشعار "الاندماج عبر
المشاركة"، الذي بلْوَرَته الهيئة الممثلة للمسلمين.
ورأت كارلا آمنة
بغجاتي أنّ "هذا المؤتمر هو فرصة ثمينة بالنسبة إلينا لإحاطة
الخارج (خارج نطاق المسلمين)؛ بأنّنا نحن المسلمين نريد العيش كجزء
من المجتمع، بسلام وانسجام على أرض دولة القانون الديمقراطية
والتعددية هذه"، مشيرة في الوقت نفسه إلى أنّ "هذا المؤتمر ينبغي أن
يقاربنا (نحن المسلمين) من بعضنا بعضاً وأن يقوِّي تعاوننا"، كما
قالت.
السياسيون المسلمون ..
مواكبة ومطالب
وقد
أمكن رصد اهتمام خاص بالمؤتمر من جانب المسلمين المتدرجين في السلك
السياسي في هذا البلد الأوروبي، الذي تجمعه علاقة إيجابية مع الطائفة
المسلمة. فبدوره؛ أوضح عمر الراوي، عضو برلمان مقاطعة
فيينا عن الحزب الديمقراطي الاجتماعي؛
أنّ هذا المؤتمر يمثِّل أهمية خاصة بالنسبة إليه كذلك، إذ قال
"كسياسي مسلم في هذا البلد؛ فإنك تواجه التحديات الكبرى لأنك تسمع من
المؤسسات (العامة) والسياسيين الآخرين مطالبات محدّدة يريدون سماع
مواقف بشأنها من المسلمين، ولكن بالنسبة إليك؛ فإنه لا يكفي أن تكون
وحدك في ما تقول، بل ينبغي أن يكون موقفك مدعوماً من الأئمة والجالية
الإسلامية، وأن يكون مرتكزاً إلى أرضية من التواصل".
واشتكى البرلماني الراوي، في تصريحات أدلى بها
لوكالة "قدس برس"، من ما رآها أمارة على
حالة الضعف العامة التي تعتري الخطاب المسجدي
في النمسا وبلدان أوروبا، وقال "لقد أدّيت صلاة الجمعة في الآونة
الأخيرة في عدة عواصم أوروبية، ولم أجد في مضامين خطب الجمعة ما
يُشعِرُني في أي بلد أنا أؤدي الصلاة بالفعل"، ومضى إلى تأكيد ضرورة
أن "يوجِّه الإمام خطابه إلى المجتمع الذي هو فيه، وأن لا يكتفي بطرح
التساؤلات؛ بل وأن يذكر ما هي الحلول"، حسب تعبيره.
وبالمقابل؛ توضح السياسية من أصل تركي سيرفان
إيكيجي، الناشطة في إطار حزب الشعب المحافظ، أنّ ما تنتظره من
مؤتمر أئمة المسلمين الأول في النمسا هو "ما ينتظره عدد كبير من
المشاركين، وتحديداً تعزيز الحياة المشتركة بين المسلمين وغير
المسلمين في النمسا"، كما قالت لـ"قدس برس".
وحثت إيكيجي على دعم المساعي الرامية
إلى تعميق "نموذج التعايش" السائد في النمسا مع المسلمين، معتبرة أنّ
مؤتمر الأئمة من شأنه أن يجعل المسلمين أكثر قبولاً في مجتمعهم
النمساوي، وأنه "يرسل بإشارة إلى الجانبين" المسلم وغير المسلم في
المجتمع الواحد.
وعن خصوصية انتمائها بوصفها مسلمة إلى حزب الشعب ذي الخلفية
"المسيحية الديمقراطية"؛ فضلت سيرفان إيكيجي
توجيه الأنظار إلى ما سمتها "القواسم المشتركة" التي تجمع المسلمين
بهذا الحزب المحافظ، وخاصة في مجال القيم، كالقيم الأخلاقية والجانب
الاعتقادي، وقالت "كمسلمة
يهمّني أن يتم احترام ديني".
الأئمة ..
تقديرات متفاوتة ونقد ذاتي
وقد تفاوتت تقديرات الأئمة والمشاركين، في تصريحات أدلوا
بها لوكالة "قدس
برس"، بشأن حجم الأهمية ومدى الأثر اللذين يمكن لمؤتمر كهذا
أن يتمخض عنهما.
فمن جانبه؛ قال الدكتور سامي الجنابي،
إمام وخطيب مسجد "الهداية"
بفيينا، "يأتي هذا المؤتمر في تقديري
انطلاقة لمرحلة تمثل نمطاً جديداً ومتقدماً من العلاقة مع كافة
فعاليات المجتمع النمساوي، للحفاظ على أسس التعايش السلمي بين هذه
الأطياف جميعاً ولتوكيد هذه الأسس وتطويرها"، على حد تقديره.
وعن أهمية مداولات هذا المؤتمر ومقرّراته؛ أضاف الدكتور
الجنابي "لا شك أنه ستتبلور منه أفكار
جديدة في كيفية بناء العلاقة مع المؤسسات النمساوية ومع الشارع
النمساوي أيضاً"، وقال مستدركاً "ثمة مطالبات موجهة إلى الأئمة ينبغي
عليهم أن يخرجوا بمواقف منها".
كما يرى الشيخ حافظ عبد الحفيظ، إمام وخطيب مسجد "المدينة"
بفيينا، الذي ترتاده أغلبية باكستانية
وأفغانية؛ أنّ "هذه خطوة جيدة من الأئمة بأن يجتمعوا في هذا المكان،
خاصة في الظروف الحالية على مستوى العالم"، حسب قوله.
ورأى
الشيخ عبد الحفيظ، وهو من خريجي الأزهر، أنّ المؤتمر معنيّ بكيفية
تصرّف المسلمين في المجتمعات الأوروبية، وكيفية الدفاع عن حقوقهم،
مشدداً على أنّ "المسلم عندما يعيش في بلد غير إسلامي فإنّ عليه أن
يحافظ على إسلامه". ولكنّ حافظ عبد
الحفيظ ينتقد المدة المخصصة لأعمال المؤتمر، إذ "لا يكفي يوم واحد،
بل يجب أن يجتمع الأئمة كل ثلاثة أشهر، فكل يوم هناك مستجدات
ومشكلات" ينبغي معالجتها والتباحث بشأنها.
وأما الشيخ محمد فاروق المدني، إمام وخطيب مسجد "البيت المكرّم"
بفيينا، الذي يرتاده البنغاليون؛
فيلخِّص من جانبه ما ينتظره من التئام هذا المؤتمر الأول من نوعه،
ويقول "برأيي أنه لا بد أن تكون هناك بعض التوصيات والنقاط التي نتفق
عليها، فهناك نقاط مُختلف فيها ولا بد من الاتفاق بشأنها، مثل بداية
رمضان وبداية العيد"، وقال بخصوص "مسألة الهلال" المثيرة للجدل كل
عام؛ "المهم هو أن نتوحّد في الصوم والفطر، فإما أن نخطئ جميعاً أو
أن نصيب جميعاً"، وفق تعبيره.
ثمة مشكلة لدى الأئمة؟
حسب تقديرات وليد عبد الرحمن، خطيب مسجد مقرّ الأمم المتحدة
بفيينا؛ فإنّ "هناك أشياء أساسية يمكن
لهذا المؤتمر أن يضيفها للأئمة، إذ تُظهِر جلسات المؤتمر حقيقة أنّ
الإمام لا بد وأن ينتبه تماماً عندما يُخاطب الناس الذين يتحدث
إليهم، فعليه أن يستثير فيهم نقاطاً مهمة، أبرزها الاندماج والحوار
والتعامل مع الآخر"، على حد قوله.
ولاحظ
عبد الرحمن منتقداً أنّ "هذه القضايا ما زالت عندنا نحن المسلمين
ضعيفة، ولكنّ المشكلة الأكبر أنها ضعيفة عند الأئمة أنفسهم، ومن هنا؛
فإنّ فاقد الشيء لا يعطيه"، على حد تعبيره. ويتابع وليد عبد الرحمن
قوله "يُظهِر هذا المؤتمر كذلك للإمام أنّ هذا البلد يفتح ذراعيه له
ويتيح له فرصاً، فما عليه إلاّ الاجتهاد".
وبينما اعتبر عبد الرحمن، الناشط أيضاً في مجال الرعاية الاجتماعية
للمسلمين، أنّ المؤتمر هو "بحدِّ ذاته خطوة إيجابية"؛ فقد رأى
بالمقابل أنه "ليس كافياً بالتأكيد، فهو خطوة لإزالة الحواجز القائمة
بين الأئمة، وهو يعطي دفعة، إلاّ أنّ الأمر يتعلق في المقام الأول
برغبة الإمام نفسه وبدافعيته الذاتية"،
وفق تقديره.
أما معلِّم الدين الإسلامي في المدارس العامة النمساوية، لطفي
المجذوب، المشارك في المؤتمر؛ فقد استنتج أنّ التئامه "يقدِّم إضافة
في ما يتعلّق بالوعي العام للأئمة في النمسا"، مشيراً إلى أثره في
مجال "علاقة المسلم بغير المسلم في المجتمع الواحد، والإشعار ببعض
القضايا التي يعيشها مسلمو هذا البلد الأوروبي"، علاوة على "تناول
بعض القضايا المُثارة بحق المسلمين دون وجه حق"، حسب قوله.
ولكنّ هذا الاستنتاج لم يمنع لطفي المجذوب من أن يصف هذه الفعالية
الأولى من نوعها بأنها "مؤتمر علاقات عامة، ولذا كان حرص (المسؤولين
النمساويين) على تأكيد حضورهم أو الإنابة عنهم بمن يمثلهم"، وفق ما
ذكر لوكالة "قدس برس".
وقد بدت التساؤلات التي طرحها الأئمة المشاركون، خلال جولات النقاش
المحدودة التي أتيحت لهم في المؤتمر؛ كافية لتشكيل انطباع بشأن مدى
كفاءتهم على صعيد تعاطيهم مع واقعهم النمساوي وإدراكهم لطبيعة الظروف
التي يعيشها جمهورهم من المسلمين في النمسا ككل. فقد جاءت معظم
المسائل التي أثيرت تقليدية للغاية، وكشفت النقاب عن حالة من العزلة،
يبدو أنّ كثيراً من الأئمة يعيشونها بالفعل، بما يحجزهم عن البيئة
التي تكتنفهم، بكل ما فيها من تحدِّيات وإشكاليات.
ففي هذا السياق سُمعت ملاحظات عدة؛ فبينما اشتكى إمام تركي مثلاً من
"خطر" حصة الإرشاد الجنسي في المدارس، التي تمثل شكوى مزمنة في صفوف
المسلمين؛ فقد أعرب إمام ينحدر من جنوبي آسيا عن قلقه من مصاعب
مرتبطة بتعليم أبناء المسلمين "فالمدارس العربية لا نستطيع إلحاق
أبنائنا بها لعدم معرفتهم للّغة
العربية، وأما المدارس النمساوية فإننا نخاف منها خوفاً شديداً"، على
حد وصفه بطريقته الخاصة تماماً.
شقفة:
خطوة أولى على الطريق
وبينما تتفاوت التقديرات بشأن الأبعاد الفعلية للنجاح الذي تنطوي
عليه هذه الفعالية اللافتة للاهتمام؛ فإنّ الجميع متوافقون على ما
يبدو في أنها تمثل خطوة متقدمة عما كان عليه الحال في السابق، ولذا
فإنّ أنس شقفة، رئيس الهيئة الدينية
الإسلامية، يصف المؤتمر بأنه يمثل "خطوة أولى على الطريق".
ففي تقييمه العام لأهمية هذه الفعالية الخاصة؛ ذكر
شقفة لوكالة "قدس
برس"، أنّ "هذا المؤتمر هو التجربة الأولى في النمسا في ما
يتعلّق بإيجاد نوع من التواصل بين الهيئة الدينية الإسلامية الرسمية،
كممثل لجماعة المسلمين في النمسا؛ والأئمة، الذين يمثلون جماعة
المسلمين في المساجد".
ومضى شقفة إلى القول "إنّ هذا التواصل
هو لإيجاد خطاب مشترك وصيغة مشتركة وحلول لمشكلات الناس وللحوار
الداخلي بين المسلمين وللحوار مع المجتمع"، موضحاً أنه "حتى الآن كنا
نتعامل مع الأئمة عبر قنوات، هي المؤسسات والاتحادات التي تتبع لها
المساجد، وهذه هي أول مرة يتم فيها التواصل المباشر بين الهيئة
والأئمة"، وهي مبادرة اعتبرها "خطوة أولى على الطريق".
وأعرب أنس شقفة في هذا الصدد عن قناعته
بضرورة الدفع باتجاه تكوين أفضل للأئمة المسلمين في النمسا، معتبراً
أنّ "تكوين الأئمة هو ثغرة يجب أن تُراعى معها الظروف والأحوال
الاجتماعية، ولذا ينبغي إيجاد بدائل لتكوين الأئمة الجدد وتطويرهم
بصورة صحيحة، أخذاً بعين الاعتبار الواقع المحلي".
وعن حضور المرأة في سلك التوجيه والإرشاد العام لمسلمي النمسا، والذي
طرأ عليه ازدياد ملحوظ في الأعوام القليلة الماضية؛ قال أنس
شقفة "نحن نفتخر بأننا لا نقتصر على
الإمام الذي يؤم الصلاة، فالمرأة تأتم بإمامة الرجل لكنّ الخطاب
والوعظ لا يقوم بهما الرجل وحده؛ بل
تشترك فيه عالمات وفقيهات أيضاً".
لمشاهدة صور المؤتمر
أضغط هنا