للأخبار                                                                 
P            شبكه رمضان

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

الخارطة اللغوية المعقدة تفرض أسوار العزلة على مسلمي النمسا وأئمتهم

 حسام شاكر

لم تكن العمائم وأغطية الرؤوس الحاضرة في دار بلدية فيينا القديم متطابقة الشكل، فبعضها يشير إلى تكوين أزهري، وبعضها الآخر يحمل خصوصية بلقانية عبر العمائم المتسمة بالطول والمعاطف الخضراء، بينما تميّز الأتراك بقبعاتهم التقليدية، وفضل آخرون الحضور بدون "زيّ الإمامة الرسمي".

وبينما انهمك المصوِّرون لأعمتا مؤتمر الأئمة الأول في النمسا، الذي جرت وقائعه يوم الرابع والعشرين من نيسان (أبريل) 2005، في التقاط المشاهد البانورامية التي تستجمع هذه الفسيفساء الزاهية من العمائم وأغطية الرؤوس، التي لم يسبق احتشادها على هذا النحو في هذه القاعة البرلمانية التاريخية؛ فإنّ ما لم تتمكن العدسات من التقاطه هي حقيقة مشهد التنوّع اللغوي الكامن وراء ذلك.

فقد بدت إشكالية اللغة بمثابة قضية ملموسة تماماً في المؤتمر، ولم يكن من اليسير تخطِّيها. إذ فرضت هذه الإشكالية ذاتها بقوة، عبر الافتقار إلى إمكانية التواصل المنتظرة بين قرابة مائة وثلاثين إماماً ومسؤولاً في المؤسسات الإسلامية شاركوا في أعمال المؤتمر الأول من نوعه.

وثمة اعتراف عام في أوساط مسلمي النمسا بأنّ إشكالية اللغة تعيق فرص الأئمة في التواصل مع مجتمعهم، بل وتطوِّقهم بستار كثيف من العزلة الواقعية. ومن شأن ذلك أن يحدّ من فرص هؤلاء، الممسكين بزمام عملية الإرشاد والتوجيه في المساجد المتوزِّعة في عموم مقاطعات النمسا؛ لفهم المجريات في بيئتهم بالشكل اللازم، فضلاً عن توصيل خطاب لائق للمجتمع، يستجيب لاحتياجاته ويراعي خصوصياته.

ويُقرّ أنس شقفة، رئيس الهيئة الدينية الإسلامية، الممثلة لمسلمي النمسا رسمياً؛ بأنّ هناك ثغرات بالفعل في واقع الأئمة في هذا البلد، "لأنهم يأتون من مجتمعات متعدِّدة ولا يتقنون اللغة الألمانية"، معتبراً أنّ ذلك يمثِّل "عائقاً يعيق قدرة الأئمة على التواصل مع جماعة المسلمين، وبخاصة من الجيلين الثاني والثالث".

ويؤكد شقفة بالتالي أنّ "من أوْلى الواجبات سدّ هذه الثغرة، بتعليم الألمانية (للأئمة) وهي اللغة الوطنية" في النمسا، كما قال لوكالة "قدس برس".

كما تشدِّد الناشطة المسلمة من أصل تركي، غيلميهري آيتاتش، على ضرورة تعلم المسلمين في النمسا للغة الألمانية وأهمية إتقانهم لها، مشيرة إلى أنّه "لا مناص عنها لكي يجد المسلمون دورهم ومواقعهم اللائقة بهم في المجتمع النمساوي"، حسب تقديرها.

وقد وضع غياب الترجمة الفورية عن أعمال المؤتمر؛ أئمة المسلمين في النمسا في مواجهة واقعهم اللغوي المعقّد. فكيف يستطيع هؤلاء الأئمة الذين لا يتقن معظمهم اللغة الألمانية (لغة البلاد)، التعبير عن رؤاهم وملاحظاتهم أو حتى فهم ما يُلقى على مسامعهم من معالجات لقضايا دقيقة؛ بدون حصيلة لغوية كافية؟.

ويبدو أنّ المشكلة أعقد مما يتصوّره بعضهم. إذ تتوزع "الخارطة اللغوية" لأئمة النمسا على اللغات التركية والبوسنية والألبانية والعربية والأوردية والبنغالية وغيرها، علاوة على اللغة الألمانية ذاتها. ووسط هذا التنوّع اللغوي، تنشأ ما يراها بعضهم "فوضى لغوية"، لغياب القاسم اللغوي المشترك، بما يجعل الرغبة في التفاهم ترتطم سريعاً بالجدار المسدود.

وتتطلب عملية التواصل المُثلى بين هؤلاء الأئمة حشد طاقم من المترجمين الفوريين، علاوة على الترجمة المسبقة لأوراق العمل والوثائق المطروحة على جدول أعماله. ولا تبدو هذه الاشتراطات يسيرة بالنسبة لمؤسسات المسلمين في هذا البلد التي ما زالت في طور النهوض، خاصة إذا ما تعلّق الأمر بلقاءات متعاقبة أو حوارات التنسيق وتبادل الخبرات التي يُفترض أن تجري بشكل دوري على الأقل في هذا البلد الأوروبي الصغير.

وغالباً ما تمنح وصلات التصفيق وهزات الرؤوس في وقائع مؤتمر كهذا؛ انطباعاً وهمياً بأنّ الجميع على الدرجة ذاتها من الاستيعاب الكامل لما يُقال، إلاّ أنّ جولة واحدة من النقاش خلال جلسات المؤتمر كفيلة بأن تبدّد ذلك الانطباع.

ووفق ما يرى وليد عبد الرحمن، الناشط في مجال الرعاية الاجتماعية، وخطيب مسجد مقر الأمم المتحدة في فيينا؛ فإنه "بغير اللغة لا يمكن أن يكون هناك تقدّم" في أوضاع الأئمة. ولكن أية لغة بالضبط؟ يجيب عبد الرحمن على سؤال "قدس برس" متابعاً "من المفترض أن تكون اللغة الألمانية هي الوسيلة الأساسية للتخاطب".

وبينما لا تعكس نظرات وليد عبد الرحمن الكثير من التفاؤل بالواقع الراهن على الصعيد اللغوي؛ فإنه يسارع إلى الاستنتاج بأنّ "الجيلين الثاني والثالث هما اللذان سيفرضان التغيير في واقع المسلمين هنا"، مشيراً إلى أنّ امتلاك المسلمين الناشئين في النمسا لمهارات لغوية أفضل؛ سيجعلهم قريباً أقدر على ارتقاء منابر التوجيه والإرشاد في المساجد والمؤسسات الإسلامية في هذا البلد.

ويقول عبد الرحمن "ستفرض اللغة الألمانية ذاتها، وقد أصبح هذا الأمر ملحوظاً، فإن لم تساير المساجد والمؤسسات الإسلامية هذا التحوّل، وإن لم تهضمه بشكل سلس؛ فإنها ستنقرض، ولن يكون عندها رواد مستقبلاً"، على حد تحذيره.

ولا تنحصر المشكلة في نطاق الأئمة بالتأكيد، فهي مشكلة عامة لدى الجيل الأول من المسلمين في النمسا. ويسود الاعتقاد بأنّ ربّات البيوت المسلمات في النمسا هنّ الأكثر تضرّراً من الحواجز اللغوية هذه. فبعضهن لا يُتقنّ من الألمانية سوى مفردات معدودة مشكوك في سلامتها اللغوية، ولا تكاد في الغالب تكفي لإتمام عملية شراء المستلزمات المنزلية اليومية. إلاّ أنّ نظام متاجر "السوبرماركت" تكفي الجميع عناء الحد الأدنى من التواصل، إذ يكفي فيها تناول المشتريات من على الأرفف والمسارعة إلى دفع القيمة المعروفة سلفاً دون الاضطرار إلى تبادل كلمة واحدة، خلافاً لنموذج المتجر الصغير الآخذ بالانقراض من المدن النمساوية. وأما الجديد في هذا المشهد؛ فهي المتاجر المتزايدة التي لا تُسمع فيها سوى "لغات الأجانب"، وبخاصة اللغة التركية.

وإذا كانت وسائل الإعلام أداة لا غنى عنها للتواصل؛ فإنّ عصر الثورة الاتصالية تسبب بوضوح في تفاقم حالة العزلة تلك، خلافاً لبعض التوقّعات المسبقة التي أفرطت في التفاؤل. فسكان النمسا من أصول أجنبية يفضِّلون التقاط البث التلفزي القادم من "الأوطان الأم"، على متابعة البث المحلي لمحطتي "أو آر إف" النمساوية، وهي ليست حالة استثنائية في أوروبا على أي حال. وتسبّبت هذه الظاهرة في نشوء جيل جديد ممن لم يعتادوا على مشاهدة البرامج النمساوية، بل وأصبح من المألوف بالنسبة لوالديهم التعرّف على المجريات المحلية عبر الفضائيات التركية والبلقانية والعربية. ولذا؛ فإنّ أطباق الالتقاط المثبتة على النوافذ والشرفات تثير بشكل خاص حنق المكلّفين بمتابعة شؤون "اندماج الأجانب" في عموم أوروبا.

وكانت الحكومة الاتحادية النمساوية قد ألزمت "الأجانب" حديثي العهد بالإقامة في النمسا بضرورة تعلم اللغة الألمانية، ضمن مقرّرات خطتها المسماة "عقد الاندماج" الذي تمت صياغته سنة 2002. وأثار هذا التوجّه انتقادات واسعة في الأوساط المدافعة تقليدياً عن حقوق "المهاجرين"، لأنها لاحظت أنّ تعلّم اللغة لا يمكن أن يتأتي بالإجبار، وأنه من الصعب على بعض الأجانب بالفعل إتقان الألمانية، تماماً كما يجد بعض النمساويين مثلاً صعوبة في تعلّم لغات في بلدان في المشرق يقيمون فيها.

وأما وزيرة الاندماج في حكومة مقاطعة فيينا، سونيا فيسيلي، فتعيد إلى الأذهان من جانبها أنّ "تعلّم اللغة هام جداً للاندماج". وحثت فيسيلي الأئمة في الكلمة التي ألقتها في مؤتمرهم على تشجيع تعلّم الألمانية في صفوف المسلمين، وإن كانت قد حرصت على تثبيت موقفها الذي يرى أنّ تعلّم اللغة "لا يمثل كل شيء بالنسبة للاندماج"، وهو الخط الرسمي لحزبها الديمقراطي الاجتماعي، الحاكم في مقاطعة فيينا والمعارض على المستوى الاتحادي.

ولا تبدو المشكلة اللغوية بهذه الحدّة في البلدان الأوروبية الناطقة بالفرنسية أو الإنجليزية، ففي فرنسا والأقاليم الوالوونية من بلجيكا مثلاً؛ تمثل اللغة الفرنسية في الأصل لغة أم أو لغة ثانية على الأقل حتى بالنسبة للجيل الأول من المسلمين، الذين جاء معظمهم من المغرب العربي ومن البلدان الأفريقية جنوبي الصحراء، أي من "العالم الفرانكفوني".

وأما في الجزر البريطانية؛ فإنّ معظم المسلمين ينحدرون من جنوبي آسيا، حيث اللغة الإنجليزية تمكنت من فرض ذاتها جزئياً عبر الحضور الاستعماري، وإن احتفظ هؤلاء بلكنات خاصة أحياناً نحتوا معها إنجليزية لا تتطابق تماماً مع لغة "بي بي سي".

أما في المنطقة الناطقة بالألمانية، والتي تشمل ألمانيا والنمسا وثلثي سويسرا؛ فإنّ لغة غوته بالنسبة لكثير من المسلمين كما بالنسبة لمعظم "الأجانب"؛ ليست أداة للتواصل بقدر ما هي عائق في وجهه. وقد يتندّر بعضهم بالقول إنّ المشكلة أنّ ألمانيا لم تنجح في مساعيها لاستعمار البلدان الإسلامية أو في خطتها في العهد الملكي المعروفة بالامتداد إلى الشرق، وإلاّ لكانت المشكلة محلولة مبكراً.

ويعكس النموذج السويسري حالة صارخة. فبينما ينشط المسلمون في الكانتونات (المقاطعات) الناطقة بالفرنسية بصورة سلسلة بعض الشيء في مجتمعهم، ويتمكنون بالتدريج من التواصل مع بيئتهم بمهارة لغوية أفضل؛ فإنّ الحال في الكانتونات الناطقة بالألمانية يبقى مطبوعاً بالسقف المنخفض للتواصل على خلفية اللغة أساساً.

ولم يملك أئمة النمسا إلاّ أن يشدِّدوا في البيان الختامي لمؤتمرهم الأول من نوعه على ضرورة تعلّم اللغة الألمانية، لأهميتها في التواصل مع المجتمع. وإلى أن يتم ترجمة هذا التوجّه على أرض الواقع؛ فسيبقى التواصل على مستواه الراهن، الذي عبّر عنه أحد أئمة النمسا في المؤتمر الأخير، عندما توجّه إلى زميله الإمام بالقول "لقد كانت مداخلتك رائعة، وإن لم أفهمها تماماً".

 

أعلى الصفحة
لآعلى

 


 

 

مقالات و أبحاث أحرى للكاتب

""""""""""
 

من هو الأوربى
===========

مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========

الأحتلال هو الأحتلال
=============

فضائيه الحرة .. أهى حرة
 حقاً

=============

ً ويسألونك عن "إسراطين
=============

أي علمانيه تقصدون  بالضبط
============

الدين فى أوربا
===========

أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============

كبار رجال الدولة يحتفلون مع مسلمي النمسا
============

 

مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============

 

هل أخفقت "القرية الكونية"؟
 
========

أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب

المؤتمر الأول للأئمة في النمسا

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

ديمقراطية السقف الأدنى  وإصلاح دون مستوى الإصلاح

لاستعمار يطلّ برأسه من جديد

هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

تصلّب في شرايين الجمعيات؟

مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة

من الهجرة إلى المواطنة

شخصنة المؤسسات

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان