رؤى واشنطن
لدمقرطة العالم العربي على مفترق طرق
ديمقراطية السقف الأدنى .. وإصلاح دون
مستوى الإصلاح
- حسام شاكر (*)
عندما تهبّ رياح الديمقراطية على العالم العربي؛ فإنّ السفن العالقة في
بحار الانسداد السياسي في المنطقة الأكثر توتّراً في العالم بوسعها أن
تُطلِق العنان لأشرعتها سعياً إلى وجهة مأمولة.
وقد حملت الأشهر القليلة الماضية معها ما اعتبره بعض المراقبين إرهاصات
لرياح الدمقرطة، أو حتى لعواصف التغيير،
التي استشرفها بعضهم من "هجمة الحرية" الأمريكية، بينما رآها آخرون في
ثنايا رغبة القوى السياسية والشعبية في الانعتاق
من قمقمها، وهما عاملان يُخيّل للمواكبين
أحياناً أنهما متعاضدان بشكل أو بآخر.
وبالنسبة للولايات المتحدة؛ فقد طرحت الإدارة الأمريكية رؤاها
الاستراتيجية لغرس "الحرية"
و"الديمقراطية" في ما تسميه "الشرق الأوسط الكبير"، والذي ينبغي عليه
أن يجتاز عملية "إصلاح" لا مناص منها.
اليوم، وربما اليوم بالتحديد؛ تبدو عملية
الدمقرطة وهي تصعد إلى السطح، لتفرض ذاتها بقوة غير معهودة في
أقاليم عربية مطبوعة بالركود السياسي المزمن، ربما منذ مرحلة إعلانات
الاستقلال أحياناً. ولذا فإنّ نوافذ الأمل وأبواب الهواجس مفتوحة على
مصراعيها في الواقع العربي الذي يجتاز هذا المنعطف الحرج، بينما
يُيقن الجميع أنّ المنطقة مقبلة على مرحلة
ذات ملامح مغايرة، تتداخل فيها التحديات الشاقة بالاستحقاقات العسيرة،
مع الكثير من الفرص والتداعيات.
أما السؤال الكبير بالنسبة للإدارة الأمريكية فيتمثل في جدية ترجمة
شعار الدمقرطة الذي ترفعه بقوة، خاصة وهي
تقف أمام استحقاقات من قبيل دخول القوى التي تحظى بأصوات الناخبين
الفعلية إلى قلب المعادلة الديمقراطية والسياسية في بلدانها العربية.
وثمة
توافق على أنّ القوى الإسلامية هي صاحبة الورقة الرابحة من اللعبة
الديمقراطية، وهي الورقة التي ما زالت واشنطن حتى اللحظة تضمن احتكارها
لمن يحظون بأصوات الناخبين بنظام المبايعة التي تقترب معه معدلات الفوز
من المائة في المائة.
تقول واشنطن الرسمية؛ إنها أخطأت في السابق عندما قدمت الديكتاتوريات
التي تضمن لها مصالحها على النهج الديمقراطي، وهي باعترافها، المنقوص
والمُجتزأ، هذا؛ إنما تقر بضرورة التعويل على الديمقراطية والحرية وما
يستلزمهما من إصلاح.
من هنا يكون السؤال الكبير متعلقاً بحقيقة جدية الإدارة الأمريكية،
علاوة على القوى الأوروبية التي ما زالت تفضِّل الوقوف في ظلال المشهد،
في رفع "الفيتو" عن العملية الديمقراطية في العالم العربي، والسماح
بالتالي بدخول القوى السياسية، بما فيها الإسلاميون، إلى الحلبة
السياسية كلاعب فاعل بما تستأهله من غطاء شعبي عبر صناديق الاقتراع.
في قلب هذه الدائرة بالذات تدور الكثير من التقديرات والتخمينات.
فالأطراف القادرة على استقراء الواقع تدرك تماماً أنّ هذه "العقدة"
تمثِّل "مربط الفرس"، وأنها الاستحقاق الفعلي للعملية الديمقراطية،
التي ملّ الجميع كثرة تغني المسؤولين
الأمريكيين بها.
قد تكون البواعث التي حرّضت الإدارة الأمريكية على إطلاق مشروعها
للدمقرطة مفتاحاً لإدراك حقيقة المطلوب
أمريكياً. فواشنطن دبّجت، مثلاً، وثيقة مشروعها لـ"إصلاح الشرق الأوسط
الكبير"، الذي قدمته إلى قمة الدول الصناعية في حزيران (يونيو) من
العام المنصرم؛ بالوقائع المأساوية التي رصدها تقريرا التنمية
الإنسانية العربية الأول والثاني، (قبل أن يثير التقرير الثالث الصادر
مؤخراً الحنق الأمريكي). فالفرضية الأمريكية، والتي يتوافق معها
الأوروبيون إلى حد ما، تتمثل في أنّ العالم العربي يشهد تفاقماً
متسارعاً لأوضاعه الاقتصادية والاجتماعية،
ما سيؤدي وفق التقديرات إلى تفجير ساحاته السياسية في الأمد المنظور،
وتهديد المصالح الأمريكية والغربية فيه، علاوة على تهديد السلم
والاستقرار العالميين.
وبينما رأى بعضهم في الجانب العربي أنّ التركيز على هذه المعطيات
المتشائمة يمثل تحريراً لوصفة تدخل أمريكية؛ فإنّ ذلك لا ينفي أيضاً في
واقع الأمر مسؤولية الانسداد السياسي العربي الراهن، وما وراؤه من شروط
الخارج التي تستأنس له؛ عن فرضية التفجير الآتي.
بهذا
فإنه لا مفر من "الإصلاح" في المنطقة، طالما أنّ المعادلة السابقة التي
حكمت الحالة العربية طوال النصف الثاني من القرن العشرين؛ تلفظ أنفاسها
الأخيرة بعد أن تجاوزت عمرها الافتراضي.
ومع هذا؛ فإنّ ما لا يبدو واضحاً هو المدى الذي يُراد لـ"الإصلاح" إياه
أن يبلغه، فهل يقتضي الترتيب الأمريكي الدفع باتجاه إصلاح شامل، بمعنى
التغيير الفعلي، أم فرض إصلاحات موضعية بما يؤدي إلى إعادة تفعيل
المعادلة السابقة كي تعمل نصف قرن آخر؟.
تبرهن السياسات الأمريكية منذ انطلاق شعارات الإصلاح على هذا النحو؛
أنّ الأداء حتى الآن يتراكم باتجاه الإصلاح الجزئي، وباتجاهات محكومة
برؤى مسبقة. فحتى عندما عابت واشنطن على عواصم عربية عدة
لاديمقراطيتها؛ فإنها لم تقترح في الوقت
ذاته خيارات بديلة عن ذلك بمقاييس الديمقراطية السويدية، أو حتى
الهندية، فضلاً عن الأمريكية ذاتها؛ بل أبرزت "نماذج ديمقراطية عربية"
كقدوات للعواصم الشقيقة في دروب
الديمقراطية الوعرة.
تشمل
القائمة الأمريكية للنماذج الديمقراطية العربية كلاً من المغرب والأردن
والبحرين، بينما يُلاحظ أخيراً الاتجاه إلى إضافة اليمن إلى القائمة
ذاتها. وحسب ما يُستدلّ من التصوّرات
الأمريكية؛ فإنّ هذه الدول تبدو وكأنها قد اجتازت عنق الزجاجة وتصلح
تبعاً لذلك لأن تكون بمثابة حالة مثالية أو على الأقل نموذجاً على طريق
التطوّر الديمقراطي.
وعلاوة على عامل الاستقرار أو الاستقرار النسبي في تلك البلدان؛ فقد
يكون العاملان الأساسيان المشتركان في حالة الدول العربية الموضوعة على
القائمة إياها؛ هما العلاقة الوثيقة للغاية التي تجمعها مع واشنطن، على
شتى الأصعدة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، والعامل الآخر اللافت
للانتباه بشكل خاص، أنّ الأمر يتعلق بوضوح بمزيج ديمقراطي - سلطوي،
وأنّ المسار السياسي في الدول المعنية نجح في هضم المعارضات ببراعة، بل
ووضع القوى السياسية والشعبية الإسلامية الفاعلة فيها جميعاً في هوامش
تحدّ من فرص حراكها الفعلي، ضمن معادلة معقدة من التوازنات والحسابات
والضغوط، التي أدّت إلى ما يشبه حالة الشلل السياسي لتلك القوى حتى مع
التمثيل البرلماني الكبير لها أحياناً.
ومن هنا؛ فربما ما يتطلع إليه موجِّهو السياسة الأمريكية لا يعدو أن
يكون إضفاء ملامح ديمقراطية وضمان ترتيب الأوراق السياسية وفق نسق جديد
يضمن ضبط الإيقاع، بدلاً من أن تتبعثر الأوراق بالكامل وأن تُسمع
مقطوعات غير مرغوبة، ليكون المطلوب أمريكياً إصلاحاً دون مستوى
الإصلاح، وديمقراطية السقف الأدنى على أفضل تقدير.
لقد روّجت واشنطن في السنوات القليلة الماضية الكثير من الشعارات
الخاصة برؤاها للعالم العربي والإسلامي، ولكنها لم تقدِّم في الوقت
ذاته التفسيرات اللازمة، وما يتضح شيئاً فشيئاً أنّ الديمقراطية التي
تعمل الإدارة الأمريكية على صياغتها لهذا الجزء من العالم تبدو على
الأرجح مفرغة من محتواها إلى حد كبير، وهو ما لا يمثل بأيِّ حال مفاجأة
بالنسبة للعرب والمسلمين.
(*) باحث وإعلامي، فيينا