الاستعمار يطلّ برأسه من جديد
·
حسام شاكر (*)
مبررات معقولة لمخاوف الشارع العربي من عودة الاستعمار، فـ"التحرير"
الأمريكي يبدو امتداداً للواجبات "الإنسانية" للاستعمار البريطاني.
الجماهير العربية فوجئت بالمستعمرين وهم يعودون مجدداً، بلافتات جديدة
قديمة.
عندما رفع المتظاهرون العواصم العربية في سنة 2003 شعار "لا
لعودة الاستعمار"، فإنهم كانوا يعون تماماً
مضمون العبارة ومغزاها. فالاستعمار تجربة غائرة في تاريخ المنطقة، لم
تندمل جراحاتها بعد. إلاّ أنّ الجماهير التي حسبت أنها من لوازم الماضي
فوجئت بالمستعمرين وهم يعودون مجدداً، بلافتات جديدة قديمة.
ولم
يكن فهم خلفيات الحرب الأمريكية البريطانية التي تم شنها في ربيع 2003
ضد العراق بالأمر العسير في الشارع العربي والإسلامي، فالتفسيرات واضحة
وجاهزة، ويمكن الاستماع إليها وهي تتكرر على ألسن المارة في الطرقات
ومن فوق المنابر وفي زوايا المقاهي وفي تعليقات
الصحافيين اللاذعة. إنهم في العالم العربي
يتحدثون في هذه المرحلة عن الاستعمار، والمشاعر السائدة هي خليط من
الأسى والغضب والعجز، بينما يمتزج ذلك كله بالحنق العميق على النظام
الرسمي العربي.
ولكنهم في الإدارة الأمريكية يسوقون رواية
مختلفة. إنهم يتحدثون عن مهمة "تحرير"
للعراقيين وتخليص للعالم من الشرور، فضلاً عن التبشير بالديمقراطية
والحرية. فالإدارة الأمريكية احتجت بقائمة جاهزة من الذرائع
لتسويغ حربها الأخيرة ضد العراق، وهي لم
تكن تنسى بدأب التحذير من "أسلحة الدمار الشامل العراقية"، التي لم
تعثر على شيء منها.
إنه الاستعمار يعيد إنتاج ذاته، ما يبدو
امتداداً متطوراً للذرائع البريطانية، التي كانت تسوقها الإمبراطورية
البائدة في أوج هيمنتها على الخليج العربي.
فالإنجليز كانوا يتحدثون عن "واجب إنساني"؛ يحتم عليهم إحكام
السيطرة العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية على المنطقة، فالغاية
هي "محاربة القرصنة وتجارة العبيد"، أو "القضاء على الحروب الداخلية"،
والسعي "لحماية حرية التجارة العالمية"، مرحى.
ولكن غربال الذرائع لا يحجب شمس الحقيقة. فعبر التاريخ لم يكن الخليج
منطقة مستبعدة من أطماع القوى الكبرى، بل كان ممراً للصراع الدولي،
وبجدارة.
بل عندما كان الإسكندر المقدوني (356 ـ
323 ق. م) يوعز لأحد قادته بالمضي من مصب نهر دجلة إلى مصب نهر السند،
مروراً بالخليج العربي؛ فإنه كان يقوم بدور مشابه للذي سيتقمصه الرئيس
الثالث والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية جورج والكر بوش، بعد أكثر
من ألفي سنة من ذلك العهد. وما بين الإسكندر
الأكبر وبوش الابن عصور وعهود متلاحقة، تعاقبت فيها على الخليج قوى
كبرى سعياً لإخضاعه، واتخذته مرتعاً للتنافس وبؤرة للصراع.
وحتى قبل اكتشاف النفط في هذه المنطقة الهامة؛ كانت العيون الطامعة
تتطلع إليها بنهم. فالأهمية التجارية لهذا
المسطح المائي، الذي لا تزيد مساحته عن ربع المليون كيلومتر مربع، كانت
بالغة إلى الدرجة التي جعلت حجم تجارة الهند في العهد الاستعماري
المارّة عبره؛ تعادل ثلاثة أضعاف حجم تجارتها المارة عبر البحر الأحمر.
ولا
يمكن الاستهانة بهذه الحقيقة التاريخية؛ طالما كانت لندن ترى في تأمين
المواصلات بين مركز الإمبراطورية (إنجلترا) ودرة التاج البريطاني
(الهند)؛ مطلباً حيوياً لبقاء الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس
ولاستمرار نفوذها العالمي.
ومع أخذ مجمل الأبعاد الاستراتيجية بعين
الاعتبار؛ يكون مفهوماً تماماً أن تضع القوى الاستعمارية الخليج بالذات
نصب أعينها، حتى قبل اكتشاف النفط في المنطقة. فقد احتفظ الخليج لنفسه
بموقع حيوي يتوسط مناطق هامة عالمياً، ما كان له ضريبته في الوقوع
فريسة سائغة لأطماع القوى الكبرى. وعبر شواطئ الخليج ذات
النتوءات والتعرجات والخلجان؛ أمكن إقامة
قواعد بحرية للسفن الحربية التي تسعى لبسط النفوذ في المحيط الهندي
والشرق الأوسط، فبهذا كان الخليج، وما زال، حلبة للنزاع.
وإذا كان رئيس الوزراء ووزير الحرب الفرنسي جورج
كليمنصوه (1841ـ 1929) قد ذهب إلى حدِّ القول بأنّ "نقطة نفط
تساوي نقطة دم"؛ فإنه يبدو واضحاً أن الخليج بذهبه الأسود بؤرة جاذبة
لهذه الترسانة الحربية الهائلة من الأسلحة والذخائر الأمريكية
والبريطانية التي تتمركز فيه اليوم، التصاقاً بثرواته.
فبمجرد اكتشاف النفط في الخليج، في إيران أولاً عام 1908؛ أدركت القوى
الاستعمارية وشركاتها العملاقة العابرة للحدود أنّ المنطقة أشبه بقطعة
من الإسفنج المشبعة بالسائل الأسود الذي يصب في شرايين الاقتصاد
العالمي.
وبعد
أن كان الفتح الإسلامي قد أكد هوية الخليج العربي كبحيرة إسلامية؛ فإنّ
القوى الاستعمارية الأوروبية بدأت بالنفاذ إليه مع مطلع القرن السادس
عشر، أي عندما تسلل إليه البرتغاليون ليكونوا طليعة الحضور الأوروبي في
الخليج في العصر الحديث.
ومع
هذا التطور التاريخي؛ طغى على الخليج التنافس المحموم بين القوى
الاستعمارية، أو التي تحاول القيام بدور استعماري. فعلاوة على تطلعات
القوى الإقليمية؛ حامت حول الخليج أطماع وأدوار
برتغالية وهولندية وبريطانية وفرنسية وألمانية. واليوم يتأكد جميعهم
مجدداً من أنّ مقاليد الأمور في هذه البحيرة الهادئة، ظاهرياً، قد آلت
للأمريكيين، القادمين من وراء البحار.
(*) باحث وإعلامي، فيينا