الاحتلال هو الاحتلال-
بقلم: حسام شاكر (*)
ماذا جنينا من عملية السلام؟ كان هذا هو السؤال
التقليدي الذي طرحه المواطنون الفلسطينيون على أنفسهم قبيل اندلاع
انتفاضة الأقصى، والتي دخلت اليوم عامها الخامس.
فبعد تسع سنوات من انطلاق قطار التسوية السياسية في
مدريد، تخللتها مفاوضات ماراثونية في أنحاء العالم؛ وإثر سبع سنوات
من المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات وإسحق رابين؛ وجد الفلسطينيون
بعد كل هذه الحصيلة أنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى مما كانوا
يتوقعونه.
فالتسوية لم تدرّ لبناً ولا عسلاً، ولم تحقق شعاراتها
المأمولة في الاستقلال وتقرير المصير للشعب الفلسطيني واستعادة القدس
المحتلة. بل بات الفلسطينيون يشعرون أنّ الاحتلال تمكّن خلال حقبة
التسوية من فرض ذاته بشراسة أكبر، مبتلعاً المزيد من الأرض، ومقطعاً
أوصال الضفة الغربية وقطاع غزة، ومقيماً المزيد من المستعمرات والبؤر
الاستيطانية والطرق الالتفافية المُسَخّرة لها، التي حوّلت المدن
والقرى والمخيمات الفلسطينية إلى جزر معزولة في بحر استيطاني.
وتحت وطأة المرحلة؛ لم يملك الشعب الفلسطيني إلاّ أن يشعر بأنه وقع
مجدداً ضحيةً للغبن والإجحاف، خاصة وهو يحرِّر حساب الربح والخسارة
لعملية التسوية بأشواطها المنهِكة، فهي لم تُسفِر، رغم الآمال
العريضة والتنازلات المتواصلة؛ عن دولة فلسطينية موعودة، وأبقت القدس
أبعد منالاً، بل وأصبحت المفاصل الجوهرية للقضية الفلسطينية في ظلها
أكثر تعقيداً.
أما السياسات التي تبنّتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدءاً من
رابين، ومروراً بورثته بيريز ونتنياهو وباراك؛ فكشفت للجميع عن تصلّب
متفاوت في حدته؛ ويبدو أنّ القناعة التي كانت قائمة في رؤوس صانعي
القرار في الدولة العبرية؛ هي أنّ الشعب الفلسطيني الذي حُرِم من
استقلاله ودولته؛ تكفيه رموز الاستقلال وعلامات السيادة، دون جوهر
الأمر.
فقد حسب بعض المسؤولين الإسرائيليين أنّ إرضاء الشعب الفلسطيني أو
كبح جماح نقمته على الاحتلال؛ هما مما يتحقق عبر إجراءات شكلية وحسب؛
من ترك الأعلام الفلسطينية ترفرف في أجواء الضفة والقطاع، وإعطاء
الفلسطينيين سيادة ظاهرية على المعابر الحدودية التي يديرها ضباط
الاحتلال، ودغدغة آمالهم بالاستقلال المرتقب، وإطلاق الوعود بفتح
مطار دولي لائق بالدول المستقلة أو ميناء مفتوح على العالم، وهي
الشكليات التي لم تتحقق بحد ذاتها على أرض الواقع.
وعندما كان المسؤولون الإسرائيليون يُسألون عن القدس التي يطالب بها
الفلسطينيون لتكون عاصمة لهم؛ اكتفوا بالإشارة إلى أنّ ضاحية كأبوديس
ومعها العيزرية، تكفيان، "فالفلسطينيون يهتمون بالرموز كثيراً"، كما
كانوا يحسبون. فقد كان التصوّر السائد هو أنّ الشعب الفلسطيني يمكنه
أن يعتبر ضواحي المدينة وبضعة كيلومترات داخلها بمثابة البديل عن
المطلب الكبير بأن تغدو القدس عاصمة فلسطين المستقلة وقلبها النابض.
كان واضحاً أنّ اندلاع انتفاضة الأقصى جاء تماماً في اللحظة ذاتها
التي وصلت فيها التسوية السياسية إلى نقطة الإخفاق الكاملة وزيادة،
أي بعد ارتطامها المدوِّي بجدار التصلّب الإسرائيلي. فالإسرائيليون
أظهروا تشدّدهم في ملف القدس ولم يقدِّموا تنازلات تذكر للفلسطينيين
بشأنها في مفاوضات كامب ديفيد الثانية (صيف 2000)، وكان على إعلان
الدولة الفلسطينية المقرّر للمرة الثانية في 13 أيلول (سبتمبر) 2000
أن يُرجأ حتى إشعار آخر، بينما تحوّل ملف اللاجئين الجوهري إلى
أحاديث خجولة عن عودة عشرات الآلاف منهم، على جرعات تخضع لمزاج
المفاوضين الإسرائيليين في المزيد من الجولات الماراثونية، وبلا آفاق
زمنية يمكن تقديرها.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد واصلت تل أبيب تشدّدها في ملف
الأسرى الفلسطينيين، رغم ما يمتاز به هذا الملف من حساسية فائقة في
الشارع الفلسطيني تمسّ كل بيت، بينما لم تتحقق للمواطن الفلسطيني
أدنى الوعود بـ"الممرّ الآمن" بين الضفة والقطاع، أو بتحسن الأوضاع
الاقتصادية، وتحقيق حالة من الأمن له وسط اعتداءات الاحتلال
والمستوطنين اليومية.
وعندما وطأ شارون بقدميه أرض المسجد الأقصى؛ فإنّ مخزون الغضب
الفلسطيني الهائل كان عليه أن ينفجر، وبقوة، ليقلب الطاولة ويعيد خلط
الأوراق. فالفلسطينيون الذين كانوا يسألون أنفسهم في سنة 2000 "ماذا
حصدنا من التسوية؟"؛ رأوا أنّ عليهم أن يستعيدوا زمام المبادرة الذي
خضع لعهد طويل لأهواء المتعاقبين على مقاعد الحكومة الإسرائيلية.
وحتى أولئك الذين شعروا بالطمأنينة لـ"مظاهر" الاستقلال الفلسطيني،
وأبدوا ارتياحهم للبنية المؤسسيّة التي نجح الفلسطينيون في تشييدها
خلال سنوات التسوية؛ فإنهم قد طرحوا أيضاً السؤال ذاته على أنفسهم
"ماذا جنَينا؟"، خاصة بعد أن رأوا بأم أعينهم أنّ باراك وشارون
وقواتهما الحربية قد نسفت "المظهر" بالكامل، ليكتشف الجميع أنّ
"الجوهر" ما زال قائماً، وأنّ القضية لا تملك إلاّ أن تعود إلى
مربعها الأول، طالما أنّ "الاحتلال هو الاحتلال".
حسام شاكر
(*) باحث وإعلامي، فيينا