للأخبار                                                           
R                  شبكه رمضان

أعلى الصفحة
لآعلى

شخصنة المؤسسات

لموجـز: حريٌّ بنا أن نكتشف سريعاً تلك المسافة الشاسعة التي تفصل بين منطق "مسؤول المؤسسة" ونزعة "مؤسسة المسؤول". فلا اجتماع للعمل المؤسسي الفعّال مع الأطر الفردية الجامدة، فإما أن نختار الانطلاق نحو مستقبل أفضل؛ أو أن نركن إلى واقع لا يثير الإعجاب.


من اليسير أن تشي التعبيرات الرائجة بمفاهيم متكرِّسة في الوعي الجمعي. من ذلك مثلاً نزعة اختزال المؤسسات والاتحادات والجمعيات في أشخاص، فلا يعود الأمر متعلقاً بمسؤول المؤسسة؛ بل بمؤسسة المسؤول.

ويبدو لي أنّ هذه النزعة المستفحلة عربياً في ثقافة العمل العام؛ كثيراً ما تخيِّم أيضاً على "البيئة المؤسسية" التي بَلْوَرَها العرب في القارة الأوروبية، وليست النمسا استثناءً من ذلك على الأرجح.

فغالباً ما يبدأ الأمر بعفوية السؤال الاستعلامي، ذي الطابع الاختزالي المتناقض: مؤسسةُ مَن تلك؟ أو اتحادُ مَن هذا؟. فالضمير المنفصل "مَن"؛ إنما يفيد هنا، غالباً، الدلالة على الشخص المُفرد، أو المسؤول الذي يمسك بالخيوط، كل الخيوط تقريباً في "المؤسسة" إياها. وفي السياق؛ كثيراً ما تأتي الإجابة مؤكِّدةً لروح التساؤل: إنه اتحاد فلان، أو جمعيته، أو حتى مسجده.

لست أدري حقاً؛ أيمكننا الحديث عن نُضجٍ مؤسسيّ، وعن أطر رشيدة للعمل الجمعي، بوسعها أن تترجم طموحاتٍ عريضة وآمالاً واعدة على أرض الواقع؛ بينما تغلب النزعة الاختزالية هذه على التعاطي مع الهياكل العاملة، في ساحة تفيض بالتحديات المتزايدة وتحفل بالمتغيِّرات المتسارعة؟.

من القسط أن نشير بالمقابل؛ إلى أنّ نزعة الشخصنة إيّاها، التي تغلب على التعاطي مع مؤسسات العمل الأهلي خاصّتنا؛ لا تمثِّل، من حيث المبدأ، شاهد إدانة لجمعية زيد، ولا عريضة اتهام لاتحاد عمرو، ذلك أنّها كثيراً ما تعكس اتجاهاً اختزالياً بحق المجموع الذي تضمّه الأطر المعنيّة (على افتراض وجوده)، يمارسه الجمهور حتى بحقِّ اتحادات وجمعيات برهنت على تعافيها من الداء الانفرادي العضال. فقد يصعب على الوعي الجمعي أحياناً، افتراض وجود اتحادات وجمعيات، تعبِّر بحقّ عن حالة من التوحّد والتجمّع، وتجسِّد "روح الفريق"، بقدر ما يميل إلى التصوّر المُسبق بأنها قائمة على ضروب من التمترُس بالولاءات الفردية، أو ألوانٍ من التمركُز حول "الرأس الكبيرة". إنها الرؤية التي لا تتيح بدورها خيارات واسعة بديلة، تساوقاً مع مبدأ بوش: من ليس معي فهو ضدي.

لا ريب أنّ مبعث الشخصنة ليس الشخص المحوري وحده؛ بل من يقفون في الهامش لصالحه، ومعهم المناخ العام السائد الذي يتسع لهذه المفارقات ويفرزها باستمرار، وبأشكال متجدِّدة.

والواقع أنّ شخصنة المؤسسات، من شأنها أن تفسِّر لنا جانباً من حالة التشظِّي المزمنة في ساحة الاتحادات والجمعيات العربية في النمسا، كما في غيرها. فالتعامل الاختزالي مع تلك الأطر، بحصرها ذهنياً في أشخاص، وقصرها عليهم، وسواء بدا ذلك محاكياً لواقعها حقاً أم تجنِّياً عليه؛ إنما يقودها بسهولة إلى التحوّل بالفعل، إلى مؤسسة الشخص الواحد، أو الشخصيْن، حتى وإن جاء اقتباسُ وصفِ المؤسسة هنا مجازياً، أو تعسّفياً.

ليس مطلوباً هنا تذويب الشخص في المؤسسة وطمس أثره، أو تجريد المسؤول من صلاحياته المقرّرة له، وإنما ضبط المؤشرات المنطقية داخل التشكيلات، لإحداث التوازن بين اللافتة والمضمون، كي لا يُعبِّر العنوان الكبير في محصلته عن شخص ونظيره، وحتى لا يُعبِّر الفرد، مهما كان مُلهَماً، تعبيراً أحادياً وتلقائياً عن جماعة الأفراد المفترَضين، بل أن يكون تحت طائلة المسؤولية بحقّ.

يبقى القول إنّ شخصنة المؤسسات لم تتسرّب إلى واقعنا هنا من فراغ، فهي نتاج بيئات وخلفيات ضربت جذورَها بعمق في بلدان المنشأ، وهي ذاتها التي انبعثت منها تجلِّيات أشدّ حدّة، وأكثر ضراوة، من قبيل شخصنة دول بأسرها، وشخصنة قضايا مصيرية، وشخصنة شركات كبرى تعمل في القطاعيْن العام والخاص وما بينهما. بل عبّرت الشخصنة عن ذاتها بشكل سافر، حتى في الحقل العلمي والأكاديمي الذي ينصرف بطبيعته إلى تشكيل المستقبل، فسمعنا بين الحين والآخر، عن جامعات ومعاهد وهيئات أكاديمية اختُزلت في أشخاص مديريها، ونُسبت بلا وعي إليهم، كأن يُقال: جامعة زيد، وأكاديمية عمرو، خلافاً لأسمائها الرسميّة.

وإذا ما جرى التقمّص العفوي لتلك الخبرات المؤسفة في حقل العمل المؤسسي، وإذا ما تمّ استنباتُها كما نرى في بيئة مفعمة بالمؤسسات الفعالة وبالمجتمع المدني النشط، كما في نموذج النمسا (وإن لم يَخْلُ من مفارقات على هذا النحو أيضاً)؛ فإنّ عرب هذا البلد، من الجيل الأوّل، سيواجهون مشكلتهم الأقرب مع جيلهم الجديد، الآخذ بالتفتّح على خبرات أرحب، لا يمكن صبّها قسراً في قوالب ضاقت على من فيها.

حريٌّ بنا أن نكتشف سريعاً تلك المسافة الشاسعة التي تفصل بين منطق "مسؤول المؤسسة" ونزعة "مؤسسة المسؤول". فلا اجتماع للعمل المؤسسي الفعّال مع الأطر الفردية الجامدة، فإما أن نختار الانطلاق نحو مستقبل أفضل؛ أو أن نركن إلى واقع لا يثير الإعجاب.

(*) باحث وإعلامي، فيينا
 

 

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه

 

 

مقالات و أبحاث أحرى للكاتب

""""""""""

من هو الأوربى
===========

مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========

الأحتلال هو الأحتلال
=============

فضائيه الحرة .. أهى حرة
 حقاً

=============

ً ويسألونك عن "إسراطين
=============

أي علمانيه تقصدون  بالضبط
============

الدين فى أوربا
===========

أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============

كبار رجال الدولة يحتفلون مع مسلمي النمسا
============

 

مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============

هل أخفقت "القرية الكونية"؟
 
=======

أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب

المؤتمر الأول للأئمة في النمسا

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

ديمقراطية السقف الأدنى  وإصلاح دون مستوى الإصلاح

لاستعمار يطلّ برأسه من جديد

هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

تصلّب في شرايين الجمعيات؟

مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة

من الهجرة إلى المواطنة

شخصنة المؤسسات

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان