للأخبار                                                                            
شبكه رمضان
 

مسلمو أوروبا: ثمرات التنوع وتحدياته®

 

حسـام شـاكر

(باحث وإعلامي، فيينا)

                                

اتّسَمَ الوجودُ المسلمُ في أوروبا بالتنوّع، الذي جعله تجسيداً لما ينطوي عليه المسلمون من تعددية، وتعبيراً في الوقت ذاته عن عالمية الإسلام. ولعلّ هذه الحالة من التنوع تمثل بحد ذاتها فرصة رائعة لمسلمي أوروبا، ولقارتهم هذه أيضاً، دون أن يعني ذلك خلوّ الأمر من التحديات الجادة والمسؤوليات الثقال.

فالمسلمون في أوروبا، بأصولهم العربية والتركية والهندية والآسيوية والأفريقية واللاتينية والتترية، فضلاً عن الأوروبية الخالصة؛ يشكِّلون في مجموعهم فسيفساء عرقية ولغوية، تتشابك بدورها مع المشارب البيئية المحلية، وهو ما يضعنا أمام جملة من التساؤلات المُلحّة.

فكيف نستثمر هذا التنوع لعشرات الملايين من المسلمين في قارتنا العجوز وننأى بعوارضه السلبية عن الأجيال الجديدة، التي ينبغي أن تتضافر الجهود لتمكينها من تشكيل مستقبل أفضل؟.

وكيف نُعمِّق الشعور بالقاسم المشترك الذي يجمع بين المسلم من أصل تركي في ألمانيا؛ وأخيه من عرق عربي في بلجيكا، أو بين المسلم الهولندي الذي جاء أجداده من سورينام؛ وأخيه التتري في أوكرانيا؟.

وهل غاية المُنى أن تنصهر الخصائص الذاتية لقطاعات الوجود الإسلامي، في هذه القارة مترامية الأطراف، في بوتقة واحدة، لتكتسب لوناً أحادياً يطمس الملامح التعددية للأقليات المسلمة هنا وهناك؟

قائمة طويلة من التساؤلات تجعل بعضهم يطيل النظر في "النصف الفارغ من الكأس"، ولا يرى الأمور إلاّ من الزاوية السلبية، بينما نُفضِّل التأمل في المشهد بأبعاده كاملة، سعياً نحو الأفضل.

فالاختلاف سنة كونية، أودعها الله في بني آدم، ولا ينبغي أن نشعر بحرجٍ منها، وإنما علينا أن نتجه لاستثمارها بالشكل الصحيح. فالشعور بالمسؤولية يدعو الجميع إلى القفز فوق أي تمزُّق والاستعلاء على أي خلاف، فما يجمع أكبر مما يُفرِّق، كما أنّ الهموم المشتركة عصيّة على الحصر.

والأسئلة المطروحة هنا عديدة؛ فهل من التوازن مثلاً أن نُكثِر الحديث عن الاندماج الإيجابي في المجتمعات الأوروبية، فنكتفي به؛ دون أن نلتفت في الوقت ذاته إلى حاجتنا لتوثيق العُرى وتمتين وشائج الصلة بين ألوان الطيف المسلم، في البلد الصغير والقارة الواحدة؟.

واضحٌ أنّ الحاجة ماسّة إلى الإقرار بالتنوع، وبما يتيحه من إمكانات، وبما يستدعيه من تعزيز لقابلية الحوار والقبول بالاختلاف المشروع.

وإذا كان هذا هو المأمول من عموم المسلمين؛ فإنّ نصيب المؤسسات الإسلامية في أوروبا من هذه المسؤولية العظيمة هي أكبر بكل تأكيد، فالواجب يفرض عليها تعميق الوعي بهذا الأمر، وترجمته إلى واقع ملموس. فالمراكز الإسلامية ينبغي أن تكون دوحة للتلاقي والتعاون على الخيرات، والمدارس الإسلامية عليها أن تستوعب هذه الرسالة جيداً وتنزلها في واقع الأجيال الجديدة، دون أن تنأى المؤسسات الأخرى، العاملة في شتى القطاعات؛ بنفسها عن القيام بواجبها في هذا الحقل.

ولا يغيب عن الأذهان أنّ أوروبا عندما اختارت طريق التكامل والوحدة؛ كانت تدرك أنّ المسيرة لن تكون يسيرة، ولكنّها أيقنت في الوقت ذاته أنّ هناك الكثير مما يجمع رغم مرارات الماضي وتباينات الحاضر. بهذا سلّطت القارة الموحدة أضواءها على "النصف الممتلئ من الكأس"، والمؤكد أنّ تجربتها في ميدان التقارب والتعاون الداخلي باتت درساً لأمم كثيرة حول العالم أودى بها ضيق الأفق، ومزقتها خرائط الجغرافيا وحسابات السياسة.

أمّا المسلمون في أوروبا، فإنّ لهم أن ينظروا إلى تقدم الوحدة في قارتهم هذه بوصفه مشجعاً إضافياً لهم على توثيق العُرى وبناء الجسور وترتيب البيت الأوروبي المسلم بشكل أكثر تناسقاً.

ولعلّ الدرس الأعمق الذي ينبغي أن نستلهمه في هذا الشأن؛ أنّ أوروبا عندما اختارت نهج الوحدة؛ لم تتجاهل في الوقت ذاته الخصائص التي يتميّز بها كل بلد، إلى الدرجة التي جعلت مشروع التكامل الأوروبي مشروعاً للتكامل اللغوي أيضاً، فالاتحاد الذي كان حتى عام 2003 يعتمد رسمياً اثنتي عشرة لغة؛ استوعب في عام 2004 عشر لغات أوروبية إضافية، مع التوسعة الكبرى. فقارتنا هذه اختارت أن تنظر إلى التنوّع بوصفه ميراثاً مشتركاً يتوجب الحفاظ عليه، ولا يجوز طمسه وإهماله.

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه


 

 

مقالات و أبحاث أخرى للكاتب

""""""""""

من هو الأوربى
===========

مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========

الأحتلال هو الأحتلال
=============

فضائيه الحرة .. أهى حرة
 حقاً

=============

ً ويسألونك عن "إسراطين
=============

أي علمانيه تقصدون  بالضبط
============

الدين فى أوربا
===========

أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============

كبار رجال الدولة يحتفلون مع مسلمي النمسا
============

 

مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============

هل أخفقت "القرية الكونية"؟
 
========

أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب

المؤتمر الأول للأئمة في النمسا

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

ديمقراطية السقف الأدنى  وإصلاح دون مستوى الإصلاح

لاستعمار يطلّ برأسه من جديد

هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

تصلّب في شرايين الجمعيات؟

مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة

من الهجرة إلى المواطنة

شخصنة المؤسسات

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان