.. ويسألونك عن "إسراطين"؟
حسام شاكر (*)
"إسراطين" هو عنوان "وصفة سحرية" جديدة لقضية فلسطين والصراع الدائر
على أرضها منذ نحو قرن من الزمان. فهذه الكلمة تلخص رؤية حاكم عربي
اعتاد التنظير لأوضاع المنطقة والعالم منذ اعتلائه سدة الحكم في بلاده
قبل أكثر من ثلاثة عقود، دون أن تحظى نظرياته المتتابعة والوصفات
العلاجية المتلاحقة لأزمات شاملة أو موضعية؛ بالأصداء التي تليق
بجرأتها أو بمدى خروجها على المألوف.
وفي السنوات القليلة الماضية، ومع تعثر مسيرة التسوية السياسية في
الشرق الأوسط؛ مضى العقيد الليبي معمر القذافي في فتح الملف الفلسطيني
ليخرج على الرأي العام بالاسم المثير "إسراطين".
لا تعكس هذه اللفظة ولع القذافي التقليدي بتحوير التسميات ودمجها
ونحتها وحسب؛ وإنما تعبِّر أيضاً عن فحوى رؤية تتملكه منذ مطلع القرن
الحادي والعشرين على أقل تقدير بخصوص القضية المزمنة والملتهبة؛ لا ترى
مناصاً عن قيام دولة واحدة فوق أرض فلسطين، تبدو أشبه بما يذهب إليه
حملة طرح "دولة واحدة لشعبين"، ولكن مع نكهة مثيرة كونها صادرة عن زعيم
عربي كان حتى وقت قريب ذي نزعة ثورية.
ويجري في طرابلس الغرب على قدم وساق الترويج لكتاب القذافي "إسراطين:
الكتاب الأبيض"، وهو الكتاب الذي يصفه موقع الزعيم الليبي على الإنترنت
(موقع: القذافي يتحدث) بأنه "يعرض المشكل (القضية الفلسطينية) بكيفية
محايدة وعلمية وجادة، من أجل حلّ عادل ونهائي لما يُسمّى بمشكلة الشرق
الأوسط المزمنة. ويجنّب المنطقة مصائب العنف والحرب والدمار. ويورد
آراء وتصورات لعرب ويهود طرحوها من قبل، و مشاريع دولية تزكي وتؤيد
الحل الذي يقترحه الكتاب الأبيض هذا. وأي تصور آخر لن يحلّ المشكل
أبداً"، وفق ما يرى الموقع.
ولعلّ أكثر ما يرد في الكتاب من دواعي الاستغراب؛ ذلك النفي، غير
المباشر، لتبعية أرض فلسطين التاريخية للشعب الفلسطيني، إذ جاء فيه
"فمن الناحية التاريخية لا أحد له الحق في أن يؤكد أنها أرضه هو. فذلك
مجرد ادعاء. ولا يوجد ما يعطي الحق لطرف في جزء من فلسطين، وأنّ ليس له
الحق في الأجزاء الأخرى"، حسب النص الذي سيكون له ما بعده من تبعات على
شكل الدولة المقترحة معدومة الهوية، فهي إن لم تكن إسرائيل الجانية
فإنها ليست فلسطين المجني عليها أيضاً.
جاء ذلك بعد أن قرّر الكاتب، وهو الزعيم الليبي، أنه "على العموم فإنّ
تاريخ فلسطين بغض النظر عن اسمها، مثلها مثل بقية أقطار المنطقة،
سكنتها أقوام مختلفة، وتداولتها قبائل، وأمم، وشعوب كثيرة جداً، بعضها
مهاجر وبعضها غازٍ. وشهدت حروباً كثيرة وموجات بشرية من كل اتجاه"، هذا
دون الإشارة من جانب الكاتب البارز لعروبة هذه البلاد من قريب أو من
بعيد، وكأنها مجرد "محطة ترانزيت" أو "أرض حرام" بين الدول.
ويعيد "الكتاب الأبيض" إلى الأذهان أنّ فلسطين لم تكن هي بالضرورة
الوطن القومي لليهود في مخططات الحركة الصهيونية، التي كانت بدورها قد
بحثت فكرة استيطان مناطق أخرى غيرها.
وبعد أن استعرض "الكتاب الأبيض" عدداً من مبادرات التسوية المطروحة منذ
نشأة القضية الفلسطينية، ونبذ فكرة تحرير فلسطين أو تقسيمها؛ فإنه أكد
أنّ "الحلّ التاريخي والنهائي هو ما يقدمه الكتاب الأبيض هذا"، ومشيراً
إلى أنّ "الغرض من التذكير بهذه المشاريع هو أن فكرة دولة واحدة
فلسطينية كانت هي المطروحة. ورفض هذا الحلّ هو سبب المشكل المأساوي
الذي تعيشه المنطقة الآن؛ فالبديل عن الدولة الواحدة هو ما نراه
اليوم"، حسب تقديره.
ويعرض الكتاب لهذا "الحل الجذري والتاريخي"، والذي يقوم على قيام "دولة
واحدة للفلسطينيين واليهود: إسراطين".
وفي محاولة التأصيل لمشروعية قيام "إسراطين" هذه؛ يرد في موضع آخر من
هذا الإصدار أنه "ليس لأحد – كما ذكرنا وفقاً لتاريخ المنطقة ـ الحق في
منح نفسه كل فلسطين، أو الحق في منح غيره جزءا منها". ويشير الكتاب إلى
أنّ "الفلسطينيين يعتبرون مدن الساحل؛ عكا أو حيفا أو يافا .. إلخ
مدنهم وأرض أجدادهم جيلاً بعد جيل. وكانوا يعيشون فيها بالأمس القريب،
(...) هؤلاء لن يرضوا بغير أرض أجدادهم التي تركوها عام 48 م ..".
وبالمقابل يذهب الكتاب إلى أنّ "اليهود يؤمنون بأنّ الضفة الغربية هي
أرضهم المقدسة، بل هي قلب الأمة اليهودية، وهم لا يسمونها الضفة
الغربية بل يهودا والسامرة. فكيف يمكن ويجوز أن نحرم أناساً
(الفلسطينيين) من أرض أجدادهم، وأناساً من أرضهم المقدسة (اليهود)
بالنسبة لهم؟"، حسب الكتاب.
ويضيف الكتاب "كيف يمكن أن نستبدل هذه بتلك؟ غير ممكن وغير جائز؛ لأن
اليهود لا يقبلون ـ خاصة المتدينين منهم ـ باستبدال الأرض المقدسة في
اعتقادهم بأي شيء آخر، والفلسطينيين ـ وخاصة المتشددين منهم ـ لا
يقبلون هم كذلك باستبدال أرض الأجداد بأي شيء آخر. وإذا قامت دويلتان
فإنّ الطرفين المذكورين سيواصلان الصراع ضد بعضهما للعيش في أرض
الأجداد بالنسبة للفلسطيني .. وأرض الميعاد بالنسبة لليهودي"، طبقاً
للنص الذي يمثل سابقة من نوعها لحاكم عربي.
ويخلص الكتاب على ضوء هذا العرض إلى أطروحة مفادها أنّ "الحل هو
الاستفادة من هذه المعطيات الحالية والمسلّمات التاريخية، وإقامة دولة
إسراطين، من الفلسطينيين والإسرائيليين، حيث يعيش ويتحرك الفلسطيني
واليهودي حيث يشاءان، فالذي يعتبر الضفة الغربية أرضه المقدسة يمكنه أن
يعيش فيها أو يتحرك فيها متى شاء، وإذا كان يريد أن يسميها يهودا
والسامرة فلا مانع، وإذا أراد الفلسطيني أن يعيش أو يتحرك في المدن
الساحلية؛ عكا وحيفا ويافا وتل أبيب وجدول (الصحيح هو المجدل) .. إلخ
فلا مانع، وهكذا تعود المياه إلى مجاريها، وينتهي الغبن والحرمان ..".
وفي رؤية أكثر إثارة؛ يذهب "قائد الثورة الليبية" إلى أنّ الدولة
العبرية، هي "نموذج للاندماج"، صارفاً النظر عن عنصريتها المتأصلة في
التأسيس والقانون والسياسات والتطبيق العملي ضد العرب. فحسب رؤية معمر
القذافي؛ فإنّ "المنطقة (فلسطين المحتلة) ضيقة جداً لا تسع دولتين على
الإطلاق. الدولتان ستتقاتلان؛ لأنّ أرض كل واحدة منهما هي أرض للأخرى
حسب اعتقادهما وكل دويلة تشعر أنها مهددة من طرف الأخرى. ولن تستوعب كل
منهما المهاجرين اليهود، واللاجئين الفلسطينيين. (وهناك) تداخل
استيطاني بينهما؛ مليون فلسطيني على الأقل فيما سُمَّي بإسرائيل،
وقرابة النصف مليون إسرائيلي على الأقل الآن في الضفة والقطاع وطوائف
أخرى درزية وكاثوليكية ومسيحية وإسلامية .. إلخ. وهو نموذج للاندماج.
وعمال المصانع الإسرائيلية فلسطينيون، (ويوجد) اعتماد بل تكامل بين
الطرفين في السلع والخدمات"، حسب ما يرد في "الكتاب الأبيض" الذي يجري
الترويج له على نطاق واسع في ليبيا وفي محافلها حول العالم.
وعن الاشتراطات التي وضعها القذافي لقيام المدعوّة "إسراطين" هذه؛
فإنها تتضمن "عودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيين إلى ديارهم"، وأن
تكون "دولة واحدة؛ مثل لبنان"، وأن تجري فيها "انتخابات حرة تحت إشراف
الأمم المتحدة للمرة الأولى أو الثانية أيضاً"، مع ضرورة "نزع أسلحة
الدمار الشامل منها ومن منطقة الشرق الأوسط إن وجدت. وبذلك ينتهي
الصراع في الشرق الأوسط. وتصبح هذه الدولة مثل لبنان يُعترف بها وتدخل
حتى الجامعة العربية".
أما الاعتراض المحتمل على تسمية "إسراطين"؛ فيرى القذافي أنه "اعتراض
غير مجدٍِ وضار جداً، وسطحي، وأصحابه عاطفيون غير عقلانيين"، على حد
وصفه، مضيفاً "علينا أن نقارن بين سلامة اليهود وأن يعيشوا في سلام مع
الفلسطينيين ومندمجين معاً في دولة واحدة؛ وبين التمسك بالاسم مع
التضحية بسلام اليهود وبالسلام في الشرق الأوسط والعالم"، حسب ما كتب.
ولا ينسى الزعيم الليبي أن يحذِّر في كتابه من مسألة تبدو له في غاية
الأهمية في هذا الصدد لإزالة العقبات المحتملة أمام مشروع "إسراطين"،
إذ يرد في الكتاب "ينبغي عدم الإصغاء لأصوات الحرس القديم، وعقلية
الحرب العالمية الثانية، بل يجب سماع صوت الشباب .. جيل العولمة .. جيل
المستقبل"، مؤكداً، وهو الذي يُعدّ أقدم حاكم عربي في منصبه؛ أنّ
"العقلية القديمة هي التي سبّبت المأساة الحاضرة"، على حد تقديره.
بل يتحدث القذافي عن "خطر عربي وإسلامي" على الدولة العبرية، إذ يمضي
إلى التأكيد بأنّ "دولة يهودية على حدة عُرضة للخطر العربي والإسلامي،
أما دولة مختلطة من المسلمين واليهود والعرب والإسرائيليين؛ فلن تُهاجم
إسلامياً ولا عربياً". بل إنه يرى زيادة على ذلك أنّ "العمليات
الفدائية الآن ليست من عرب 1948م كما يسمونهم؛ بل من فلسطينيين خارج ما
يسمى بعرب إسرائيل. وفي هذا مثال واضح على نجاح دولة واحدة مندمجة:
إسراطين"، حسب تعبيره في سياق رؤية ربما كانت تستحق وقفة نقدية جادة؛
لو أنها أثارت انتباه أحد دولياً منذ السنوات القليلة التي انقضت على
إطلاقها حتى الآن.
(*) باحث وإعلامي، فيينا
