للأخبار                                                           
R                  شبكه رمضان

أعلى الصفحة
لآعلى

أيّ علمانية تقصدون بالضبط؟ ©

 

بقلم: حسام شاكر (*)

من يتحدثون عن العلمانية عليهم أن يحدِّدوا أيّ علمانية بالذات يقصدون، فللعلمانية كنظام عام نسخٌ متعددةٌ تفتقرُ إلى التطابق، وإن جمعتها بعض الخطوط المشتركة.

فإذا كانت التجربة الأمريكية قد استوعبت العلمانية دون أن تفقد الروح الدينيّة؛ فإنّ تتبع جذور العلمانية والملابسات التاريخية التي اكتنفت بروزها بين بلد وآخر؛ قد يكشف للمراقب عن التباينات في التعامل مع الدين بين بلد علماني وآخر.

إذ تتنوع النماذج العلمانية في داخل أوروبا، التي عرفت بعض بلدانها ثوراتٍ مريرةً على الملكياتِ الوراثية المرتبطة بسلطة الكنيسة، بغرض تحجيم هذه السلطة، فاصطبغت التجربة العلمانية لهذه البلدان بالنبذ والإقصاء للدين بشكل بدا صارخاً أحياناً. أما في الولايات المتحدة؛ فكان البحثُ عن الحرية الدينية في العالم الجديد باعثاً على تشكيل "أمّـة" جديدة لا تستثني الدين من المعادلة.

ولذا، يكون من المفهوم أن يجري تنصيبُ رؤساءِ الولايات المتحدة في مناصبهم بحضور رجال دين، كما تقضي بذلك المراسم المعمول بها، بينما تحضر التعابير الدينية في الخطاب السياسي للمسؤولين الأمريكيين، خاصة من التيار الجمهوري المحافظ، وليس أقل ذلك "فليبارك الرب أمريكا"، أو ثنائية "الخير والشر"، و"الحرب الصليبية"، وهي مفاهيم وتعبيرات لا تبدو مقتصرة على الرئيس الحالي للولايات المتحدة الأمريكية جورج والكر بوش وإدارته؛ وإنما هي مما يحفل به الخطاب السياسي الأمريكي ككل، خاصة بالنسبة للحزب الجمهوري والقوى المحافظة واليمينية.

ولكنّ نماذج العلمانية ليست متباينة بين القارة العجوز والعالم الجديد، وحسب؛ بل ضمن نطاق أوروبا ذاتها. فمفهوم "العلمانية" له دلالات غير متطابقة بالكامل في أنحاء القارة الأوروبية. ويعود هذا التباين إلى ما اتسمت به محاولات إقصاء سلطة الدين عن الحياة العامة وإظهار الحياد إزاء المعتقدات والمذاهب الدينية بين بلد وآخر.

وعلى ضوء هذا؛ يمكن القول بأنّ العلمانية بمفهومها المطلق غير مطبّقة في بعض الدول الأوروبية، طالما أنّ بعض هذه الدول تنفق من ميزانيتها العامة على التعليم الديني مثلاً (النمسا مثلاً)، بينما يبدو ذلك أمراً مرفوضاً بشدة في دول أوروبية أخرى. وتبدو التباينات في أشكال العلمانية ومستوياتها ملموسة حتى بين أقاليم وأخرى في الدولة الاتحادية الواحدة، كما يمكن أن يلاحظ المرء في الكانتونات السويسرية مثلاً.

وعلى سبيل المثال؛ يمكن ملاحظة الفوارق بين النماذج العلمانية في كل من فرنسا، والدانمرك، وهولندا، وبلجيكا.

إذ تقوم الجمهورية الفرنسية على العلمانية الصارمة، فبعد أن كفل الدستور الصادر في الثالث من أيلول (سبتمبر) 1791 الحرية الدينية؛ جاء الدستور الصادر في التاسع من كانون الأول (ديسمبر) 1905 ليحمل معه إقراراً بفصل الدين عن الدولة بالكامل.

وخلافاً لما عليه الحال في عموم أوروبا؛ جرى التأكيد في دستوري عامي 1946 و1958 أنّ الجمهورية الفرنسية علمانية، فهي بموجب ذلك "لا تعترف بأي دين ولا تموِّله"، مع التنبيه إلى أنّ "القانون يضمن حرية المعتقد والممارسة الحرة للأديان باستثناء التضييقات التي تمليها مصلحة النظام العام". ولكنّ الأمر لا يطال خدمات التوجيه الديني المتوفرة في مرافق عامة كالمشافي والسجون والثكنات العسكرية، التي يمكن تمويلها على نفقة إدارات هذه المؤسسات العامة.

أما في الدانمرك؛ فعلى النقيض من ذلك؛ نجد الكنيسة اللوثرية (البروتستانتية) وهي تحتفظ بنفوذها واسع النطاق في الحياة الدانمركية. فهذه الكنيسة التي يتبعها قرابة 88 في المائة من الشعب تتمتع بامتيازات خاصة يندر أن يوجد لها مثيل في أي بلد أوروبي آخر. إذ يجري تقديم الكنيسة اللوثرية في المملكة الدانمركية على أنها مؤسسة تابعة للدولة، فهي "كنيسة الدولة"، أو "كنيسة الشعب" كما يجري الاصطلاح عليها، وهو ما لا يبدو مشجعاً بالنسبة لقبول المسلمين وغيرهم من الطوائف غير المسيحية، رغم أنّ معظم الدانمركيين يُعرِضون عن ممارسة التزاماتهم الدينية.

ويتولى القساوسة اللوثريون في الدانمرك القيام بدور ممثلي للدولة على المستوى المحلي في شؤون الأحوال المدنية، فهم الذين يسجلون عقود القران ويصدرون وثائق الميلاد والوفاة، حتى بالنسبة لأولئك الذين لا يتبعون كنيستهم.

ويبدو الأمر أكثر صعوبة في حالة الأقلية الإسلامية التي لم تحظ إلى اليوم بالاعتراف الرسمي بدينها، أو بها بوصفها مجموعة دينية مستقلة. ومن المفارقات المثيرة للجدل في هذا الصدد أنّ من هؤلاء القساوسة من كان حتى وقت قريب يعترض على تسجيل أسماء بعض المواليد المسلمين إذا لم تكن تتوافق مع "المزاج العام" الدانمركي.

وبالمقابل؛ أقرّت هولندا في العام 1982 فصلاً مشدداً بين الدين والدولة، بما يقيِّد حصول المجموعات الدينية على مساعدات رسمية بقيامها بالنشاطات الاجتماعية وحسب، وهو ما يسري على المسلمين. ويقوم المجتمع الهولندي على أساس التفاعل المتوازي لفئاته العديدة مع الحياة العامة. ويمكن القول بأنّ هذه الفئات تمثل أعمدة تحمل البناء المجتمعي بأكمله. وقد نشأ هذا النظام الذي يُعرف بـ"نظام الأعمدة" مع مطلع القرن العشرين، ليضمن توزيع الأموال العامة على أتباع الطوائف الدينية في البلاد، وليحقق تفاعلهم الذاتي في حركة المجتمع.

ويمثل نظام الأعمدة بالتالي آلية تقليدية تحقق اندماج الفئات المختلفة في المجتمع الهولندي، إلى جانب ما تتيحه هذه الآلية في الوقت ذاته من اعتراف عملي بكل مجموعة دينية أو إثنية.

أما في بلجيكا؛ فقد كفل الدستور الحرية الدينية إلى جانب فصل الدين عن الدولة، استناداً إلى المباحثات التي جرت في أواخر العام 1830 بين الكاثوليك والليبراليين.

ويؤكد الدستور البلجيكي في مادته رقم 14 أنّ "حرية الأديان وحرية ممارستها بشكل عام فضلاً عن حرية إظهار آرائها مكفولة في كافة المجالات، إلاّ إذا ارتُكبت مخالفات قانونية أثناء ممارسة هذه الحريات". ويُظهِر الاستثناء الأخير حقيقة أنّ القانون مقدّم على الحرية الدينية المكفولة بشكل عام.

ويضمن الدستور في مادته رقم 16 علاوة على ذلك الاستقلالية للأديان وصيانتها من العلمنة وتدخل الدولة، إلى جانب تأكيد المادة 15 أنه "لا إكراه في ممارسة دين" بعينه، فيما تشير المادة 117 من الدستور البلجيكي إلى التزام الدولة بتغطية رواتب القائمين على الشؤون الدينية.

ورغم الطابع العلماني لبلجيكا؛ فإنّ مبدأ إنفاق الدولة على الشؤون الدينية ومنحها امتيازات للإدارات التي ترعي المجموعات الدينية، يعني بشكل قاطع أنّ الأمر يتعلق بعلمانية قاصرة ومحدودة النطاق. وتترك هذه الحقيقة انعكاساتها على مؤسسات القضاء التي عليها أن تراعي مبادئ الحرية الدينية والحق في الممارسة الحرة للدين دون إخلال بالقانون، دون أن يعني ذلك إلغاء شاملاً للصفة العلمانية العامة للدولة.

وسبق أن تدخلت السلطات البلجيكية لنقض قرارات مؤسسات مدنية بعد أن تبيّن أنها تتعارض مع سلطة المؤسسات الدينية المنصوص عليها دستورياً، ففي أواخر العام 1985 نقض المجلس الحكومي قراراً أصدرته وزارة التربية، طُردت بموجبه معلمة دين كاثوليكي من الخدمة في المدارس العامة الابتدائية، بناء على الخلفية نفسها. وفي المقابل فقد ألغت محكمة الاستئناف قراراً دينياً يعاقب موظفاً في إحدى الهيئات الكنسية دون أن يمنحه حق الاعتراض. وجاء قرار المحكمة استناداً إلى المادة السادسة من الفقرة الأولى من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، التي تكفل حق العامة في الاعتراض على القرارات التي تمسها.

وعندما يدرك المرء هذه الفوارق الجوهرية بين النظم العلمانية المعمول بها في أوروبا؛ لا بد وأن يعود بالذهن إلى الأطروحات العلمانية التي تتردد في العالم الإسلامي، فأي نموذج بالتحديد يفضله حملتها، وهل بالإمكان "استيراد" نموذج منها وتوطينه بمعزل عن تجربته التاريخية والملابسات التي رافقت تبلوره؟!. ومن الواضح أنّ الذين تتلمذوا على التجربة العلمانية الفرنسية يفضلونها عما سواها، ويبدون أكثر تطرفاً بطبيعة الحال (ولذا فإنّ حظر الحجاب في تونس لا يمكن فهمه بالكامل بمعزل عن التوجه الفرنسي ضد الحجاب، مثلاً)، بينما الذين تشربوا التجارب العلمانية الأخرى نجدهم أمْيَل إلى تبنيها والذهاب إلى استنساخها خارج بيئاتها.

(*) باحث وإعلامي، فيينا

 

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه

 

 

مقالات و أبحاث أحرى للكاتب

""""""""""

من هو الأوربى
===========

مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========

الأحتلال هو الأحتلال
=============

فضائيه الحرة .. أهى حرة
 حقاً

=============

ً ويسألونك عن "إسراطين
=============

أي علمانيه تقصدون  بالضبط
============

الدين فى أوربا
===========

أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============

كبار رجال الدولة يحتفلون مع مسلمي النمسا
============

 

مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============

هل أخفقت "القرية الكونية"؟
 
=======

أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب

المؤتمر الأول للأئمة في النمسا

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

ديمقراطية السقف الأدنى  وإصلاح دون مستوى الإصلاح

لاستعمار يطلّ برأسه من جديد

هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

تصلّب في شرايين الجمعيات؟

مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة

من الهجرة إلى المواطنة

شخصنة المؤسسات

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان