للأخبار                                                           
R                  شبكه رمضان

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي R

 

بقلم: حسام شاكر (*)

 

بعيداً عن الانبهار بنموذج "القرية الكونية"؛ نعترف لثورة المعلومات والاتصالات بالآثار الواضحة التي تركتها على ملايين المسلمين في أوروبا. فقد كان "المغترب" المسلم القادم من "الشرق البعيد" يعيش "غريب الوجه واليد واللسان" في جنبات أوروبا، إلى أن بعثت السنوات الأخيرة حركة من التواصل الحيّ مع العالم الإسلامي، سيكون لها انعكاساتها العميقة على ما يبدو.

فبعد انتعاش التواصل البشري وتضاعف حركة السياحة والسفر عبر القارات؛ جاء الاحتكاك الحي بـ"أوعية المعلومات" المشرقية. فالكتاب العربي لم يعد سلعة نادرة في أوروبا كما كان عليه الحال قبل ربع قرن، وصحف "الوطن الأم" أصبحت متاحة للقرّاء مع ارتشافهم لقهوة الصباح في المدن الأوروبية، أما تقنيات التواصل الهاتفي والالتقاط الفضائي والتشبيك الإلكتروني فقد جرّدت مفهوم "الاغتراب" من روحه ومعناه.

وبهذا أحدثت ثورة الاتصال تقارباً كبيراً بين مسلمي أوروبا وأوطانهم الأولى، ومكّنتهم من التعايش مع مجتمعاتهم السابقة وثقافاتهم الأصلية عن بُعد، إلى الدرجة التي تجعل الصحف التركية تبيع قرابة ربع المليون نسخة في ألمانيا قبل أفول كلِّ نهار.

ويأتي الإرسال الفضائي بمثابة وجبة يومية تحرص عليها قطاعات متزايدة من مسلمي أوروبا، الذين يرون فيها بديلاً مُجدياً عن الإرسال المحلي الذي لم يعد يحظى بالاهتمام. وهكذا أصبح بعضهم لا يحيط علماً بالأحداث الكبرى القريبة وبالتحولات المتسارعة من حوله .. إلاّ من خلال الفضاء البعيد.    

وعبر هذه الظاهرة، التي تكلّلت بمحطات التلفزة الفضائية ومواقع الإنترنت؛ تشكّلت حالة جديدة في أوساط مسلمي أوروبا، الذين بات بوسعهم أن يقفوا بيْن عالَميْن في اللحظة ذاتها، دون أن ينغمسوا في أيٍّ منهما.

فلا ريب أنّ الخصوصيات الدينية واللغوية والثقافية لمسلمي أوروبا تزدهر جرّاء هذه الحالة من التواصل غير المسبوق، وتعين بعضهم على ابتكار نموذج افتراضي من الحياة في الشرق الدافئ، الذي ما زال يداعب المخيلات.

لكنّ الأمر برمّته يطرح تساؤلات شائكة، تفضِّل التواري خجلاً في ظل الانبهار السائد بالتقنيات الجديدة. فهل ستعزّز هذه الظاهرةُ عزلةَ مسلمي أوروبا عن محيطهم الاجتماعي والثقافي؟ أم ستزيد من صعوبة خوض مشوار تحقيق الذات في مجتمعهم الجديد حتى النهاية؟‍ وهل ستجعلهم أسرى في "غيتو" ثقافي من نوعٍ مميّز؟!.

لقد برهن مسلمو أوروبا على حنينهم إلى بلدانهم الأصلية، وعلى تعطشهم للحفاظ على خصوصياتهم التي لا يجدون متسعاً لائقاً بها في الحياة الأوروبية اليومية، الأمر الذي يظهر في مدى متابعتهم للفضائيات التي أخذت بالألباب، كما يبدو جلياً في نوعية المواقع المفضلة لديهم على شبكة الإنترنت، علاوة على إقبالهم المتعاظم على الصحف الناطقة بلغاتهم الأصلية.

ولا يتوقف الأمر عند مخاطر عزلة المسلمين عن القارة التي يعيشون في أكنافها؛ بل يتعداه إلى تفاقم محتمل للانفصام الثقافي المقلق بين الجيل الأول الذي يمعن في الإمساك بتلابيب الشرق، والأجيال الناشئة في مجتمع تنتمي إليه بشكل أو بآخر.

والأزمة هنا لن تأخذ طابع "الصراع على القنوات المفضلة" على الشاشة الصغيرة، أو التباين في نوعية الصحيفة المقروءة؛ وإنما في الزيادة من حدّة الانشقاق المعلوماتي، والاضطراب اللغوي والمعرفي والثقافي بين جدران البيت الواحد.

ولعلّ هذه المفارقات تثير مكامن القلق لدى أطراف عديدة، من بينها أولئكم المنشغلون بملف اندماج المهاجرين في المجتمعات الأوروبية، الذين صدمتهم التقنية المتسبِّبة في تراجع قدرة الأطفال المسلمين على إتقان اللغة المحلّية، والتكيّف مع البيئة الاجتماعية.

بل ما يسترعي انتباه المراقبين؛ أنّ الأمر لا يخلو من رسالة ساخطة على المجتمع. فتثبيت الأطباق اللاقطة للبث الفضائي في الشرفات وعلى النوافذ؛ أصبح سِمَة تطبع "أحزمة الفقر" المُهمَلة التي تعجّ بالمهاجرين، فتُفصح عن الإعراض الثقافي عن الواقع الأوروبي، وتكشف عن الرغبة في التجاهل الإعلامي لمجتمعات متهمة تقليدياً من بعض الجمهور المسلم بأنها لم تَبْرَأ من داء العنصرية بعد.

إننا لا نشيح بوجوهنا عن المكاسب التي حملتها ثورة الاتصالات لمسلمي أوروبا، أسوةً بغيرهم، فبعثت الدماء في شرايين هويتهم المهدّدة بالضمور، بل وأعادت اكتشاف الذات، وبلوَرت لها مواصفات جديدة، لكننا نحذِّر من مغبة الانصراف عن الواقع الذي تعيشه هذه الأقليّات بالفعل، ونخشى من عواقب انغماسها في غيبوبة إعلامية ترحل بها بعيداً عن المكان.

والعبرة التي يمكننا التذكير بها ها هنا؛ هي أنّ اقترابنا المدهش من عالمنا الأول (الشرق الإسلامي) لا يعني أننا نعيش فيه حقاً بأي حال.

(*) باحث وإعلامي، فيينا

 

 

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه

 

 

مقالات و أبحاث أحرى للكاتب

""""""""""

من هو الأوربى
===========

مسلمو أوربا . ثمرات التنوع و تحدياته
===========

الأحتلال هو الأحتلال
=============

فضائيه الحرة .. أهى حرة
 حقاً

=============

ً ويسألونك عن "إسراطين
=============

أي علمانيه تقصدون  بالضبط
============

الدين فى أوربا
===========

أوروبا قديمة .. وأخرى جديدة
================

بين الانفتاح الإعلامي والغيتو الثقافي
=============

كبار رجال الدولة يحتفلون مع مسلمي النمسا
============

 

مشاهد "سي بي إس" ليست الحقيقة كلها
===============

هل أخفقت "القرية الكونية"؟
 
=========

أوروبا الدول .. وأوروبا الشعوب

المؤتمر الأول للأئمة في النمسا

اللغة ليست أداة للتواصل بالضرورة .. بل قد تكون عائقاً أحياناً

ديمقراطية السقف الأدنى  وإصلاح دون مستوى الإصلاح

لاستعمار يطلّ برأسه من جديد

هدم منازل غزة.. عقلية إسرائيلية استعلائية

تصلّب في شرايين الجمعيات؟

مرحلة شائكة .. وحصانة متآكلة

من الهجرة إلى المواطنة

شخصنة المؤسسات

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان