|
المعتدي 'مضطرب نفسيا' اختار التوقيت والمكان ونفذ
جريمتين وضبط قبل الثالثة
تفاصيل الاعتداء الآثم.. الغامض علي
الكنائس في الإسكندرية
الإسكندرية: محمد فؤاد
اختاروا توقيتا مضبوطا تماما.. هذا هو الموعد المناسب
لاشعال حريق في البلد بحاله.. فنحن المصريين جميعا نستعد
لحزمة أعياد مصرية مرة واحدة. ففي بلادنا الآمنة التي لم
تعد كذلك بفضل جهود التأمين يحتفل أولادنا وأمهاتنا
وآباؤنا بعيد شم النسيم (أو عيد الربيع حسب التسمية
الرسمية) وقد احتفلوا قبلها بيوم مولد المصطفي صلي الله
عليه وسلم وسيحتفلون اليوم بعيد 'أحد السعف أو أحد
الشعانين' والأحد الذي يليه عيد القيامة المجيد، وبينهما
الجمعة الحزينة. لكن محمود صلاح عبدالرازق ومن وراءه
آثروا أن يكملوا هموم وأحزان الناس بهم جديد ثقيل،
فملأوا قلوبنا خوفا من غدي مجهول.
هو شاب مصري مثل الذين أسال دماءهم، تشبه ملامحه
ملامحهم، بكالوريوس تجارة يعمل في محل ألبان يمتلكه مسلم
يقع بجوار الكنيسة التي شهدت جريمته الأولي.
وهو قبل كل ذلك ليس مختلا أو مضطربا نفسيا، والوصف
الأخير وليس المرض يليق بعموم المصريين الذين هد التعب
حيلهم ولخبط كيانهم، فصاروا أشباه مواطنين، يفضلون في عز
الزحمة والخنقة الالتزام بالمشي جنب الحيط.. ويقضون
وقتهم أمام التليفزيون الرسمي وبينهم عدد غير قليل يستحق
وصف مشروع إرهابي ومنهم عدد قليل جدا والحمد لله صار
إرهابيا مشهورا بعد موته أمام المتحف وخلفه وفي شارع
المعز لدين الله وبعد أن قام باعتدائه الآثم علي أبرياء
فرغوا لتوهم من الصلاة.
بدأت المؤامرة الدنيئة باختيار أفضل توقيت لارتكاب
الجريمة، ورجل الأمن يتثاءب صباح يوم إجازة خلت فيه
الشوارع من المارة وازدحمت الكنائس بالمصلين الذين
يتزايد عددهم قبل الأعياد وأثناءها، وقد أنهوا قداسهم
وخرجوا ليبدأوا يومهم بما فيه من تعب وراحة.. وكان
الجاني علي أهبة الاستعداد وقد خرج علي الأبرياء العزل
شاهرا سيفه (أو سيفين).
كانت الساعة تقترب من التاسعة صباح يوم الجمعة الموافق
14/4/..2006 كانت كنيسة القديسين قد انتهت من القداس
الذي يقام عادة منذ الصباح الباكر وأثناء خروج المصلين
من الكنيسة فجأة ظهر شاب ملتحي شاهرا سيفين بيده وهو
يصرخ: 'لا إله إلا الله' ثم يقوم بضرب رجل مسن تخطي سن
السبعين يسمي نصحي عطا والذي كان قد حرص علي الصلاة في
هذا اليوم بصحبة أقاربه ثم اعتدي علي شاب آخر يسمي قزمان
توفيق 18 سنة محدثا جرحا غائرا في ذراعه وقام بعدها بطعن
شاب آخر في بطنه وكل ذلك في لحظات وسط دهشة المصلين
الذين خرجوا توا من الكنيسة. حاول العديد من رواد
الكنيسة الامساك به ولكنه جري مسرعا..
حاولوا اللحاق بهذا الشاب ولكنهم لم يستطيعوا وقال شهود
عيان إنه ركب احدي السيارات وأكدوا أنه لم يكن بمفرده
حيث كان بصحبته شخص آخر في السيارة وفرا هاربين.
كانت الإسكندرية حتي هذا الوقت هادئة تماما فاليوم
الجمعة إجازة والشوارع خالية تقريبا من المارة.
عندما سقط الثلاثة: نصحي عطا وقزمان توفيق ومايكل بسادة
الذي كان قد تخرج في كلية الحقوق الانجليزية هذا العام
أسرع الجميع بحملهم إلي مستشفي مار مرقس المجاور حيث كان
في استقبالهم مدير المستشفي د. جرجس فوزي، وكانت جثة
نصحي عطا قد تم ادخالها ثلاجة المستشفي ونقلت بعد ذلك
إلي مشرحة كوم الدكة في حراسة مشددة.. أما باقي المصابين
فقد تم التعامل معهم حيث كانت حالتهم غير مستقرة وتم
وضعهم تحت الملاحظة.
وصلت قوات الامن في تمام الساعة العاشرة والنصف إلي مكان
الحادث وقد تجمع مئات الأقباط أمام الكنيسة طالبين معرفة
ما يحدث وكانت هناك مفاجآت أخري حيث كرر هذا الشاب
اعتداءه الآثم عدة مرات فذهب إلي كنيسة مار جرجس بالحضرة
وهناك وبنفس الطريقة سقط ثلاثة مصابين وهم: بطرس ناجي 18
سنة وفادي حنين 45 سنة وحنا إبراهيم عيسي 32 سنة وجميعهم
اصيبوا بجروح نافذة بأجسامهم.
كانت وزارة الداخلية قد بدأت تشكل فرقا أمنية وتم ابلاغ
جميع الكنائس بتوخي الحذر واتخاذ الاحتياطات اللازمة
بتكثيف الحراسات الأمنية علي بوابات الكنائس.
وأثناء وجود أحد الكمائن في شارع عمر لطفي بمنطقة
سبورتنج كان الشاب الملتحي قد توجه إلي هناك حيث تقع
احدي الكنائس وقد أخفي السيفين في ملابسه وارتاب أحد
الضباط فيه وتم إلقاء القبض عليه.
وداخل قسم باب شرق تم التعرف علي هوية هذا الشاب حيث
اتضح من المحضر الذي تم تحريره أن اسمه محمود صلاح
عبدالرازق حاصل علي بكالوريوس تجارة ويعمل في محل مجاور
لكنيسة القديسين في سيدي بشر .
توفي والده منذ فترة ومر بعدها بظروف نفسية صعبة.
كان في هذا الوقت قد تم تشكيل لجنة برئاسة المستشار سامي
بريك محامي عام شرق مكونة من رؤساء ومديري حوادث شرق
الإسكندرية ونيابة المنتزه برئاسة عبدالرحمن حافظ ومدحت
رمضان رئيس نيابات شرق.. وهناك جرت التحقيقات التي
مازالت مستمرة حتي الآن.
ولوحظ أثناء التحقيقات أن الشاب المعتدي غير واعي لما
يردده مما دفع الكثير من رجال الأمن للتأكيد أنه مختل
عقليا.
وأمام كنيسة القديسين كانت توجد ملحمة أخري بعد أن توافد
ما يقرب من 3 آلاف قبطي أمام الكنيسة وحضور كافة قساوسة
الإسكندرية وفي مقدمتهم القس شاوربيم الباخوص نائب رئيس
بطريركية المرقسية بالإسكندرية.
وأكد القس مقار فوزي راعي كنيسة القديسين ل'الأسبوع' أن
هناك من يقف وراء هذا العمل من أصحاب المصالح الخاصة
التي لا تريد خيرا لهذا البلد.
وتساءل القمس شاروبيم الباخوص عن علاقة ما حدث بقرب
أعياد الأقباط في مصر وأشار إلي اشتعال أحداث كنيسة مار
جرجس بمحرم بك قبل اعياد المسلمين.. هذا يؤكد أن هناك من
يستهدف مصر.
كما أكد رئيس المجلس الملي بالإسكندرية المستشار فؤاد
جرجس أن ما حدث هو محاولة لزعزعة استقرار هذا الوطن..
ورفض عضو المجلس الملي سمير فؤاد المحامي التصريحات التي
أكدت أن من قام بهذه الأحداث مختل عقليا حيث أشار إلي
كيفية أن يقوم شخص مختل عقليا بالهجوم علي ثلاث كنائس في
توقيت واحد وهي كنيسة القديسين بسيدي بشر وكنيسة مار
جرجس بالحضرة وكنيسة أخري بمنطقة جناكليس.. ويوقع جميع
تلك الاصابات بمفرده؟!
وداخل مستشفي مار مرقس المجاور للكنيسة مباشرة قام وزير
الصحة بالاتصال بالقس مقار فوزي راعي كنيسة القديسين
التي حدثت بها الواقعة.. ومن الجدير بالذكر أن مكان
الحادثة خلا من جميع المسئولين الرسميين ولم يكن هناك
سوي قوات الأمن المركزي التي حاصرت المكان من جميع
الجهات.
وقد حاولت مجموعة من اعضاء مجلس الشعب الحضور لتهدئة
الأقباط الذين رفضوا المغادرة من أمام الكنيسة حتي يتم
القبض علي الجناة الذين ارتكبوا هذا الحادث ومن هؤلاء:
ماهر خلة عضو مجلس الشعب السابق وعلي سيف عضو ملجس الشعب
عن دائرة المنتزه.
وقد استنكرت الكتلة البرلمانية لنواب الإخوان المسلمين
بالإسكندرية أحداث الاعتداءات الإجرامية علي بعض الكنائس
بالإسكندرية من أشخاص مجهولي الهوي ومشبوهي التوجه.
وتعتبر الكتلة هذه الجريمة اعتداء علي شعب مصر كله
مسلمين وأقباطا.
وحذر نواب الإخوان من سوء استغلال هذا الحادث للنيل من
وحدة النسيج والتماسك بين المسلمين والمسيحيين حيث إن
المستفيد من وراء هذا الحادث أحد فريقين احدهما يسعي
لتمديد الطوارئ في البلاد وفريق آخر يسعي لتدويل قضية
أقباط مصر.
من ناحيته عقد المجلس المحلي بالإسكندرية اجتماعا برئاسة
د. طارق القيعي وبحضور أعضاء المجلس المحلي، ود. جورج
عبدالشهيد عضو المجلس الملي الذي أكد أنه من المطلوب في
هذه الفترة أن نتماسك ونتلاحم حتي نعبر المأزق الذي
يدبرلبلادنا.
واستغرب د. جورج من حدوث ثلاث هجمات من شخص واحد دون
اعتراض أمني له مطالبا بالشفافية في التحقيقات.
وستخرج مسيرة شعبية من أمام مجلس محلي باب شرق اليوم
الأحد وتضم جميع اعضاء مجلسي الشعب والشوري والشخصيات
العامة بالإسكندرية ورجال الدين من الجانبين.
لا أحد ينام في الإسكندرية
نستعير عنوان رواية كاتبنا الكبير إبراهيم عبدالمجيد
لننقل بعضا من فزع وخوف سكان الإسكندرية أقباطا ومسلمين،
وهم الذين شاهدوا وتابعوا زوبعة ال'سي دي' الشهيرة أمام
كنيسة محرم بك والاعتداء الآثم أيضا علي راهبة.
وتابعنا معهم الغضب والجهل، يشتعل ثم يخبو فينطفئ مؤقتا
ويعود ليشتعل في مكان جديد وبشكل جديد.
فهل اتفق مشعلو الحرائق في الإسكندرية علي اعتبار الجمعة
اليوم المناسب دائما لحرائقهم؟!
وهل اختاروا أماكن التنفيذ جيدا وعرفوا ايها أبعد عن عين
وقلب الأمن، أم كانوا مدركين أن كل جريمة كبيرة مفزعة
لابد أن يكون مرتكبها مختلا؟ وهل ينتظر هذا الحادث من
يركب موجته ايضا كسابقه ليحقق انتصارات ومكاسب جديدة؟
أحداث محرم بك سبقت الانتخابات البرلمانية وقامت بدورها
فقفز عليها من قفز ودفن بسببها من دفن وجرائم يوم الجمعة
الدامي سبقت ثلاثة أعياد للمسيحيين وعيدا مصريا وتلت
مناسبة إسلامية.. فماذا حدث؟ ومن يرتب ويخطط ويأمر
بالتنفيذ؟.
ومن يجني الأرباح في الآخر؟
لا أحد ينام في الإسكندرية.. ولا أحد سينام إلا بعد أن
تظهر الحقيقة واضحة.
ولا أحد يتمني إغلاق ملف الجريمة الآثمة بختم مستشفي
المجانين.. علي الأقل حتي لا نفاجأ بمجانين آخرين لا قدر
الله وحرائق أخري يصعب اطفاؤها.. حفظ الله مصر وشعبها من
كل سوء.
|