الزرقاوي.. الحقيقة والأسطورة

يسخر البعض مما تردده القوات الأمريكية وحلفاؤها في الحكومة العراقية من إدعاءات حول "جماعة التوحيد والجهاد" التي يتزعمها الأردني "أبو مصعب الزرقاوي"، ونسب كل كبيرة وصغيرة تحدث في العراق، إلى هذا التنظيم، بدءاً من شن الهجمات ضد الاحتلال، مروراً بالتفجيرات التي تستهدف تجمعات المدنيين، وانتهاء باختطاف الرهائن الأجانب وذبحهم.

فالمشككون في صحة هذه المزاعم، يرون أن ما ينسب إلى "الزرقاوي"  من إدعاءات بأنه المحرك الرئيس لأعمال العنف والاضطرابات والقائد الفعلي للعناصر "المخربة" وذلك لاتخاذه ستاراً لارتكاب المزيد من الخروقات وانتهاكات حقوق الإنسان، وتنفيذ المخططات الأمريكية المشبوهة في كافة أرجاء العالم الإسلامي بزعم مكافحة "الإرهاب" واجتثاثه من جذوره.

فالتصريحات السابقة للرئيس الأمريكي جورج بوش تؤكد على هذا المعنى وتجعله شعاراً في حربها المزعومة على ما يسمى "الإرهاب"، بعد أن ساق ضمن مبررات الحرب على العراق ذريعة ارتباط نظام صدام حسين بـ "القاعدة"، متجاهلاً نصائح الخبراء الأمريكيين في مجال مكافحة الإرهاب من أنه ليس ثمة علاقة بين الطرفين، وأن تحقق مثل هذا التعاون في يوم من الأيام هو أمر من دروب الخيال فقط، نظراً للخلافات المتجذرة بين النظام البعثي في العراق وتنظيم "القاعدة"، التي بدت واضحة في بيانات مصورة تلاها بن لادن وهاجم فيها بشدة صدام حسين ونظامه البعثي، فيما لم تظهر أي مؤشرات أو دلائل على ثبوت مثل هذه المزاعم حتى الآن باعتراف المسئولين الأمريكيين أنفسهم، مثلها مثل ذريعة "أسلحة الدمار الشامل العراقية". ويقول المعارضون لفكرة الربط بين "القاعدة" ونظام صدام حسين، إن تغاضي بوش عن الاستماع للتحذيرات من الانسياق وراء تلك الدعاوى التي ساقها المحافظون الجدد داخل الإدارة الأمريكية، ورفضه الاستجابة للنصائح من أن العراق سيصبح بؤرة لـ "الإرهاب" وقاعدة للانطلاق ضد المصالح الأمريكية على وجه الخصوص في المنطقة، يجني الرئيس الأمريكي ثماره الآن، في ضوء تصاعد أعمال العنف في العراق وتحول هذا البلد إلى ساحة للصراعات بين أطراف مختلفة التوجهات والأهداف، بفضل السياسة التي انتهجتها الإدارة الأمريكية بعد إسقاط نظام صدام حسين.


ابو مصعب الزرقاوي

 فعندما يحمل بوش من أسماهم بـ "الإرهابيين" مسئولية ما يشهده العراق من فوضى وعمليات تخريب طالت شتى مظاهر الحياة في هذا البلد، فإنما يحاول التغطية على فشله الذريع في العراق وجعله نموذجاً للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط كما كان يردد، متناسياً أن سلسلة القرارات الخاطئة التي اتخذها الحاكم المدني الأمريكي السابق بول بريمر بناء على توجيهات واشنطن، وأهمها تسريح عناصر الجيش والشرطة العراقيين لعبت الدور الرئيس فيما يشهده العراق حالياً من فوضى أمنية. ومن هنا يقول المحللون أن بوش عندما يصف "الزرقاوي" بأنه يمثل الخطر الأكبر على أمن واستقرار العراق، فإنه يغفل عن عمد ذكر الأخطاء التي ارتكبتها إدارته وأدت إلى تدهور الوضع الأمني في العراق، على نحو لم يتوقعه أكثر المتشائمين قبل غزو العراق، مشددين على أن استخدام القوة العسكرية ليس هو السبيل الأمثل لمعالجة الأخطاء وتجاوز التحديات التي تواجهها، لكن الأمر يتطلب إعادة ومراجعة السياسات التي تنتهجها الولايات المتحدة في العراق. فيما رأى بعض المحللين أن التهويل بورقة "الزرقاوي" وإصرار الحكومة العراقية على مزاعم وجوده في الفلوجة، تهدف من وراءه إبعاد الأنظار عن المقاومة العراقية، وليعطي انطباعا أنه لا توجد مقاومة عراقية، ومن ثم تشويه وجه المقاومة الحقيقية من خلال التفجيرات التي تكون وجهتها الدوائر المدنية والأسواق والمدنيين الأبرياء. كما أنها تستخدم ورقة الزرقاوي لتحجيم الخصوم السياسيين، وللتهرب من أنها حكومة تصريف للأمور فقط، لتكون حكومة لها جميع الصلاحيات، ومن ثم ستتجاوز عمرها المقرر (210) يوما، كما حصل في أفغانستان عندما استمر تأجيل الانتخابات لمرات بحجة انعدام الأمن، وتحاول البقاء طويلا بحجة الإرهاب وانعدام الأمن في العراق. فيما يشير محللون كذلك إلى أنه من الممكن أن يستخدم علاوي ورقة "الزرقاوي" بإعادة زملائه من البعثيين القدامى، وإعادة الأجهزة التي كانت تابعه لنظام السابق، ومن ثم تكوين قاعدة جماهيرية لحركته "حركة الوفاق الوطني" التي تفتقد للحضور الجماهيري في العراق وقد يكون السيناريو عودة حزب البعث برداء حركة الوفاق الوطني. أما عن الأسباب والدوافع وراء حديث الأمريكيين عن "الزرقاوي" والمبالغة في المخاطر الذي يشكله تنظيمه، واتهام سكان الفلوجة بإيوائه، فهو بحسب آراء الكثير من المحللين، ذريعة تستخدمها لتبرير عدوانها على الفلوجة، لأن هذه المدينة كبدت قوات الاحتلال مئات القتلى والجرحى في المواجهات السابقة، ولكي تمنع النقد الموجه إليها من الدول الكبرى في العالم، ومن المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، عندما تقوم بانتهاكات أو قتال في مناطق عراقية، وللتغطية على التفجيرات التي تقوم بها جهات خارجية بعلم قوات الاحتلال في العراق، ومن ثم تسيير السيناريوهات السياسية والإستراتيجية الامريكية للمنطقة ، والهروب من مستحقات البناء والاعمار والتعويض وغيرها في العراق، ومن أجل أن تبقى داخل العراق لعقود قادمة حتى تكمل استراتيجيتها التي بدأتها في العراق، والتي ستتحرك لدول كثيرة في المنطقة. فتلك الاستراتيجية التي تتبعها الإدارة الأمريكية تهدف من خلالها التأثير على مشاعر الشعب الأمريكي، عن طريق اختلاق شخصية "شريرة" تجعل الرأي العام يراها هي العدو الأول له ويقف مع حكومته متضامناً في مواجهتها. وهو ما كشفته صحيفة "الديلي تليجراف" البريطانية نقلا عن مصادر استخباراتية أمريكية قالت إن "الزرقاوي"، هو مجرد أكذوبة، وأنه شخصية مختلقة بهدف إيجاد "شخصية شريرة" للاستهلاك المحلي في الولايات المتحدة، مشيرة إلى "محاولات الترقيع والتزويق لكي يسمع الأمريكيون ما يحبون سماعه". فيما يكشف أحد العملاء الأمريكيين في تصريحات للصحيفة ذاتها التي تعد من أشد مؤيدي الحرب على العراق أنه كان يتم دفع تقريبا 10 آلاف دولار في كل مرة لقناصي الفرص والمجرمين الذين يمررون القصص الخيالية والافتراضات حول الزرقاوي لتحويله إلى حقيقة واقعة وجعله على علاقة بكل هجوم يحدث في العراق، "فنحن نحتاج إلى شرير، شخص مجهول لالقاء اللوم عليه وحصلنا على واحد". المعلومات المتوافرة عن الزرقاوي تشير إلى أنه مواليد العام 1966 بمدينة الزرقاء ثانية كبريات المدن الأردنية واسمه الحقيقي أحمد فضيل نزال الخلايلة. وتذكر صحيفة " نيويورك تايمز " نقلاً عن أصدقاء طفولته، إنه نشأ مثل بقية اطفال المدينة، يلعب الكرة في شوارع المدينة غير المعبدة، ولم يهتم في دراسته ولم يكن يتردد علي المسجد، وما يفرق الزرقاوي عن الجميع انه كان يحب المشاجرات. وفي سن 17، ترك المدرسة وبدأ يشرب الخمر، وفقاً لتقارير المخابرات الأردنية، كما اهتم بالوشم، حيث وشم اجزاء من جسده. ويقول ملف المخابرات الاردنية انه سجن في الثمانينات من القرن الماضي بسبب عملية تحرش جنسي، ولا يقدم الملف اي معلومات عن الحالة هذه وتفاصيلها. وفي ربيع العام 1989، وصل الزرقاوي إلى مدينة خوست لقتال السوفييت، لكنه وبحسب صهر الزرقاوي الذي فقد رجله في افغانستان، حضر الزرقاوي متأخرا ، فقد بدأ السوفييت بالرحيل عن افغانستان، وبدلا من المشاركة في العمليات القتالية، عمل مراسلا لمجلة "البنيان المرصوص"، حيث أخذ يجمع قصص المجاهدين العرب.

  وفي هذه الفترة تعرف الزرقاوي علي صهر المستقبل الذي كان يتعافي في مستشفي، حيث اصبحا قريبين وتزوج صالح الحامي اخت الزرقاوي. ويتذكر الحامي، انهم كانوا في مغارة، حيث اسر الزرقاوي لصديقه بما رأى في الحلم، حيث يقول انه شاهد سيفا يهبط من السماء المضيئة ومكتوب عليه كلمة الجهاد. وبقي الزرقاوي في أفغانستان حتى عام 1994، واعتقل عام 1995 بعد شهور من عودته إلى الأردن، بعد اكتشاف بنادق ومتفجرات في بيته. ويقول زملاؤه في الزنزانة انه حول سريره الحديدي الي مغارة غطاها بالبطانيات، واقبل علي حفظ القرآن الكريم. وفي هذه الفترة لم يكن الزرقاوي يعتبر الامريكيين اعداء، بل كان يري انهم مسيحيون مؤمنون والعدو الرئيسي كان الاتحاد السوفيتي السابق. ولم يلاحظ عليه اثناء فترة السجن اي اهتمام بالسياسة. ويقول كل الذين عرفوا الزرقاوي في هذه الفترة انه لم يكن يتحدث كثيرا وكان جادا، ويقولون ان حزمه وابتعاده عن الآخرين كانا نقطة قوة، ويقول طبيب السجن، انه عندما زار السجن وجد ان الزرقاوي يسيطر علي السجناء. وفي هذه الفترة بدأت القاعدة عملياتها ضد الامريكيين، عندها اخذ يتحدث عن الامريكيين وقتلهم. وفي مارس 1999 اطلق سراح الزرقاوي، قبل أن يسافر في العام التالي إلى باكستان، حيث أخذ والدته المريضة معه للإقامة معه هناك قبل أن تنتهي تأشيرته في باكستان ويعود إلى الأردن حيث أخذت السلطات هناك تتعامل معه كمشتبه بعد اكتشافها عملية ضد موقع مسيحي. وفي يونيو 2000 عاد الزرقاوي لأفغانستان، وبحسب المصادر الامريكية، فتح الزرقاوي، معسكر تدريب له علاقة بالقاعدة في غربي أفغانستان. ويقول المسئولون الامريكيون أنه أصيب وبترت ساقه عندما قامت القوات الامريكية بقصف مواقع للمجاهدين العرب وطالبان في غربي افغانستان بعد هجمات سبتمبر 2001. وتشير المعلومات إلى أن الزرقاوي هرب من أفغانستان نهاية عام 2001، ومر بإيران التي طردته ثم سافر للعراق، وهناك تلقى علاجا لجراحه التي أصيب بها على يد جماعة "أنصار الإسلام" الكردية. وعمل مع هذا التنظيم، ولكنه قُتل في  أبريل 2003 عندما تم قصف مقرات هذا التنظيم بأكثر من 170 صاروخاً من نوع "كروز" "وتوماهوك"، حسب بيان أصدره رفاق الزرقاوي نعى وأكد مقتله، ونفي أن يكون الزرقاوي حياً يرزق. وكانت آخر مرة شوهد فيها الزرقاوي، في 9 سبتمبر 2002، عندما قال مسئولون امنيون اردنيون انه دخل الاردن عبر سوريا، بعد ذلك بشهر تم اغتيال الدبلوماسي الامريكي لورنس فولي، وكان الزرقاوي متهما رئيسيا، في تلك القضية، حيث صدر بحقه حكم اعدام غيابيا. لكنه على الرغم من ذلك فإن الزرقاوي يظل لغزاً من الصعب فك رموزه، حيث أن هناك تضارباً في آراء الأمريكيين أنفسهم حول علاقة الزرقاوي بتنظيم "القاعدة". إذ وصفه وزير الخارجية الأمريكية كولن باول أمام مجلس الأمن بأنه من ناشطي "القاعدة"، بينما يشير عسكري أمريكي رفيع المستوى إلى أن الزرقاوي "جهادي مستقل" عن التنظيم. لكن آخر البيانات المنسوبة للزرقاوي تشير إلى ارتباطه تنظيم "القاعدة" بعد أن أعلن مبايعته أسامة بن لادن. وقد رصدت قوات الاحتلال 25 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تقود إلى قتل أو اعتقال الزرقاوي الذي تتهمه بالمسئولية عن الكثير من الاعتداءات في العراق من بينها تفجيرات الثاني من مارس في كربلاء وبغداد والتي اودت بحياة حوالى 170 شخصا على الاقل، بعد عثورها على قرص كمبيوتر في فبراير الماضي يحوي خطاباً نسبته للزرقاوي يحث فيه على القيام بهجمات انتحارية على الشيعة لإثارة حرب أهلية، وإفشال خطط الولايات المتحدة في العراق. كما تتهم القوات الأمريكية الزرقاوي بإعدام العديد من الرهائن الأمريكيين والغربيين، آخرهم البريطاني الأمريكيين جاك هنسلي ويوجين ارمسترونج والبريطاني كينيث بيجلي. ورغم الاعتراف المنسوب إليه في أكثر من شريط مصور، يثير الكثير من المراقبين الشكوك في تنفيذه عمليات الذبح استناداً، إلى ما يؤكده الأمريكيون أنفسهم من أن الزرقاوي مبتور الرجل، وهو ما لم يظهر في الشرائط المصورة، حيث أن من يقوم بتنفيذ عملية الذبح في هذه الشرائط، يظهر واقفاً على قدميه، فضلاً عن أن مقربين من الزرقاوي يؤكدون، أنه كان يعتمد علي اليد اليسري في كل شيء إلا الأكل والمصافحة، على عكس ما يظهر في هذه الشرائط حيث يستخدم يده اليمنى في الذبح. وعلى الرغم من اختلاف آراء الأمريكيين حول شخصية "الزرقاوي"، فإنها تتفق على أن الزرقاوي أصبح ظاهرة "خارقة"، كتلك التي تظهر في أفلام السينما الأمريكية، بعد الهالة الضخمة التي أضفتها الإدارة الأمريكية على شخصيته، فهو أشبه بظاهرة المغني الأمريكي الشهير الفيس بريسلي الذي تحدث الناس عن رؤيته عدة مرات عقب وفاته، حسبما يؤكد الجنرال في قوات مشاة البحرية الامريكية جيمس ماتيس، وبـ "شبكة عنكبوت متحركة"، مثلما يؤكد الكولونيل باك كونور القائد الاعلى في مدينة الرمادي

 

 


 

 

  الصفحه الرائيسيه