|
بسم الله الرحمن الرحيم
مذكـــرة E
كيف نتعامل مع الإساءة للإسلام والمقام النبوي الشريف؟
(في أعقاب الإساءة التي جرت في السويد)
لقد كان لتجربة الدانمرك آثارا واضحة على العلاقة بين
الاسلام والمسلمين وأوربا سواء على المستوى الرسمي أو
الشعبي. وقد خرج الجميع من هذه التجربة أن الصراع بين
الاسلام والغرب لا يخدم البشرية ومصالحها سواء على
الصعيد السياسي أو الاقتصادي، وأن وما ترتب على ذلك من
توتر في العلاقات سواء على المستوى الرسمي والشعبي في
أوروبا وفي العالم الاسلامي ليس مجديا. ولذك وجب علينا
جميعا سواء كمسلمين في أوروبا أو خارجها، وعلى المستوى
الرسمي والشعبي أن نعاج هذا الموضوع بشيء من الحكمة
بعيدا عن الانفعالية والترسع. ولهذا الغرض فإن اتحاد
المنظمات الاسلامية في أوروبا يتقدم بهذا التصور راجين
منكم أن تأخذوه بيعن الاعتبار في اجتماع هيتئتنا
الموقرة.
تصور اتحاد المنظمات اسلامية في أوروبا في التعامل مع
هذا الملف:
نريد بهذه الرسالة أن نضع تصورا يتم التعامل من خلاله مع
هذه –الظاهرة- ظاهرة النيل من رسولنا الكريم، والتي قد
تتكرر في أكثر من مكان، بأسلوب آخر غير الذي اعتمد في
الدانمرك، نستطيع من خلاله أن نطوق الأزمة ونفوت الفرصة
على الذين يصطادون في الماء العكر ويريدون أن يزرعوا
بذور الفتنة بين المسلمين وغيرهم، وتكون رسالة واضحة لهم
أن هذا الأسلوب لم يعد مجديا. ولذلك يجب علينا أن نستثمر
هذا الحادث بشكل أفضل نستطيع من خلاله أن نخدم الاسلام
والمسلمين على المستوى الأوروبي والعالمي.
وبناء على ما ذكر فإننا نقترح اعتماد الحوار كوسيلة
أساسية لمعالجة هذه الأزمة، وخاصة أن الحكومة السويدية
لها موقف رافض لهذه الرسوم سابقا وحاليا، عبرت عنه من
خلال زيارة رئيس الوزراء لمسجد الشيخ زايد في استكهولم
ولقاءه بممثلي المسلمين في السويد. كما رفضت وزيرة
الثقافة تبني حماية لمن يقف من وراء هذه الصورة.
هذا ومن خلال هذا الأسلوب فإننا سنظهر نموذجا آخر في
التعامل مع مثل هذه القضايا في أوروبا قد تكون آثاره
الايجابية على الاسلام دعويا وسياسيا ويحقق نتائج أفضل.
كما نريد بهذا الصدد أن نذكر بأن واقع السويد يختلف عن
الدانمرك جوهريا. فالحكومة السويدية لها موقف واضح من
الرسومات، كما أن علاقتها بالاسلام والمسلمين سواء على
المستوى المحلي أو العالمي إيجابي ومشجع. أضف إلى ذلك
إلى أننا في أوروبا نريد إبراز النموذج السويدي الرسمي
في التعامل مع الاسلام والمسلمين ليأخذ مواقع متقدمة على
مستوى الأوروبي كبديل عن التيارات المناهضة للاسلام
والداعية إلى المزيد من محاصرته في أوروبا بذرائع مختلفة
.
وإزاء ذلك؛ فإنّ "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا"
يودّ لفت الانتباه إلى الأبعاد الهامة التالية:
أولا ـ إنّ التطاول على الدين الإسلامي ومقدّساته،
والتعدِّي على المقام النبوي الشريف، مما يشي بروح
عنصرية ذميمة، وينطوي على انتهاك سافر للقيم والمبادئ
والأخلاقيات المرعية،
علاوة على أنها محاولة تقويض خطيرة لفضاءات التفاهم
الإنساني المشتركة. إنّ ذلك يقتضي بكل تأكيد الإدانة
الواضحة لتلك الإساءات وشجبها بأقصى العبارات والتنبّه
لمراميها وعزل القائمين عليها.
ثانياً ـ لا غنى عن الحوار والتواصل لاحتواء نزعات
التحريض والتشويه، التي ترمي إلى عزل المسلمين ودينهم عن
المشهد العام التعددي. ومن الخطأ الجسيم تمكين
محاولات التحريض والتشويه تلك من قطع وشائج الصلة بين
المسلمين وغير المسلمين، أو تغييب دور المسلمين الإيجابي
والفاعل في مجتمعهم ودولتهم، سواء في السويد أم في
أوروبا ككل.
ثالثاً ـ إنّ مسلسل الإساءات المتكرِّرة للرسول الكريم
محمد، صلى الله عليه وسلم، يبرز أهمية إيلاء عناية
فائقة، للتعريف بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم،
وبالرسالة التي جاء بها من عند الله جلّ وعلا. فهذا المسلسل المستهجن من الإساءات
لخير البرية، عليه الصلاة والسلام؛ إنما يستدعي من
المسلمين بعامة، ومن المسلمين في أوروبا على وجه الخصوص،
ومن العلماء والخبراء المنصفين؛ وقفة جادة ومسؤولة،
تعريفاً بهذا الرسول الكريم، الذي بعثه الله رحمة
للعالمين. ولا يخفى ما عبّرت عنه المجتمعات الأوروبية من
رغبة جامحة في الفهم والتعرّف على الإسلام والثقافة
الإسلامية إثر أزمات السنوات الماضية، وهو ما يقتضي
توفير أعمال مقروءة وبرامج إعلامية وثقافية تتجاوب مع
ذلك بشكل رشيد ومثمر.
رابعاً ـ إنّ مكافحة التشويه والتحامل، وإبراز الحقائق
والتعريف بها هما الردّ الأبلغ، من ضمن جملة الردود
الأخرى، على رسالة التشويه والإساءة التي حملتها رسوم
الكراهية تلك.
ذلك أنّ المعرفة هي التي تقطع الطريق على مثيري المزاعم
الباطلة، وهي التي تنير ظلمات الجهل بالحقائق في عصر
العلم والمعلومات. ولا يخفى أنّ محاولات الإساءة للمقام
النبوي الشريف؛ إنما تستهدف ضمناً النيل من رسالة
الإسلام السامية، والتطاول عليها، والتحريض ضدها، في
الوقت الذي يتيقّن فيه الجميع، أنّ هذا الدين الحنيف،
قادرٌ على جذب العقول والقلوب إليه، رغم زخم التشويه
المتزايد.
خامساً ـ لقد اتضح أنّ هناك من يلجأ إلى هذه الإساءات
المدانة ومثيلاتها، من أجل دقّ الأسافين وإثارة الضغائن
المتبادلة بين المسلمين ومجتمعاتهم الأوروبية، وكذلك بين
أوروبا والعالم الإسلامي.
وبهذا فإنّ المسؤولية تُملي على كافة الأطراف المعنيّة
أن تتنبّه لما يُحيكه الحالمون بصراع الثقافات، وأن
تتداعى لعزل تلك الإساءات وتفويت الفرص على مشعلي
الحرائق في فضائنا الإنساني المتنوِّع.
سادساً ـ يبدو واضحاً أنّ رسوم الكراهية هذه؛ إنما ترمي
إلى الإساءة البليغة إلى السويد وقيمها وتجربتها
الإيجابية.
فقد عبّر هذا البلد طويلاً عن إرادة الحوار وروح الوفاق
مع المسلمين والعالم الإسلامي، وانتهج مسلك التواصل
الحميد مع الثقافة الإسلامية، بما حاز تقدير المسلمين
الذين يشكلون اليوم مكوِّناً فاعلاً من المجتمع السويدي
التعدّدي والمتناغم. وإنّ ذلك يفرض على كافة الأطراف أن
تعمل على تعزيز تجربة الوفاق والتواصل الإيجابي هذه،
وعزل نزعات التحريض والكراهية التي تشي بها الرسوم
المسيئة.
سابعاً ـ إنّ المسلمين، وبخاصة في القارة الأوروبية،
مطالبون اليوم وأكثر من أي وقت مضى، بأن يعملوا على عزل
مشعلي الحرائق بين أبناء المجتمع الواحد والنافخين في
نار الأحقاد والمحرِّضين على الكراهية،
وهو ما يستلزم الحذر من تعميم الأوزار، كما يقتضي
حثّ العقلاء واستنهاض الحكماء من غير المسلمين أيضاً،
من المؤسسات والتجمعات وقوى المجتمع المدني والمسؤولين
والأفراد، كي يساهم الجميع وبشكل مشترك في
قطع الطريق على المتربصين بثقافة الوفاق والساعين إلى
الخصام والشقاق.
ثامناً ـ إنّ المسؤولية إزاء محاولات الإساءة هذه؛ تقتضي
الحذر من الانجرار إلى ردود أفعال تذكي تلك الإساءات
وتفاقمها،
وتحقق للمحرِّضين ضد الإسلام بعض ما
يَصبُون إليه من الخصام والتباعد بين المسلمين وغير
المسلمين، وإظهار الثقافة الإسلامية لصيقة بإرادة العنف
والنزوع إلى الغضب الجامح. إنّ محاولة استلاب وعي
الجمهور في السويد، وأوروبا والغرب عموماً، لصالح
التشويه والتحامل؛ يقتضي تبصرة العقول وكسب القلوب؛ لا
شحن النفوس والإلقاء بها إلى مرتع الخصام والتنابذ.
تاسعاً ـ لا يخفى أنّ هذه النزعة المتطرِّفة من التحامل
والإساءة بحق الإسلام، التي أطلّت من نافذة رسوم
الكراهية هذه، سبق وأن عبّرت عن نفسها في التاريخ
الأوروبي الحديث بصور شتى
في حقل الإعلام والفنون ورسوم الكاريكاتير. وقد اكتشفت
أوروبا خطورة ذلك المنحى العنصري ومآلاته، وما أفضت إليه
ثقافة الكراهية والأحقاد تلك من عواقب وخيمة وانتهاكات
خطيرة وفظائع، مثل ما جرى في النصف الأول من القرن
العشرين. ولذا فإنّ دروس التاريخ القريب وعِظاتِه تقتضي
عدم التساهل مع أعمال التحريض والكراهية التي تستهدف
المسلمين هذه المرّة، والعمل على تطويقها بمزيد من
التماسك المجتمعي وتجسير الفجوات، مع تجريم تلك
التجاوزات والإساءات.
عاشراً ـ إنّ المسؤولية الذاتية للإعلاميين ووسائل
الإعلام، وكذلك للفنانين والقطاعات الفنية، تقتضي الحذر
من أن تتسلل مساعي الإساءة وإثارة الأحقاد ونشر
الكراهية،
ولا شكّ أنّ التذرّع بحرية التعبير يبقى واهياً أمام تلك
المحاولات المدانة، لأنّ الحرية تقتضي المسؤولية، وهذه
المسؤولية لا تتجزّأ. ومما يتوجّب التحذير منه؛ أن
يتحوّل التذرّع بحرية التعبير إلى وصفة لإثارة الأحقاد
والكراهية وملجأ يغتنمه العنصريون وغير المتسامحين.
وإنّ ذلك مما يتعيّن كذلك تأكيده في مواثيق الشرف التي
تتنّباها قطاعات الصحافة والإعلام والفنون، وتفعيله في
التزاماتها الأدبية وممارساتها العملية.
حادي عشر ـ إنّ الأطر الجامعة والمؤسسات الإسلامية
الكبرى، أوروبياً وعالمياً، مطالبة بأن تتداعي إلى
التوافق على السبل الأنجع للتعاطي الواعي مع موجة
الإساءة والتشوية،
وحملات الاستعداء والتحريض، وأن تضع تصوّرات مشتركة ترقى
لأهمية هذه التطوّرات المقلقة ولكيفية قطع الطريق عليها
واحتوائها بشكل حكيم.
ثاني عشر ـ يتوجّب العمل على استنهاض الجهود الرامية
لتجريم هذه الإساءات البليغة وحمى التشويه التي تستهدف
الإسلام ومقدساته، على المستويات الأوروبية والدولية،
وتطوير ما تحقق حتى الآن من تحركات ومقررات في هذا
الجانب، مع الإشارة إلى الأدوار والمسؤوليات الملقاة على
عاتق المستويات الرسمية والجهات المختصة في هذه الشؤون.
اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا
5 سبتمبر 2007 |