للأخبار                                                                 
P            شبكه رمضان

فلسطينيو الخارج بين التفاعل مع الواقع والتمسك بالحق في العودة

الأستاذة حياة المسيمي

- النائب في البرلمان الأردني -

أولاً: المقدمــة "إنّ فيها قوماً جبارين"

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل واصفاً القوم الذي يقطنون فلسطين آنذاك "أنّ فيها قوماً جبارين"، سورة المائدة. وصدق الله العظيم الذي أعطى هذا الوصف لهؤلاء، وقد زادهم الدين صلابة على صلابتهم وزادتهم القضية في الحاضر تمسكاً بهذا الوطن المقدس المبارك الطاهر.

وهؤلاء الفلسطينيون في الأرض المقدسة جبّارون، وفي الشتات جبّارون، ويظهر ذلك بمظاهر متعددة أهمها في الداخل جبارون بـ :

1- المقاومة المستمرة وما تسببه من آثار سياسية واقتصادية على العدو.

2- العلم والتعليم رغم الظروف الصعبة.

3- الديمقراطية الحقيقية رغم الحصار ونجاح التجربة الانتخابية.

4- التواصل مع العالم وتقديم قضيتهم بصورتها العادلة رغم النشاط الإعلامي المعادي.

5- نجاح مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات التعليمية وزيادة مشاركة المرأة رغم العديد من المعوقات المادية والمعنوية.

6- انعكاس روح مقاومتهم على العالم كله.

7- تعاطف شرفاء العالم مع هذه القضية ومع ما يحدث داخل الأرض.

8- المصاعب والابتلاءات لا تزيد الناس هناك إلاّ إصراراً وتمسكاً.

وهم في الشتات جبّارون أيضاً:

1- ما زال وجودهم علامة على أعظم ظلمٍ في التاريخ الحديث. 

2- المحافظة على القضية حيّة قوية في نفوسهم ونفوس من حولهم رغم المؤثرات الضخمة ورغم البُعد.

3- جذب التعاطف العالمي لهذه القضية المقدسة.

4- أصبحت فلسطين بفضل جهاد جبابرتها في الداخل وصمود جبابرتها في الشتات البؤرة المضيئة في العالم العربي الإسلامي.

5- ظهور حركات التحرر الوطنية من فلسطيني الشتات وبين أظهرهم.

6- ظهور العديد من القيادات في الشتات التي تبشِّر بالنصر والحلّ.

7- ظهور القيادات الإعلامية والمؤسسات الإعلامية التي تحمل على عاتقها التبشير بالفكرة والتذكير بالقضية.

8- ظهور الجمعيات والمؤسسات العامة في هذا الميدان في كل أنحاء العالم.

9- إحياء مفهوم حق العودة في أوروبا وأمريكا وحتى في العالم العربي، وخاصة في ظل محاولات تغييب هذا الحق وطمسه.

ثانياً: العوامل التي يتأثر بها فلسطينيو الشتات:

1- الدين والعقيدة: وهما عاملان مستمران دائمان، يزودان الفرد بالأمل، ويذكرانه حبّ الأرض المقدسة كواجب ديني، فيجتمع له الواجب الديني مع الواجب الوطني ويتكاملان معاً ليشكلا النار التي تشعل الصدور وتوقدها بحب الوطن فلسطين، وهذه الميزة لفلسطين على غيرها من بلاد العالم الإسلامي.

2- التاريخ: وهو موجود رغم البعد وقريب رغم المسافة، وهو للأجيال الصغيرة التي لم تعش الحدث أكثر أهمية من الأجيال القديمة التي عاشت الحدث، بل وشاركت فيه، وهو مهمّ للاجئين في أوروبا وأمريكا أكثر من اللاجئين في الدول العربية، بسبب خلوّ المناهج الدراسية منه وعدم حيادية وموضوعية الإعلام بطرحه.

3- البيئة المحيطة ومكوِّناتها: وتُعتبر هذه من العوامل شديدة الأهمية في هذا الإطار، وخاصة أنه من المتغيِّرات، بينما الأمور الأخرى ثابتة وموجودة، وله عدة مكونات أهمها:

أ- النظام السياسي المعمول به في هذه البيئة: فوجود الأحزاب القوية وحركات التحرّر، وارتفاع منسوب الحرية، مما يساعد فلسطينيي الشتات على الاندماج السياسي في هذه البلاد من ناحية والدفاع عن قضيتهم من ناحية أخرى.

ب- النظام الاقتصادي ومستوى الدخل: حيث أنّ فلسطينيي الشتات، لم تمنعهم الظروف التي رافقت هجرتهم والبُعد عن أوطانهم من أن يكونوا أفراداً عاملين منتجين في كل دول العالم، ولم تمنعهم رغبتهم بالعودة بل واحتفاظهم بمفاتيح بيوتهم في حيفا ويافا وعكا وغيرهم؛ من التملك في أوروبا وغيرها. ولا ننسى أنّ هؤلاء ساهموا في بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، في حين كانت أوروبا ترسل لنا يهود العالم ليهدموا أوطاننا ويبنون على أنقاضها وطناً لهم.

ج- حجم فلسطيني الشتات في البيئة المحيطة ومقدرتهم على تشكيل مجموعات ضاغطة تؤثر في القرار السياسي: وهذا الموضوع يُعدّ تحدِّياً كبيراً لفلسطيني الشتات، وما زال الأداء فيه غير كبير لحدِّ الآن.

د- نظرة البيئة لقضية اللاجئين، فهناك اختلافٌ كبير في النظرة للاجئين، فالبعض لا يعرف في هذه القضية إلاّ قليلاً، ويجهل أبعادها القانونية والواقعية والإنسانية. وآخرون يتعاملون معها بغير موضوعية ويتأثرون كثيراً بالإعلام المؤيد للاحتلال، وينطلقون في مواقفهم من شعورهم بالذنب تجاه اليهود بسبب الهولوكست، كما أنّ بعضهم ينطلق من حقد تاريخي ضد كل ما هو عربي مسلم.

وآخرون ينطلقون في نظرتهم من المفهوم الإسرائيلي للاجئين.

وآخرون ينطلقون من كون هذه القضية إنسانية فنية ومالية وإدارية، وليست قانونية حقوقية .

والبعض يعتقد أنّ اللاجئين هم السبب في ظهور التيارات المسلحة للمقاومة، لذلك يسعى هؤلاء لإيجاد حلول بديلة غير العودة وتوطين اللاجئين في أماكن سكناهم.

وآخرون يؤمنون بعدالة قضية اللاجئين ويدافعون عنها، وقد برز هذا التيار واضحاً بعد الانتفاضة الأولى.

هـ- تأثر البيئة المحيطة بالإرهاب فعلاً ومصطلحاً: فعلى الرغم من الصورة الحضارية التي يقدمها فلسطينيو الشتات عن أنفسهم وقضيتهم، وبُعدهم في الأغلب عن ما يسمى بالإرهاب، وضلوع جنسيات أخرى غيرهم، إلاّ أنّ موضوع الإرهاب ما زال المحرِّك الرئيسي للدول في نظرتها للاجئين الفلسطينيين، كجزء من الأمة العربية والمسلمة في هذا الزمان.

4- الطبيعة الشخصية والمقومات الذاتية، والتي تختلف من شخص لأخر ومن بيئة تربوية إلى أخرى، كما أنّ طبيعة التعليم الذي يتلقاه فلسطينيو الشتات ونوعية المدارس والمناهج كلها عوامل هامة تؤثر في بناءهم النفسي.

5- العلاقات الاجتماعية وآثارها:

- فالعلاقات بين الوالدين والأبناء، ومدى الحديث عن الموضوع، وجدِّية تناول القضية، ومدى التمسك بثوابتها من ناحية أو الخوف من الظهور بمظهر المدافع عنها، والخوف المسكون بالوظيفة والإقامة؛ كلّها تحدد صورة القضية لدى الأبناء .

- والعلاقات مع الأقارب، خاصة كبار السن في الداخل ما أمكن، أو مع فلسطينيي الشتات في الدول المجاورة لفلسطين؛ تساهم مساهمة كبيرة في تعميق التمسك وتأصيله.

- أما العلاقات مع الجالية فشديدة التأثير، لأنّ قضية اللاجئين جماعية وليست فردية، وحق العودة جماعي وليس فردي، والمحافظة على الهوية قضية تحتاج لمجهود جماعي وليس فردي.

6- الوضع القانوني لفلسطيني الشتات والاستقرار الوظيفي وثبات أوضاع الإقامة، وغياب التهديدات بالترحيل أو التسفير أو الهجرة مجدداً؛ تخلق واقعاً نفسياً إيجابياً نحو القضية وليس العكس.

ثالثاًً: التحديات والإشكالات التي تواجه فلسطينيي الشتات

1- إشكالية التعريفات: فالتعريفات تختلف، وتتسع وتضيق حسب السياسية المتبعة أو المرحلة النضالية، ومن هذه التعريفات المشكلة: من هم فلسطينيو الشتات؟! ما المقصود بحق العودة؟!.

2- إشكالية انقطاع التواصل بين فلسطيني الشتات في أماكن تواجدهم المختلفة، سوى هذه الأنشطة محدودة العدد.

3- إشكالية التباين في أماكن تواجد فلسطيني الشتات في الواقع العددي والثقافي والاجتماعي والسياسي، مما قد يساهم في وجود فجوة بينهم.

4- إشكالية التعامل مع الإعلام الغربي، خاصة بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر).

5- إشكالية الثقافة التي تربت عليها الأجيال الأولى من فلسطيني الشتات، والتي بُنيت على تاريخ المذابح والخوف واللاأمل.

6- إشكالية مقاومة ثقافة الذوبان في المجتمعات المحيطة.

7- إشكالية التعامل مع الإعلام الصهيوني، ووجود إعلام بديل بمستوى عالٍ من القضية والقوة، وضرورة إشاعة مفاهيم بديلة عن المفاهيم التي يطرحها الإعلام الصهيوني.

فعلى سبيل المثال إشاعة مفهوم الطرد القسري مقابل مفهوم الهرب الجماعي بسبب الخوف، الذي يذيعه الإعلام الصهيوني عن اللاجئين الفلسطينيين، وإشاعة مفهوم التمسك بحق العودة مقابل مفهوم التعويض المالي والتوطين خارج فلسطين، وإشاعة مفهوم الحق القانوني في العودة مقابل مفهوم الحق الإنساني.

8- إشكالية تغيّر النظرة لقضية اللاجئين في مراحل النضال الفلسطيني المختلفة، وانعكاس هذا التغيّر على وسائل التعامل مع هذه القضية.

فمن قضية إنسانية (النكبة)، إلى قضية قومية (67)، إلى قضية ثورية (حيث شكل اللاجئون وقود الثورة المسلحة)، إلى قضية تراجعت أهميتها في اجتذاب الوطنية في مرحلة اتفاقيات السلام.

هذا الشد والجذب في النظر لقضية اللاجئين، وتراجع أهميتها في مرحلة ما بعد أوسلو، وتأخيرها إلى مفاوضات الوضع النهائي، وعدم اعتماد قرارات الشرعية الدولية حولها؛ كلها تؤذن فعلاً بتراجع قضية اللاجئين (سياسياً) وهو بالتالي ينعكس على تفعيل هذه القضية شعبياً وإعلامياً، وبيد المتأثرين بها وهم فلسطينيو الشتات. 

9- إشكالية استمرارية التهجير والطرد. فهي حالة أصبحت دائمة وليست آنية، وإن كانت تجري هذه الأيام بأعداد أقل، لكن ما زالت الظروف الدولية والسياسية التي تحتضن ذلك قائمة، خاصة في ظل عنجهية صهيونية مدعومة من حكومة القطب الأوحد، تدفع لمزيد من الهجرات. كما أنّ التمييز العنصري ضد فلسطين الخط الأخضر قد يدفع باتجاه مزيد من هجرة الأفراد – لا قدر الله

رابعاً: تمسّك اللاجئ بحق العودة بين الواقع والدوافع:

إنّ مقدار تمسك اللاجئ بحق العودة، والانتقال بين الحب القلبي المركون في جنبات القلب إلى الشوق الكبير واللهفة للسكن واللقيا؛ يعتمد على جملة من العوامل، أهمها:

1- المكان الذي خرج منه اللاجئ، أي موطنة الأصلي، وهو في حال أهل فلسطين مبارك مقدس طاهر، يرتبط أهله به كما لا يرتبط أهل أي بلد ببلدهم. فهذه القضية وهذا المكان مقدسان.

- فالله قدسها وبارك فيها في كتابه الكريم وجعلها قرآناً يُتلى صباح ومساء.

- وقد ارتبطت منذ الماضي بحبِّ المسلمين برسولهم الحبيب صلى الله عليه وسلم، وبحادثة فريدة هي حادثة الإسراء والمعراج، وتحريرٍ مباركٍ على يد الفاروق عمر.

- كما ارتبط في ذهن المسيحيين بمهد عيسى عليه السلام وقيامته.

- كما ارتبط منذ التاريخ القديم بالأنبياء والرسل عليهم السلام، الذين عاشوا على أرضها زمناً طال أو قَصُر.

- كما ارتبط في حسِّ العالم بظلم شديد، وسُجِّلت في التاريخ الحديث كأوضح قضية ظلم ضد شعب، تشرد ثلثاه، فأصبح لاجئاً، وتمت مصادرة أرضه وأملاكه، واغتُصب حقه في وطن يعيش فيه حاضرة ومستقبله.

- وعلى أعتابها ارتقى الشهداء والاستشهاديون، ولأجلها انطلقت الثورات والمقاومات، فكانت بحق بوصلة الجهاد في التاريخ الحديث.

- لأنها القضية التي أجمع عليها مسلمو العالم، يدافعون عنها ويرفضون لواء تحريرها، ومعهم كل شرفاء العالم، فهل بعد ذلك يمكن أن تُنسى؟!.

2- وجود قضية مرتبطة بهذا المكان، وأن تكون هذه القضية حية. وليست هناك قضية في العالم بدت أكثر حيوية منها، بل إنّ الأزمات المفتعلة من حولها تصبّ في النهاية في تركيز الضوء عليها كقضية مركزية.

3- مقدار ارتباط اللاجئ بوطنه إعلامياً واجتماعياً خلال الزيارات، وصلة الرحم لأهله هناك، والاتصال والمتابعة لما يحدث في الداخل، وغيرها.

4- وجود من يعملون لهذا الحق من حوله، ووجود أنشطة تذكِّر من ينسى وتقوِّم ما أعوجّ من فهم، وتجمع الشتات أينما حلّ.

خامساً: كيف يخدم اللاجئ الفلسطيني قضية بلده من خلال الاندماج الفاعل والإيجابي في مجتمع الإقامة؟

لا بد في المقدمة حول هذا الموضوع أن نتذكّر نموذج رسول الله صلى الله عليه وسلم، المتمثل بالحبِّ الشديد للوطن والشوق إليه (والله إنك لأحب أرض الله إليّ ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت)، إلا أنّ هذا لم يمنع رسول الله من أن يعيش في المدينة (الشتات) وأن يعطي موطنه الجديد حقه، فقام عليه الصلاة والسلام.

- ببناء المدينة والعمل فيها.

- وقام بإحياء الحياة السياسية (دولة الإسلام) بكل صورها الشورية والمعاهدات وغيرها.

- كما تعامل مع كل أطياف المجتمع مسلمين وغير مسلمين، وكانوا في كل هذا مؤثرين لا متأثرين.

- كما قام بتشكيل قيادة يشارك فيها القادمون (المهاجرين) والمقيمون و(الأنصار).

- كما لم ينس لأهل المدينة حمايتهم واستقبالهم له ولنصرة دينه ودعوته فآثرهم على غيرهم.

وكذلك ندعو إلى إحياء هذا النموذج المعطاء الذي سطّره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمهاجرين والأنصار من حوله، مع اختلاف المسميات ومداها، ويمكن اقتراح الأمور التالية كوسائل لخدمة القضية في الشتات:

1. إعطاء صورة نموذجية في العمل والنشاط والاندماج.

2. إعطاء صورة نموذجية في التمسك بالحق وحب الوطن.

3. المطالبات الحقوقية للاجئين وتفعيلها في الواقع الرسمي .

4. المطالبة بتفعيل قرارات الشرعية الدولية كحد أدنى للمطالبة بالحقوق.

5. إحياء الذاكرة الوطنية والتاريخ الوطني من خلال السرد القصصي وحكايات جدتي، وإحياء الصور القديمة وأسماء فلسطين مدناً وقرى ومخيمات، وإحياء ذكرى القيادات التاريخية.

أعلى الصفحة
لآعلى


 

 

كلمات أخرى بالمؤتمر
""""""""""

الشيخ تيسير التميمي: قاضي

الأب الدكتور عطا الله حنّا

الأستاذة حياة المسيمي

الدكتور رائد نعيرات

الأستاذ رشاد أبو شاور

الأستاذ عبد الله حوراني

الأستاذ منير شفيق

 الأستاذ ماجد الزير

 الأستاذ عـادل عـبد الله
( أبوالبراء )

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان