|
بعد سلسلة مشاورات دبلوماسية بين رئيس
المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
وبين رؤساء المجموعات الجغرافية، وخصوصاً
مجموعة الدول العربية ومجموعة دول حركة عدم
الانحياز، والتي استمرت زهاء الأربع والعشرين
ساعة طوال اليومين الماضيين، حول مضمون مشروع
القرار الذي تقدمت به مصر بشأن تطبيق نظام
الضمانات الشاملة للوكالة في الشرق الأوسط،
وافق المؤتمر على صيغة مشروع معدّل، ولكن بعد
مناقشته والتصويت عليه بنداً بنداً، ومن ثم
"كحزمة واحدة".
|
وقد حظي مشروع القرار الذي تضمن ثلاث
تعديلات إضافية بينها تعديل مثير للجدل
قدمه مندوب إسرائيل يؤكد على أهمية
عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط
وتعزيز الثقة والأمن أولاً، والمساهمة
في إنشاء منطقة خالية من الأسلحة
النووية ثانياً، لدى التصويت عليه دفعة
واحد، بتأييد أكثرية ساحقة بلغت 82
صوتاً، مقابل لا شيء، وامتناع 13 دولة
عن التصويت بينها إسرائيل وليبيا وكوبا
وسورية والهند والولايات المتحد، في حين
غاب عن التصويت حوالي 30 دولة، من بينها
السعودية والكويت والمغرب وقطر ودولة
الإمارات العربية واليمن.
وكانت الجلسة المخصصة لمناقشة مشروع
القرار المصري استؤنفت الليلة الماضية،
بعدما فشل المؤتمر في التوصل إلى توافق
في الآراء حول بنود المشروع، ولكنه نجح
في تبني الديباجة المؤلفة من سبع فقرات،
وتسع توصيات من "مقررات" في المنطوق
المؤلف من 13 بنداً. وفي مستهل الجلسة
تحدثت مندوبة الجزائر السفيرة طاووس
فروخي، فطلبت إدخال تعديل على التعديل
الذي قدمه مندوب المغرب على البند
التاسع، والذي كان مندوب إسرائيل قد
اقترحه وتمّ تبنيه في اليوم السابق.
وقالت مندوبة الجزائر أن هدفها من
التعديل الجديد هو تفادي اللجوء إلى
التصويت.
وجدير بالذكر أن الفقرة التاسعة التي
اعتبرها عدد من المراقبين بأنها تعبر عن
موقف إسرائيل القاضي باعطاء أولوية
لعملية السلام، فتنص على "ويشدّد
المؤتمر العام على ما لعملية السلام في
الشرق الأوسط من أهمية في تعزيز الثقة
المتبادلة والأمن في المنطقة، بما في
ذلك إنشاء منطقة خالية من الأسلحة
النووية".
أما التعديل الجزائري فقد نصّ على
"ويشدّد المؤتمر العام على أهمية عملية
السلام وإنشاء منطقة خالية من الأسلحة
النووية في الشرق الأوسط، في تعزيز
الثقة المتبادلة في المنطقة". ويبدو أن
المجموعة العربية لم تنتبه إلى أبعاد
وخلفيات المقترح
|
|
الإسرائيلي، الذي يتعارض تماماً من حيث
الترتيب مع الموقف العربي.
وعلى الأثر حصل جدال قانوني حاد، شارك فيه
رئيس المؤتمر والمستشار القانوني للوكالة وعدد
من المندوبين حول مشروعية التعديل الجزائري،
فأصرت مندوبة الجزائر على القول بأن هذا
التعديل جاء ليحل محل التعديل المغربي،
وبالتالي سيحل محل البند التاسع الذي تمّ
تبنيه في اليوم السابق. وتدخل رئيس المؤتمر
فقال "الأمور إذن اصبحت واضحة بعد سحب التعديل
المغربي، ولذلك لا بدّ من اتخاذ قرار بهذا
التعديل". وسأل مندوبة الجزائر: أين سيوضع
التعديل الجديد؟ فقالت بعد الفقرة الثامنة.
وهنا تدخل مندوب إسرائيل بقوله "الوفد
الإسرائيلي لم يتسلم من المجموعة العربية أي
اقتراح بتعديل التعديل المغربي. ولذلك فإن
إسرائيل تعارض أي تعديل في مضمون الفقرة
التاسعة". وشدّد على المطالبة بتطبيق المادة
السادسة والستين من النظام الأساسي للمؤتمر
العام، والتي تستوجب الحصول على ثلثي الأصوات
لتمريرها.
وتدخل مندوب فرنسا باسم الاتحاد الأوروبي،
وطالب بدوره بتطبيق المادة السادسة والستين
والتصويت على التعديل الجزائري. وهنا طالبت
مندوبة الجزائر أن يكون التعديل الذي تقدمت به
بمثابة فقرة جديدة وإضافية، بهدف تجنب اللجوء
إلى التصويت عملاً بالمادة السادسة والخمسين،
على حد تعبيرها. وبعدما تحدث مندوب فرنسا
معترضاَ، أكد أنه لا مجال لإعادة النظر في بند
تم اعتماده في السابق.
ودعا رئيس المؤتمر الوفود إلى ضرورة توخي
الدقة وعدم المساهمة في تعقيد المسألة وهدر
الوقت. وبعدما تحدث أثنان مؤيدان وأثنان
معارضان للتعديل، طلب رئيس المؤتمر التصويت
العلني على الاقتراح الجزائري فعارضه 38
مندوباً، وأيده 35 مندوباً، أي بفارق بسيط هو
ثلاثة أصوات، في حين امتنع عن التصويت 21
مندوباً.
وتجدر الإشارة إلى أن مشروع القرار المصري لم
يذكر إسرائيل بالاسم باعتبارها الدولة الوحيدة
في الشرق الأوسط التي لم تنضم إلى معاهدة عدم
انتشار الأسلحة النووية أو نظام الضمانات
الشاملة للوكالة الذرية، عدا كونها الدولة
الوحيدة في المنطقة التي تملك قدرات نووية
هائلة.
وفي هذا السياق، لاحظ المراقبون، أن الصيغة
المعدّلة لمشروع القرارالذي تبناه المؤتمر
العام، وخصوصاً الفقرات الثانية والثالثة
والتاسعة تتسق مع موقف إسرائيل الذي يشدّد على
ما لعملية السلام من أهمية في الشرق الأوسط
وتعزيز الثقة المتبادلة والأمن أولاً،
والمساهمة في إنشاء منطقة خالية من الأسلحة
النووية في المنطقة ثانياً، وهو ما يتعارض
تماماً مع الموقف العربي الذي يؤكد على أهمية
إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية في
الشرق الاوسط، أولاً، وبناء الثقة المتبادلة
وعملية السلام ثانياً.
وتحدث مندوب المغرب السفير عمر زنيبر باسم
المجموعة العربية، فشرح التعديل الذي تقدمت به
الدول العربية على الاقتراح الإسرائيلي، فأشار
إلى أن إسرائيل أدخلت صلة شرطية بين تطورات
التسوية السلمية وجعل الشرق الأوسط منطقة
خالية من الأسلحة النووية، كما هو وارد في نص
مشروع القرار الذي تقدمت به مصر.
وأكد مندوب المغرب أن مجموعة الدول العربية
تعتبر ربط إسرائيل التسوية السلمية بإقامة
منطقة خالية من الأسلحة النووية يشكل إفراطاً
في تسييس العملية، محذراً من مغبة ما وصفه بـ
"العواقب الوخيمة" لمناقشة البند المتعلق
بتطبيق نظام ضمانات الوكالة الذرية الشاملة في
الشرق الأوسط وبشكل عقيم في المؤتمر العام
للوكالة الذرية والمدرج في جدول أعماله منذ
عدة سنوات.
وأوضح السفير المغربي قوله "إن المنطقة
الخالية من الأسلحة النووية تشكل خطوة أساسية
ونوعية في تحديد مستقبل وفعالية ومصداقية
معاهدة عدم انتشار الانتشار، ولا سيما إذا
أخذنا في الاعتبار أهمية نظام حظر الانتشار
بمعناه الأوسع والأشمل".
وفي هذا السياق، حذر مندوب المغرب من مغبة
الانحراف، الذي ينذر من وجهة نظر المجموعة
العربية بنشوء مضاعفات وانعكاسات خطيرة،
وتساهم بتعزيز السباق المحموم لامتلاك أسلحة
نووية في المنطقة، بالإضافة إلى تداعيات خطيرة
في محافل دولية أخرى، على حد وصفه.
وناشد سفير المغرب جميع الدول الأطراف ضرورة
تحمل مسؤولياتها التاريخي، وأن تأخذ في
الحسبان جميع هذه العناصر والمؤشرات مجتمعة
على محمل الجدّ، وتبادر إلى الموافقة على
التعديلات العربية المقترحة، حرصاً منها على
روح التوافق والتوازن، وحماية نظام عدم
الانتشار من الانهيار، وتفادي أي محاولة
لتمييع الوقت والمماطلة في تطبيق نظام
الضمانات الشاملة في الشرق الأوسط، وهي منطقة
مضطربة منذ أمد بعيد، على حد تعبيره.
وخلص المندوب المغربي إلى القول "لم تشأ
المجموعة العربية إقحام مسألة الشرق الأوسط في
مناقشات المؤتمر العام، ولكنه، ونظراً لعدم
إحراز اي تقدّم ملموس أو نوعي في التسوية
السلمية، أو تطبيق الضمانات، أو إنشاء منطقة
خالية من الأسلحة النووية، أو بناء معايير
الثقة بسبب مواقف إسرائيل المتعنتة، فإن الدول
العربية ستواصل طرح هذا الموضوع الحساس في
جدول أعمال هذا المحفل وبقية المحافلة الدولية
ذات الصلة".
ثم تحدث مندوب إسرائيل فأعلن رفضه وتحفظه على
التعديلات العربية على مشروع القرار المصري،
وطالب بإجراء تصويت علني.
وتحدثت مندوبة الجزائر، فوصفت الجدل القائم بـ
"الجدل البيزنطي"، وهو هل : الدجاجة أولاً أو
البيضة؟ وشدّدت على أهمية التوافق حول صيغة
تحظى بدعم جميع المندوبين، وأكدت قولها "إن
إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية سيسهم
في احلال السلام في الشرق الأوسط". وطالبت
بحذف عبارة "بشكل كبير من المقترح
الإسرائيلي"، وأعربت عن اعتقادها القوي أن
"الدول العربية هي في طليعة الدول الداعية إلى
تكريس الأمن والسلام الحقيقي في الشرق الأوسط،
والذي يعطي لكل ذي حقه حقه".
وبعد ذلك، تلا رئيس المؤتمر نصي التعديل
العربي والمقترح الاسرائيلي. ثم تحدث مندوب
إسرائيل فقال "لقد أقرّ المؤتمر بأهمية
العملية السلمية في بناء عوامل الثقة". ورأى
أن "التعديل العربي يتعارض مع روح وجوهر ما هو
وارد في النصّ المعدّل لمشروع القرار المصري".
وأكد معارضة إسرائيل لأي تعديل يتعارض مفهومه
مع البنية الحقيقية للاقتراح الإسرائيلي.
وشدّد على القول إن "إسرائيل ستصوّت ضد
التعديل العربي الذي تقدمت به كل من المغرب
والجزائر، وستتحفظ على بنود أخرى في مشروع
القرار المصري، وفي حال تعديلها ستنظم إسرائيل
إلى توافق الآراء".
وكان المؤتمر العام امضى أكثر من ثماني ساعات
يوم الجمعة الماضي، في مناقشة مشروع القرار
المصري بشأن تطبيق الضمانات في الشرق وهو
تقريباً نفس مشروع القرار الذي تبناه المؤتمر
في العام الماضي مع تعديلات طفيفة، ولم تتطرق
إلى ذكر إسرائيل بالاسم. |