|
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ
اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم
لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال:24]
{اتضح لي أن تخلف المسلمين لم يكن
ناتجاً عن الإسلام، ولكن لإخفاقهم
في أن يحيوا كما أمرهم الإسلام}
محمد أسد.
حياة محمد أسد
بعد
مرور عام على إفتتاح ميدان باسم
"محمد أسد" في عاصمة جمهورية
الألب، النمسا وإحدى مقاطعتها
التسع فيينا قمت بإعداد وتنسيق
الجزء الثاني من ملف "ليوبولد
فايس ـ الأبيض، الترجمة العربية
لكلمة فايس ـ " الذي كان قبل
إسلامه من يهود الأشكناز، أحد
أكثر الشخصيات تأثيراً في القرن
العشرين، وأكبر المثقفين في عصره،
"ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ" رجل
التساؤل والبحث عن الحقيقة، وكان
يشعر بالأسى والدهشة لظاهرة
الفجوة الكبيرة بين واقع المسلمين
المتخلف وبين حقائق دينهم
المشعّة، جاء إسلام "محمد أسد"
رداً حاسماً على اليأس والضياع،
وإعلاناً مقنعاً على قدرة الإسلام
على استقطاب الحائرين الذين
يبحثون عن الحقيقة.
تحت
عنوان "حياة محمد أسد الحقيقية"
أردت تسمية هذا الجزء، فحياته
الحقيقة ووجوده المؤثر على الساحة
الفكرية أو السياسية ولاحقا
الفقهية ـ اتفقنا معه فيما اجتهد
أم اختلفنا ـ بدأت حين تعدى عتبة
الإسلام ودخل في رحابه الواسع،
وإلا ظل مراسلا كبيرا في جريدة
مشهورة، وهو الذي تجول بين دفتي
الكتاب المقدس وتعلم لغة العهد
القديم، وتنقل بين اصقاع العالم
واقترب من الشعوب والأفراد وتفحص
وجوه الأغنياء والفقراء وصادق
الأمراء والملوك ودرس القرآن
ولغته فقال: "يجب على المسلم أن
يعيش عالي الرأس، ويجب عليه أن
يتحقّق أنه متميز، وأن يكون عظيم
الفخر لأنه كذلك، وأن يعلن هذا
التميز بشجاعة بدلاً من أن يعتذر
عنه !".
هذه
قناعة من يؤمن بصاحب العزة ـ
سبحانه وتعالى ـ ومصدرها،
فالعبودية التي ترفع صاحبها لمصاف
الملوك دون تيجان، هي العبودية
الحقة، فالإنسان ليس عبدا للدولار
أو اليورو وليس عبدا لشهواته
واطماعه بل عبدا للواجد القادر
فينعتق من عبادة الأشياء الزائلة
لعبادة رب الكون والحياة والإنسان
الباقي، وقناعة من وحد الربوبية
التي تمتلك قلب العابد فيطمئن إلى
حاضره ومستقبله فيؤمن بقضاء الله
وقدره ويرتفع إلى فضاء الأنبياء
ويعيش حياة الصحابة ويجاور
الصالحين فيقوم بمحاولته المحدودة
الزمان له ـ ولمن آتى بعده بعض
السعة في الزمان والمكان ـ لوضع
بذرة الصلاح وبصمة التغيير على
صفحات التاريخ، ثم يرحل، ويوحد
الآله فلا يجعل هَواهُ آله يعبد
أو رغباته أو شهواته، وإن وجدت
فوفق معيار الله الخالق الرازق،
إنها قضية التوحيد الخالص
والعبودية الخالصة.
رجل
كهذا ـ غفر الله له ورحمه ـ في
فهمه للإسلام
يقول: "جاءني الإسلام
متسللاً كالنور إلى قلبي المظلم،
ولكن ليبقى فيه إلى الأبد"، ولأنه
يدرك الواقع الحالي ـ عام 1926م
حين أسلم ولم يتغير الواقع الأن
2009م ـ لأمة اراد أن ينتمي
إليها، أو بتعبير أدق اراد أن
يحمل رسالتها ويسير على سُنة
الداعي إلى الهدى صلوات الله
وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه
واتباعه ومن التزم هديه وسار على
نهجه، وفي نفس اللحظة يدرك كيفية
التغيير والسبيل فيقول:" ولا يزال
الإسلام من وجهتيه الروحية
والاجتماعية بالرغم من جميع
العقبات التي خلّفها تأخر
المسلمين أعظم قوة ناهضة بالهمم
عرفها البشر، لذلك تجمّعت رغباتي
حول مسألة بعثه من جديد"، وهذه
ليست رغبة تتحقق أو رغبات بل هي
قضية بقاء أمة أو فنائها.
ويكمل: "وما عمله ـ الإسلام ـ
الأسمى سوى التوفيق التام بين
الوجهتين الروحية والمادية في
الحياة الإنسانية". ويشير إلى
مسألة هامة في التفكير فيقول:
"الخطأ الأساسي في التفكير
الأوروبي الحديث ـ يكمن ـ حينما
يعتبر التزود من المعرفة المادية
من الرفاهية مرادفا للترقي
الإنساني الروحي والأدبي. إن
الإسلام لم يقف يوما ما سدا في
وجه التقدم والعلم، إنه يقدر
الجهود الفكرية في الإنسان إلى
درجة يرفعه فيها فوق الملائكة."
ويبين سبيل النجاة من واقعنا
المتردي فيكتب:"ليس لنا للنجاة من
عار هذا الانحطاط الذي نحن فيه
سوى مخرج واحد؛ علينا أن نُشعِر
أنفسنا بهذا العار، بجعله نصب
أعيننا ليل نهار! وأن نَطعَم
مرارته ويجب علينا أن ننفض عن
أنفسنا روح الاعتذار الذي هو اسم
آخر للانهزام العقلي فينا، وبدلاً
من أن نُخضع الإسلام باستخذاء
للمقاييس العقلية الغربية، يجب أن
ننظر إلى الإسلام على أنه المقياس
الذي نحكم به على العالم، فهذه
خطوة أما الثانية فهي أن نعمل
بسُنة نبينا على وعي وعزيمة".
ويعطي رأيه بوضوح القول: "إن
الإسلام يحمل الإنسان على توحيد
جميع نواحي الحياة إذ يهتم
اهتماماً واحداً بالدنيا والآخرة،
وبالنفس والجسد، وبالفرد
والمجتمع، ويهدينا إلى أن نستفيد
أحسن الاستفادة مما فينا من
طاقات، إنه ليس سبيلاً من السبل،
ولكنه السبيل الوحيد، وإن الرجل
الذي جاء بهذه التعاليم ليس
هادياً من الهداة ولكنه الهادي،
إن الرجل الذي أُرسل رحمة
للعالمين، إذا أبينا عليه هُداهُ
فإن هذا لا يعني شيئاً أقل من
أننا نأبى رحمة الله !".
وهو القائل: "الإسلام يؤكد في
إعلانه أن الإنسان يستطيع بلوغ
الكمال في حياته الدنيا، وذلك بأن
يستفيد استفادة تامة من وجوه
الإمكان الدنيوي في حياته هو، ولا
يؤجَّل هذا الكمال إلى ما بعد
إماتة الشهوات الجسدية، ومن بين
سائر الأديان نجد الإسلام وحده
يتيح للإنسان أن يتمتع بحياته إلى
أقصى حدٍ من غير أن يضيع اتجاهه
الروحي دقيقة واحدة، فالإسلام لا
يجعل احتقار الدنيا شرطاً للنجاة
في الآخرة، وفي الإسلام لا يحق لك
فحسب، بل يجب عليك أيضاً أن تفيد
من حياتك إلى أقصى حدود الإفادة،
إن من واجب المسلم أن يستخرج من
نفسه أحسن ما فيها كيما يُشرّف
هذه الحياة التي أنعم الله عليه
بها، وكيما يساعد إخوانه من بني
آدم في جهودهم الروحية
والاجتماعية والمادية".
ومحصلة بحثه وفهمه جاءت بقوله
إن:" الإسلام ليس فلسفة ولكنه
منهج الحياة حسب القوانين التي
سنها الله لخلقه".
الرابع عشر
„14“ من أبريل يوم يستلزم من الجالية
الإسلامية في الغرب تذكره وإخراج
المناسبة بثوبها القشيب اللائق
بها وليس فقط مسلمي النمسا، أما
أن يهمل فيوضع في حقيبة النسيان
بأيدينا ونغلق عليه بقفل الغفوة
بعذر أننا لدينا مسائل هامة أخرى
يجب إنجازها، عذر لا اراه مقبولا
بل أرى أن هذا أيضا من صميم مسائل
الجالية الهامة التي يجب إنجازها
ولا أريد أن أوجه عتابا لأحد
فالعتاب الوحيد أوجهه فقط لكاتب
هذه السطور، فهو الوحيد الذي أعلم
أنه وعد نفسه أن يباشر هذا الملف
بنفسه، وأراد منذ عدة أسابيع أن
يعلن عن منتدى بخصوص المناسبة
وبحث حول الموضوع فوجد في نفسه
عدم القدرة والإستطاعة ووجد عند
الآخرين اللامبالاة، فتوقف عن
الحركة الإيجابية واكتفى بالحرف
الإلكتروني.
في
تاريخ الأمم والشعوب وحياتها
مبادئ وعقائد ورجال ومواقف
ومناسبات تستلزم من المرء إعادة
النظر فيها إذا تراكمت عليها بعض
الشوائب أو شابها قليل من الغموض
وإعادة صياغتها أو بلورتها وإزالة
الغموض ورفع الأتربة والشوائب
عنها، أو تذكر الأمجاد وتمني
دوامها أو إعادتها، أو رجال،
كضيفي هذا للمرة الثانية بعد عام
للدعاية له والدعوة للمبدأ الذي
أمن به، وللرسالة التي أراد أن
يضعها في مركز إهتمامه أو بتعبير
آخر أردت "تسويق" ـ نعم صحيح هذا
مصطلح تجاري قد ينزعج بعض مشايخي
وأساتذتي حين استخدمه، ولكن
التعلم من تجارب الآخرين، خاصة من
يحلو للبعض منا تسميتهم ابناء
العم وقدرتهم العالية وإبداعهم
الخلاق في فن تسويق "الهولوكست" و
الــ"لاسامية" و"الحق التاريخي في
أرض فلسطين" في كل مناسبة وكأنه
سلاح يُشهر في وجه من يعترض أو
يعارض، وصار من المسلمات مما أرعب
حاضرة الفاتيكان وساسة الغرب
وشعوبه ـ اقول أردت "تسويق" جانب
من جوانبه ـ رحمة الله عليه ـ
وينبغي تسويقه عالميا، فأمة
الإسلام لديها القدر الهائل
والضخم من العقائد والمبادئ
الإنسانية التي ينبغي تسويقها
عالميا، الغرب بعد أزمته المالية
الأخيرة ينظر للمعالجات المالية
في الإسلام كمخرج من الورطة وينظر
منذ زمن إلى النظم الإقتصادية
والإجتماعية في الإسلام كحل
لمشاكلهم دون الإيمان بالقاعدة
التي بنيت عليها هذه المعالجات.
سؤالي: أين تسويقنا للفكرة في زمن
القرية الكونية!؟.
الضيف ـ كان أحد يهود الأشكيناز
في الغرب ومن عائلة حاخامية
أوروبية معروفة ومعلوم تاريخه
للكل ـ الضيف مثال جيد في تقديري
كورقة رابحة في مجال الدعاية
والإعلام والدعوة عن إسلام نبي
آخر الزمان، ليس انبهارا بالغربي
على المطلق في زمن التبعية
والتابعية للهوية الغربية بل من
منطلق رجل منهم ـ غربي ـ يُشرِّح
المجتمع الغربي ويشرح معه المجتمع
الإسلامي ويبين نواقصه وعيوبه
ويضع أصبعه على موضع التخلف
والألم، حمل في صباه الكتاب
المقدس بعهده القديم في قلبه
وأدركه بعقله وتمكن من العبرية،
ثم أتقن لغات حيَّة آخرى
كالألمانية والإنجليزية والعربية
وأيضا الفارسية فغاص في بحر
الثقافة وأبحر في محيط الدين، ألا
يحق لنا الإهتمام به وأقول
"تسويق" الجانب الذي يهمنا من
شخصية الرجل ـ يرحمه الله ـ، فلما
لا نروِّج للرجل ونسوقه إعلاميا ـ
كما فعل عمدة وحاكم اقليم فيينا
باعتبار محمد اسد مثالا جيدا في
مسألة إندماج الأقليات الإسلامية
ـ خاصة دون غيرها ـ في المجتمع
الغربي، والإنفتاح على الآخر ـ
نسوّق هذا التحول من المبدأ ـ
الغربي ـ والعقيدة ـ اليهودية ـ
والفكر والملبس والمرأة ـ تزوج
إمرأة عربية ـ إلى مبدأ النبي
العربي الأمي وعقيدته وفكره،
ونعلن رآيه الصريح في دولة
إسرائيل، أما المسائل الشرعية
والفقهية التي بحثها وأصدرها في
كتاباته تبقى مسائل يبحثها
المتخصص ويناقشها العالم والباحث.
إذا
تصفحت مواقع الجالية الإلكترونية
لا تجد ذكرا للمناسبة، وهذا يدل
على غياب ما يطلق عليه "أجندة
الحائط" التي توضع أمام المسؤول
لجدولة أعمال يومه أو شهره أو
فصله أو عامه، فإذا غابت هذه
الأجندة الشهرية أو السنوية عند
المسؤول فتبقى الذاكرة ـ والنسيان
عذر شرعي عند رب العالمين ـ معطلة
والأعمال اليومية هي السائدة.
في
أواسط شهر ديسمبر 2007م أعلنت
جريدة
„Die Presse“
النمساوية عن تسمية ميدان فييناوي
بإسم مسلم أمام البوابة الرئيسة
لمدينة الأمم المتحدة، هذا ما
قررته لجنة الحضارة في بلدية
اقليم فيينا، وتم الإفتتاح الرسمي
صباح يوم الإثنين الموافق 14
ابريل 2008م في تمام الحادية عشر
في نهار مشمس،
14.
April 2008, 11 Uhr,
Haupteingang der UNO
in Wien 22., Wagramerstraße 5
وجرى مراسم الإحتفال الرسمي
بجزئيه، الأول في الميدان نفسه في
الحي الثاني والعشرين بالقرب من
محطة أنفاق الخط الأول
(أحمراللون) والثاني بقاعة في
مبنى البلدية ـ مقر عمدة الإقليم
ـ وحفل إستقبال يتقدمه المحافظ
الدكتور "ميخائيل هوبل" وكلمته
التي القاها يومها إذ
قال:"بإفتتاح الميدان وتذكر
فييناوي عظيم وما أنجزه نركز على
رمزية هذا الملف، الذي يعبر عن
الشكر لشخصية محمد أسد، فهذه
إشارة هامة لقضية الإندماج
والإنفتاح على العالم الآخر
والتعددية الحضارية لهذه المدينة
: فيينا وهي فخر لنا جميعا.
فالتعايش معا في سلام كانت رسالة
محمد أسد ونحن نحيا خلف هذه
الرسالة " ثم أردف قائلا:" تجربة
التعايش الإنساني معا تحت سقف
ديانات متعددة وحضارات مختلفة في
إقليم فيينا يقدم مثالا رائعا ".
الأستاذ الجامعي "طلال أسد" الأبن
الوحيد لمحمد أسد ـ من الزوجة
العربية ـ شاطر فيينا هذا التكريم
والتبجيل وقال في كلمته أنه:"
سيكون سعيدا عندما يصبح الإنفتاح
العالمي على الآخر ودور الإندماج
في فيينا مثالا يحتذى ويُفَعّل في
أوروبا بأكملها ". وسفير باكستان
وسفير عربي والسينما النمساوية
أيضا شاركوا في الحفل.
"آراء محمد أسد وأفكاره لم تكن
مقبولة من طرف الجميع، مسار محمد
أسد، الثري والمثير للكثير من
القضايا، رافقه "جورج ميش" بعدسة
الكاميرا والكلمة. وبطريقة
احترافية، رسم لنا الخصائص التي
طبعت فلسفة أسد، ونجح في أن يدفع
المشاهد بطريقة ذكية، نحو إثارة
سؤال عميق وجوهري: هل نحن في حاجة
إلى اجتهادات محمد أسد، في ظرف
زمني تضخم فيه الخطاب حول الدين
وممارساته؟ هل محمد أسد وقراءاته
للإسلام، هي التي نحن في حاجة
إليها اليوم وأكثر من أي وقت مضى،
حيث يسجل التراجع الفكري والثقافي
والديني في بلاد العرب وأقطار
المسلمين، أم أن شخصيته وبصماته
التاريخية تظل عبارة عن محطة
عابرة يطويها النسيان ؟" تساؤلات
وردت في المناسبة وقتها !
د.
إبراهيم عوض له وجهة نظر في بعض
كتب أسد المترجمة إلى اللغة
الإنجليزية فيقول: والذين يعرفون
أسد في العالم العربى إنما
يعرفونه في الغالب من خلال كتبه
المترجمة إلى العربية، وهذه الكتب
ليس فيها تقريبا ما يمكن الاختلاف
معه بسببه، لكن الأمر يختلف
بالنسبة لترجمته للـ"قرآن"، وإلى
حد ما بالنسبة لترجمته لـ"صحيح
البخارى"، إذ نراه في الأولى مثلا
ينكر: "معجزات الأنبياء" و
"يُجَوِّز عليهم الوقوع في
الأخطاء والخطايا"، مثلهم في ذلك
مثل أى شخص آخر، كما "يؤوّل الجن
والشياطين والملائكة ونعيم الجنة
وعذاب النار تأويلا رمزيا"، فضلا
عن أن له في "مجال الفقه" آراء
غريبة ليس من السهل هضمها أبدا،
وهو ما يجهله قراؤه العرب وما
يبدو الإسلام معه شيئا آخر غير
الذى نعرف. وكل ما أرجوه ـ الحديث
مازال لفضيلة الدكتور ـ ألا أكون
قد ظلمت الرجل أو أسأت إليه، فلقد
كنت شديد الانبهار بقصة إسلامه
وكتاباته المترجمة إلى لغتنا، إلى
أن اطَّلَعْتُ على ترجمته
للـ"قرآن الكريم" ووجدت فيها تلك
الآراء الغريبة فخفَّ انبهارى
وحَلَّتْ محلَّه نظرة نقدية تريد
وضع الأمور في نصابها الصحيح
مبتغية بذلك وجه الله وحده، دراسة
هذه الترجمة ضرورة لأنها تتضمن
آراء أسد التى لا يعرفها جمهور
قرائه العرب، وستكون أولى خطواتنا
في هذه الدراسة هى تناول الناحية
الفنية في الترجمة".
وهذا ما قصدته في بداية حديثي:
المسائل الفقهية والفهم الخاص
لأسد مسألة تخصص رجال علم، والبحث
عن الأدلة الشرعية والنقلية التي
أعتمد عليها، أما مسألة إسلام
الرجل ودوره المعلوم مسألة
"تسويق" ولا نخلط.
فبالرغم من أن حياته تفيض
بالمغامرات والمفاجاءات
والمصادفات فلم يكن إسلامه نتيجة
لأي من ذلك بل كان نتيجة لسنوات
عدة من التجول في العالم
الإسلامي، والاختلاط بشعوبه،
والتعمق في ثقافته، وإطلاعه
الواسع على تراثه بعد إجادته للغة
العربية والفارسية.
ويحق لكاتب هذه السطور أن يعقد
مقاربـ(نـ)ـة بين الأديان،
الأولى: حين تقوقع اليهود ودخولهم
في شرنقة "شعب الله المختار"،
وُجدَ الأغيار، ووجدَ خصوصية فصيل
من بشر يمتاز عن البقية بصفات
وخصوصيات وضعها آله هذا الفصيل من
الخلق، كأن خالق البشر لم يساوي
بينهم لحظة الخلق من طين واحد أو
ماء واحد، وكان لابد من سرد جزئية
اختلاف الطين كمقدمة منطقية لما
يدور في خلد أوائل أفراد الشعب
المختار وأن يؤتى ـ الطين ـ من
مواضع شتى ومختلفة ليتسيد جزء من
الطين على جزء آخر في الحياة
الدنيا بعد الخلق مع أن الطين
واحد، وهذه خلاف نظرة الإسلام
للبشر.
أما
الثانية : نصرانية القديس بولس
والتي خطَّها بيمينه، وعقيدة ودين
الامبراطور قسطنطين والتي عرضها
بإغراء أو إرهاب وقُبِلت، وقرارات
المجامع المسكونية والرتبة التي
تليها، والبناء الهرمي الوظيفي
داخل الكنائس، كل هذه، ابعدت
تعاليم السيد المسيح عن أتباعه
ومن جاء من بعدهم، وصرنا أمام
مسيح غير عيسى عليه السلام، أما
قول نبي الدين الجديد: " بني
الإسلام ... " تعبير دقيق، فقضية
الإسلام ـ قبل خاتم الأنبياء
وإخوانه من الأنبياء والمرسلين
الذين سبقوه ـ هي قضية بناء فرد
وإقامة مجتمع ووجود كيان أمة، على
دعائم أكدها نبي آخر الزمان ثم ما
قام به ـ عليه السلام ـ من بناء
أجهزة لصيانة الفرد والمجتمع
والأمة وحمايتهم، وهذا ما قرره
محمد أسد بتعبير واضح إذ يقول: "
إن إستعداد المجتمع للتعاون وفق
مبادئ الإسلام لتحقيق غايته، سوف
يظل استعدادا نظريا، ما لم تكن
هناك خلافة مسؤولة عن تطبيق
الشريعة الإسلامية ومنع الخروج
عليها، ومثل هذه المهمة لا بد لها
من أن توسد إلى مرجع له من السلطة
ما يتيح له الأمر والنهي " لذا
ففصل الدين عن الدولة بمقوله:"
اعطي ما لقيصر لقيصر وما لله لله
" تخبرنا أنها تخالف البناء
الهرمي المقصود لحماية الفرد
والمجتمع والأمة، فنظام الحكم في
الإسلام ـ الخلافة ـ أو نظم الحكم
الآخرى، تقوم بدورها في الحماية
والصيانة لكيان الفرد والأمة، غير
أن الأولى تستمد سلطانها من
الشريعة الآلهية والثانية تستمد
سلطتها من الشعب، فشعائر الدين في
المعبد، وليس الدين ذاته، لا
تحتاج لتدخل الدولة أو أجهزتها
لممارستها أو حماية من يزاولها
فهي خارج نطاقها إذ هي فقط طقوس
وشعائر فلا توجد حماية أو صيانه
للشعائر ذاتها، هناك فقط مزاولة،
بخلاف الخطوط العريضة لمعالجة
واقع وطبيعة الإنسان ككل: بغرائزه
وحاجاته العضوية ورغباته ونفسيته
وعقليته وطموحاته ونظرته
للمستقبل، فالإسلام جاء لمعالجة
وقائع تحدث للبشر، الإسلام لا
ينادي بمثالية على الأرض إذ
تركيبة البشر تبتعد عن المثالية
بقدر قربها من التقوى، فمبدأ
الحرام الذي يقابله الحلال يمنع
ويسمح ـ الأبحاث العلمية تعطي
لنفسها ذات الحق ـ وتشريع الحدود
الذي يقابله الجزاء في الدنيا أو
الآخرة وسن العقوبات ووضع أطر
للنظم الإجتماعية والإقتصادية
والعلاقات العامة بين
الفرد/الفرد، الفرد/المجتمع،
الفرد/الدولة، الفرد/ومن حوله من
كائنات وطبيعة، والدولة مع آخرى
هذه كلها تحتاج لمعالجات أو ما
يسمى "الشريعة" وهي تعطي تأكيدا
على حالة بشرية تحتاج لتقويم وهي
غير مسألة الجزاء كنعيم الآخرة
وجنة الرضوان، بل كذلك من عاش في
الدنيا وفق هذه التعاليم ايضا له
جزاء، فالدولة بغض النظر عن
تاريخيتها وانتهائها أو الحديثة
منها، وضعت قوانين وسنت نظم:
بدائية كانت أو عصرية، آلهية كانت
أو وضعية فالإنسان بصفته البشرية
والتي فُطِرَ عليها يحتاج لهذه
النظم والقوانين، والبرلمانات
القديمة والحديثة وتحت قبتها تقوم
بتشريع القوانين وإخراجها لتُنفذ
على مَن قبل بحزمة من المبادئ
والعقائد والمفاهيم والمقايس
والقناعات والأسس التي شكلت كيان
أمة وتحفظه دولة، سواء سميت
أمبراطورية أو خلافة، جمهورية أو
ملكية أو علمانية.
الملاحظ: مَن تعدى عتبة الإسلام ـ
دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ـ ويدخل في رحابه يختلف من حيث
القدرات العقلية والنفسية ومستوى
الفكر والفهم وكيفية إشباع
الحاجات البشرية والغرائز عن مَن
يتعدى عتبة البوذية أو النصرانية
مثلا ويدخل في رحاب أي دين آخر،
فجوعة المعدة أو الخواء الروحي،
هذه موجودة عند كل البشر،وقد تشبع
عند ديانة ما بشكل آني سريع دون
ديانة آخرى، فجياع أفريقيا واسيا
قد يعبدون آله من يقدم لهم الحساء
الساخن، وقد يشعرون بهدوء نفسي
عند مَن يعبق أرجاء المعبد بعود
بخور طيب أو موسيقى هادئة، أو
يدخلون في دين يعدد الزوجات (حدث
مؤخرا في الهند، وصار حوله نقاش
وجدل)، أو يترك الكل ويتجه لإشباع
غرائزه كممارسة الجنس دون معرفة
الطرف الثاني إثناء عملية الوقاع
(مضاجعة الليلة الواحدة في الغرب،
تبادل الزوجات في مصر) أو يعرفه
عن قرب (مضاجعة المحارم الأب الذي
عاشر ابنته معاشرة الأزواج ربع
قرن وانجب منها سبعة أولاد، حرق
أحدهم بعد ميلاده ميتا) أو صرف
إلى الإهتمام إلى الحيوان كتربية
الكلاب أو القطط (في إحدى شوارع
فيينا اصطحبت شابة خنزيرا معها)
فهذه أمثلة تدل على عملية "صرف"،
فالحالة الطبيعية للإنسان تكون
وفق منهاج، أم الآخرى فهي عملية
"صرف" عن المنهاج وهذا ما سبب
الشقاء.
والسؤال يُلقى عليه مرّة بعد
مرّة: لماذا اعتنقتُ الاسلام؟
وما
الذي جذبك منه خاصّة؟
فيأتي جوابه: "هنا يجب أن أعترف
بأنّني لا أعرف جواباً شافياً. لم
يكن الذي جذبني تعليماً خاصّاً من
التعاليم، بل ذلك البناء المجموع
العجيب، البناء العظيم المتكامل
المتناسق المتراصّ بما لا نستطيع
له تفسيراً من تلك التعاليم
الأخلاقيّة بالإضافة الى منهاج
الحياة العمليّة الذي لا يمكن
وصفه، فالإسلام بناء تام الصنعة
وكل أجزائه قد صيغت ليتمم بعضها
بعضا
ويشدّ بعضها بعضاً ولا أستطيع
اليوم أن أقول أي النواحي قد
استهوتني أكثر من غيرها، فليس
هناك شيء لا حاجة إليه، وليس
هنالك نقص في شيء، فنتج عن ذلك
كلّه ائتلاف متّزن مرصوص. ولعلّ
هذا الشعور من أنّ جميع ما في
الاسلام من تعاليم وفرائص "قد
وُضعت مواضعها" هو الذي كان له
أقوى الأثر في نفسي، وربّما كانت
مع هذا كلّه أيضاً مؤثّرات أخرى
يصعب عليَّ الآن أن أحلّلها"
سعى
الى أن يتعلّم من الاسلام كلّ ما
يقدر عليه: لقد درس القرآن الكريم
وحديث الرسول عليه السلام. لقد
درس لغة الاسلام، وتاريخ الاسلام
وكثيراً ممّا كُتِبَ عنه أو
كُتِبَ في الردّ عليه. وقد قضى
أكثر من ست سنوات في الحجاز، وبما
أنّ الحجاز ملتقى المسلمين من
جميع الأقطار، فقد تمكّن من
المقارنة بين أكثر من وجهات النظر
الدينيّة والاجتماعيّة التي تسود
العالم الاسلاميّ.
بعد
سنوات من الانقطاع لدراسة
الاسلام، يقول: " كنت أنطلق
-
دون أن أعي ذلك
- في خط مستقيم
كمسار السهم المنطلق باتجاه مكة
المكرمة" فقضى معظم الوقت في مكة
المعظمة ونجد، وأكثر ذلك في
المدينة المنورة ليطمئنّ قلبه
بشيء من البيئة الأصليّة للدّين
الذي قام النبيّ العربيّ بالدعوة
اليه فيها. إذ يقول:" لقد انقشع
الظلام وها أنا هنا فى ساحة
المسجد النبوى الشريف، والمضاء
بمصابيح الغاز المعلقة على
الأعمدة بالأروقة. يجلس الشيخ
"عبدالله بن بلهيد" ورأسه محنية
على صدره، وعيناه مغمضتين. من لا
يعرفه يظن أنه نائم، ولكنّي
أعرفه، وأعلم أنه يستمع إليَّ بكل
حواسه وخبرته فى الرجال، ويحاول
أن يزن كلامي ويضعه موضعه. وبعد
فترة طويلة فتح عينيه ورفع رأسه:
وحينئذ، سألني: ماذا فعلت؟،
فأجبتُ: " بحثتُ عن صديق لي مسلم،
كان هنديا، رئيسا لمجموعة مسلمة
فى برلين، وقلت له أنني أريد
اعتناق الإسلام. مد يديه فى
اتجاهي، فوضعت يديى فيهما ونطقت
بالشهادتين "أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمدا رسول الله"، وبعد
بضعة أسابيع أعلنت زوجتى إسلامها
وفعلتْ ما فعلتُ".
صار علماً من أعلام الاسلام في
العصر الحديث اسمع اليه وهو يصف
إفاضته مع الحجيج من عرفات فيقول:
" ها نحن أولاء نمضي عجلين،
مستسلمين لغبطة لا حد لها، والريح
تعصف في أذني صيحة الفرح. لن تعود
بعدُ غريباً، لن تعود ... إخواني
عن اليمين، وإخواني عن الشمال،
ليس بينهم من أعرفه، وليس فيهم من
غريب! فنحن في التيار المُصطخِب
جسد واحد، يسير إلى غاية واحدة،
وفي قلوبنا جذوة من الإيمان الذي
اتقد في قلوب أصحاب رسول الله
يعلم إخواني أنهم قصّروا، ولكنهم
لا يزالون على العهد، سينجزون
الوعد، "لبيك اللهم لبيك" لم أعد
أسمع شيئاً سوى صوت "لبيك" في
عقلي، ودويّ الدم وهديره في أذني
وتقدمت أطوف، وأصبحت جزءاً من سيل
دائري! لقد أصبحت جزءاً من حركة
في مدار! وتلاشت الدقائق وهدأ
الزمن نفسه وكان هذا المكان محور
العالم".
السينما ـ كاحدى أدوات الثقافة ـ
ودورها في التعريف بمحمد أسد :
بورتريه المخرج السينمائي جورج
ميش، يضعنا أمام صورة محمد أسد
الجذابة والمثيرة للجدل، فهو الذي
عاش ثقافات متعددة وتعايش مع
قطيعتين في حياته، الأولى ستقود
الشاب "ليوبولد" إلى الكتابة
والسفر والقطع مع اليهودية
والانغماس في الفضاء الجرماني في
فيينا. أما القطيعة الثانية،
فستدفعه إلى الرحيل إلى أكثر من
بلد، من فيينا إلى المغرب مرورا
بدول عديدة.
حياة محمد أسد توجت بالعديد من
الاجتهادات، حيث ألف عددا من
الكتب لكنه عرف بشكل كبير من خلال
كتابه "الطريق إلى مكة"، والذي
أخذه المخرج جورج ميش عنوانا
لفيلمه الوثائقي.
هناك فارق بين أن تباشر الشعائر
وتتلبس بها أو أن تراقبها وتنظر
إليها فحين يؤمن قلبك بالتناول
والإستحالة (من عقائد النصارى)
تباشر الفعل بنفس راضية وحين تعمل
العقل أو الفكر في كيفتها تتوقف
وتتساءل! وقد تأتيك إجابة فتسكت
وقد تكون الإجابة غير مقنعة
فتتناول ولا تستحيل الإجابة إلى
قناعة، ويظل الأمر معلقا،
فالتناول تم ولكن أين
الإستحالة!!، وحين تتناول فطيرة
الفصح (عيد عند اليهود) وقد لطخت
بدماء ذكية بريئة تحتاج لقدر كبير
من التعقل والإدراك لتقبل الوصفة
وكيفية التحضير وإن تناولتها،
الطريق إلى مكة لم يكن سهلا
لـ"ليوبولد" بل مرت بعدة محطات
ووقائع في أوروبا وآخرى في بلاد
العرب وبلاد الإسلام، "ليوبولد"
يشرحها بوصف دقيق سواء تحدث عن
الطقس أو تحدث عن الطعام أو تحدث
عن عازف القيثارة أو أخبرنا عن
الحوار، فالكاتب رحالة يبحث عن
حقيقة الوجود ولا يرتحل بين
الجبال والتضاريس والقرى والنجوع
ويراقب أفراد الشعوب فحسب، فلنسمع
منه إذ يقول: "أفغانستان شتاء
1926م كنت فى طريقى راكباً من
هرات لكابول بصحبة إبراهيم، ودليل
أفغانى الجنسية، نسير خلال جبال
مدفونة مغطاة بالجليد، ووديان
وطرق فى هندو- كش فى وسط
أفغانستان. كان الطقس باردا
والجليد يتألق، وتقف على كل
الجوانب جبال بيضاء، وأخرى سوداء.
كنت
حزينا، وفى نفس الوقت بشكل غريب
كنت سعيدا هذا اليوم! أما حزني،
فقد كان لأن من كنت أعيش معهم فى
الشهور السابقة، كانوا محجوبون
بـ"بلادة"، عن حقيقة النور،
والقوة، والتقدم، الذى يعطيه لهم
إيمانهم، وفى نفس الوقت كانت
سعادتي، بأن هذه الحقيقة والنور،
والقوة والتقدم، فى متناول يدي
تقريبا الآن، وأمام عيني، كهذه
الجبال الشامخة البيضاء والسوداء
التى أمامي.
بدأ حصاني يعرج وكأن
شيئا فى حافره، ووجدت أن الحدوة
الحديدية أصبحت معلقة فقط
بمسمارين.
سألت رفيقنا الأفغانى،
هل هناك قرية قريبة نجد فيها
حدادا؟ رد: "نعم، قرية ديهزانجى
تقع على بعد أقل من ثلاثة أميال،
يوجد بها حداد هناك، وبها قصر
حاكم هزرجات". وهكذا اتجهنا إلى
هذه القرية، وتمهلنا فى المسير
حتى لا نرهق الحصان.
حاكم المنطقة، كان
قصير القامة، وكان مرح الطلعة
ودودا، وكان سعيدا أن يستضيف
أجنبيا عنده فى قصره البعيد عن
العمران، والمتواضع. وقد كان هذا
الحاكم قريب للملك أمان الله، ومن
المقربين له وقد كان من أكثر من
قابلت تواضعا فى أفغانستان. وقد
أصر على بقائي فى ضيافته ليومين.
وفى
مساء اليوم الثانى، جلسنا كالعادة
لعشاء دسم، وبعد العشاء حضر رجل
من القرية ليطربنا بأغاني شعبية،
مصطحبا قيثارة بثلاث أوتار، وكان
يغني بلغة الباشتو التى لم
أفهمها، ولكن بعض الكلمات
الفارسية كانت تتخللها بوضوح، فى
الغرفة الدافئة المغطاة
بالسجاجيد، بينما وميض الثلج
البارد يظهر من خلال النوافذ.
أتذكر أنه كان يغني عن المعركة
بين داوود و
جالوت، وبدأها بنغمة متواضعة، ثم
تدرجت إلى بعض العنف، وأنتهت بروح
الإنتصار.
وبعد أن انتهت، قال الحاكم:" أن
داوود كان شابا، ولكن إيمانه كان
قويا" . وفي حوار، كان ليوبولد
الأبيض ينافح عن الإسلام، ويحمل
المسلمين تبعة تخلفهم عن الشهود
الحضاري، لأنهم قصروا في تطبيق
الإسلام، نظر إليَّ المضيف بدهشة
وارتباك لما تطوعت وذكرته، فأسرعت
لأوضح قولي. وأخذ توضيحي شكل سيل
من الأسئلة :
لماذا فقدتم أنتم المسلمون ثقتكم
بأنفسكم، التى فى القديم ساعدت
على نشر الإيمان بالإسلام فى أقل
من مائة عام من الجزيرة العربية
غربا إلى المحيط الأطلسى، وشرقا
فى العمق إلى الصين والآن
تستسلمون بضعف إلى الأفكار
والعادات الغربية؟
لماذا لا تستطيعون أنتم يا من كان
أباؤكم الأوائل أناروا العالم
بعلمهم وفنهم، بينما كانت أوروبا
تغض فى بربرية وجهل مدقع،
فلتعملوا من الآن على أن تعودوا
لإيمانكم الخلاق؟
كيف
أن هذا الأتاتورك التافه السكير،
الذى ينكر كل قيم الإسلام، قد
أصبح عندكم رمزا لإحياء الإسلام؟
استمر مضيفي فى صمته ومرة ثانية
غمرني الشعور المزدوج، بالحزن
والسعادة، الذى انتابني، أحسست
بالفخار لما قد كان، وبالخجل لما
عليه أبناء حضارة عظيمة.
هل لك أن تدلني كيف أن
الإيمان الذى دلكم عليه نبيكم،
وكل هذا الوضوح والبساطة، قد دفنت
تحت أنقاض الثرثرة المتحزلقة،
والشجار بين علمائكم؟
كيف
أن أمراءكم والإقطاعيين يعيشون فى
رفاهية، بينما إخوانهم من
المسلمين، يذوقون الفاقة والفقر
المدقع، فى حين أن نبيكم يقول :"
أنه لا يؤمن من بات شبعان وجاره
جائع؟"
هل
لك أن تشرح لى كيف نبذتم النساء
خلفكم، بينما نساء الرسول صلى
الله عليه وسلم، وصحابته كن
يشاركن الرجال فى أمورهم الهامة؟
كيف
وصل الحال بكم أنتم المسلمين إلى
الجهل والأمية، فى حين يقول
نبيكم:" أن طلب العلم فريضة على
كل مسلم ومسلمة"، و "فضل العالم
على العابد كفضل البدر على سائر
النجوم؟"
ظل
مضيفى يحملق فيّ دون كلام،
وابتدأت أشعر أن ملحوظاتي قد
أحبطته. أما الرجل ذو القيثارة
كان لا يعرف الفارسية بدرجة تجعله
يتتبع كلامى، وأخذ يتعجب من هذا
الغريب الذى يتكلم بهذه النغمة مع
الحاكم. وفى النهاية، أخذ الحاكم
رداءه المصنوع من جلد الغنم وتدثر
به، كمن يكون قد أحس بالبرد! وهمس
لي "لكنك أنت مسلم !".
أخذنى الضحك وأجبت: " لا، أنا لست
مسلما، ولكني ألممت ببعض القيم فى
الإسلام التى تجعلني أغضب فى بعض
الأحيان، كيف أنكم أنتم أيها
المسلمون تضيعونها، أعذرني إذا
كنت قد أسأت فى الكلام، أنا لا
أتكلم معك كعدو".
ولكن مضيفي هز رأسه
قائلا "لا فكما قلت لك، أنت مسلم،
ولكنك لا تعرف نفسك ... لماذا لا
تنطق الآن وهنا بالشهادتين" لا
إله إلا الله محمد رسول الله"،
وتصبح مسلما فى حقيقة الأمر، فإنك
مسلم قلبيا! قلها يا أخى، قلها
الآن، وسأصطحبك غدا لكابول
لملاقاة الأمير، الذى سيستقبلك
بذراعين مفتوحتين كشخص مثلنا.
سيمنحك منازل وحدائق وأغنام،
وسيحبك، قلها يا أخى"، تساءلت
:"إذا قلت ذلك، سيكون نتيجة لأن
عقلى قد استراح، وليس نتيجة لأن
الأمير منحنى المنازل والحدائق".
ولكن "أصر مضيفى، أنت تعرف كثيرا
عن الإسلام ربما أكثر من بعض
المسلمين، ما هو الذى ما زلت تريد
أن تعرفه؟". " قلت: المسألة ليست
مسألة فهم، إنها مسألة إقتناع،
الإقتناع بأن القرآن الكريم هو
فعلاً كلمة الله، وليس مجرد كلمات
من شخص نابه ذكي يملك عقلية
متفوقة ".
ولكن كلمات صديقي الأفغاني أخذت
تراودني ولم تتركني لشهور عدة!!!"
كان
سؤالي الأخير الذي كنت متردداً
أمامه هو: هل الإسلام رسالة من
عند الله أم أنه حصيلة حكمة رجل
عظيم؟"
هزت هذه الكلمات أعماقه، ووضعته
أمام نفسه التي يهرب منها، وظلت
تلاحقه من بعد حتى أثبت القدر صدق
قائلها الطيب حين نطق "ليوبولد
فايس ـ الأبيض ـ " بالشهادتين ...
ولم
ينس محمد أسد أنه قال:
"كذلك أنتم كثيرون ولكن إيمانكم
ضعيف!!".
تشخيص صحيح وواقع لا يتناسب مع
الرسالة ولا يتفق مع اتباعها
ولكنه يخبر عن غيب قاله صاحب
الرسالة ذات يوم وهو يقرأ مستقبل
أمته بوصفهم " كــ... غثاء السيل
... "
اقترب شتاء
1926م وهو في طريقه إلى فرانكفورت
عبر أفغانسان فى المرحلة الأولى
لطريق العودة للوطن، مستقلا
القطار من الحدود الأفغانية إلى
ماف فى التركستان الروسية، ثم إلى
سمرقند، بخارى إلى طشقند ومن ثم
مارا بسهول التركمان إلى جبال
الأورال، ثم موسكو ويقول: "هالني
الدعاية والمعلقات التى تهاجم
الدين والألوهية أينما أحل أو
أرتحل وسأتوقف عن ذكرها لأنها
مقززة". و "بشعور بالراحة عبرت
الحدود البولندية، بعد أسابيع
أمضيتها فى آسيا، وروسيا
الأوروبية. واتجهت مباشرة
لفرانكفورت حيث الجريدة التى أعمل
بها حيث استلمت عملى. ولم يمض وقت
طويل حتى اكتشفت أنه أثناء غيابي،
قد أصبح اسمي مشهورا، وأني الآن
أعتبر من المراسلين المرموقين فى
وسط أوروبا. فبعض مقالاتي خصوصا
تلك التى تناولت النفسية الدينية
المعقدة للإيرانيين والتى قد جاءت
نتيجة لملاحظات علماء شرقيين
بارزين، واستُقبلت أكثر من أنها
معارف عابرة. ونتيجة لأهمية هذا
الإنجاز، فقد دعيت لإلقاء مجموعة
من المحاضرات فى أكاديمية
الجغرافيا السياسية ببرلين حيث
قيل لي أنه لم يسبق أن حدث من قبل
أن شخصا فى حداثة السن مثلي حيث
كنت حينئذ فى السادسة والعشرين،
قد منح هذا الإمتياز. كما قمت
بتدبيج مقالات أخرى عامة بتصريح
من مجلة "فرانكفورت زيتونج"، وفى
صحف أخرى وقد أعيد طبع إحدى
المقالات كما أعلم ثلاثون مرة
تقريبا. وبمعنى آخر، فإن رحلاتي
الإيرانية، قد أثمرت، وفى هذا
الوقت تزوجت "إلزا".
بقيت أنا وإلزا
فى برلين، لأكمل محاضراتي عن
الإسلام فى أكاديمية الجغرافيا
السياسية. أصدقائي الأدباء فرحوا
بعودتي لهم، ولكن لم تكن العلاقة
الجديدة فى نفس المتانة التى
تركتهم بها قبل سفري للشرق
الأوسط. صارت لغتنا الثقافية
مختلفة عما سبق. وبالتحديد، لم
أكن أستطع استخراج أية معلومات من
مناقشاتي معهم عن الإسلام. كانوا
يهزون رؤوسهم، بحيرة حينما كنت
أقول لهم أن الثقافة الإسلامية
يمكنها أن تنافس أيدلوجيات أخرى.
وبالرغم أنه فى بعض الحالات،
كانوا يوافقون على رأي من هنا أو
هناك من مفاهيم الإسلام، إلا أنهم
فى العموم يقولون أن الأديان
الماضية هى جزء من الماضي، وأننا
فى حاجة إلى تجديد فى المفاهيم،
ونظرة "إنسانية" جديدة. وحتى
أولئك الذين لا ينكرون أهمية
المؤسسات الدينية، لم يكونوا
مستعدين للتخلي عن النظرة
الأوروبية للإسلام، بأنه يفتقد
إلى الوضوح الذى يتوقع من
الأديان.
وقد أدهشني أن سمة
الإسلام التى اكتشفتها من أول
لحظة وهى عدم وجود فصل بين الروح
والجسد، وأن التأكيد على أن العقل
هو الطريق للإيمان لم تكن واضحة
عند المثقفين، الذين ما فتئوا
يقولون بأن العقل هو المهيمن على
كل شئ فى الحياة "فالعقلانية" و
"الواقعية"، ليس لهما مكان فى
مجال الدين عندهم. وفى هذا الخصوص
لم أجد فرقا بين هؤلاء المتدينين،
وهؤلاء الذين طرحوا الدين وراء
ظهورهم.
مع الوقت، فهمت أين
تكمن فيهم هذه الصعوبة. بدأت أدرك
أنه فى عيون أولئك الذين يدورون
فى مدار النصرانية بضغوطها على
عالم "ما وراء الطبيعة" المتأصلة
زعما فى كل تجربة دينية حقيقية
فإنه من الدرجة الأولى فكل نظرة
عقلانية، تكون سببا فى الإنتقاص
من القيمة الروحية، وذلك ليس خاصا
بمؤمني النصارى فقط. وذلك لطول
العهد بالأوروبيين فى ظل
النصرانية، فمن حيث لا يدرون وبلا
شعور، تعلموا أن ينظروا للدين من
خلال المنظار النصراني، ومفاهيم
النصرانية، ويعتبرون فقط أنها
"صحيحة"، إذا كانت مصحوبة بآثار
الرهبنة والخشوع، بعيدا عن الفهم
الثقافى. الإسلام لا يحقق هذه
الفرضية: الإسلام يصر على التعاون
بين السمات الروحانية والمادية
للحياة، وذلك على قاعدة متينة
طبيعية من المنهاج. فى الحقيقة
فنظرته للحياة، تختلف جذريا عن
مفاهيم النصرانية، وهذه المفاهيم
هى التى اعتمدها الغرب كأساس
للحياة، وبذلك يقيسون صلاحية
الآخر بهذه المقاييس.
أما
بالنسبة لي، فقد كنت أعرف أنني
منجذب إلى الإسلام لا محالة، ولكن
التردد جعلنى أؤجل القرار الأخير،
القرار الذى لا رجعة فيه. فكرة
إعتناق الإسلام، هى كرحلة على جسر
طويل جدا بين عالمين مختلفين: جسر
إذا وصلت لنهايته، فلن ترى
بدايته. كنت على بينة، بأنني لو
أسلمت، فسأفصل نفسي عن العالم
الذى نشأت فيه. لأدخل آخر سأعيش
به. لا يمكن لمن يجيب حقيقة دعوة
الرسول عليه الصلاة والسلام أن
يبقي صلة داخلية مع المجتمع الذى
يعيش على مفاهيم مغايرة ...
ويواردني دائما سؤال: هل الإسلام
حقيقة رسالة من الله سبحانه
وتعالى، أم هو مجرد حكمة من رجل
عظيم، ولكنه غير معصوم؟؟؟
عدة مشاهد تراكمت بشكل هندسي أثرت
في قرار "ليوبولد الأبيض":
كان
يتوق إلى العودة إلى الشرق مرة
أخرى، وقد تحقق له ما أراد إذ إن
رئيس تحرير الجريدة الدكتور هنري
سيمون -
الذي كان في ذلك الوقت مشهوراً في
أرجاء العالم
-
قد رأى فيه مراسلاً صحفياً واعداً
فوافق بحماس على عودته إلى الشرق
الأوسط بسرعة.
"كان التفكير في الإسلام يشغل
ذهني إن الأمر بدا لي في ذلك
الوقت رحلة لاستكشاف ما أجهله من
تلك المناطق، كان كل يوم يمر يضيف
إليَّ معارف جديدة، ويطرح أسئلة
جديدة لأجد إجاباتها تأتي من
الخارج جميعها أيقظت شيئاً ما كان
نائماً في أعماقي، وكلما نَمت
معارفي عن الإسلام كنت أشعر مرة
بعد أخرى أن الحقائق الجوهرية
التي كانت كامنة في أعماقي من دون
أن أعي وجودها بدأت تنكشف
تدريجياً ويتأكد تطابقها مع
الإسلام".
كان
اليقين ينمو في داخله بأنه يقترب
من إجابة نهائية عن أسئلته،
وبتفهمه لحياة المسلمين كان يقترب
يومياً من فهم أفضل للإسلام؛ وكان
الإسلام دائماً مسيطراً على ذهنه
" لا يوجد في العالم بأجمعه ما
يبعث في نفسي مثل تلك الراحة التي
شعرت بها والتي أصبحت غير موجودة
في الغرب ومهددة الآن بالضياع
والاختفاء من الشرق، تلك الراحة
وذلك الرضا اللذان يعبران عن
التوافق الساحـر بين الذات
الإنسانية والعالم الذي يحيط
بها"، تخلص من انخداع الرجل
الغربي وإساءته فهم الإسلام بسبب
ما يراه من تخلف وانحطاط في
العالم الإسلامي.
فـ"الآراء الشائعة في الغرب عن
الإسلام تتلخص فيما يأتي: {انحطاط
المسلمين ناتج عن الإسلام}، وأنه
بـ{مجرد تحررهم من العقيدة
الإسلامية وتبني مفاهيم الغرب
وأساليب حياتهم وفكرهم؛ فإن ذلك
سيكون أفضل لهم وللعالم}، إلا أن
ما وجدته من مفاهيم وما توصلت إلى
فهمه من مبادئ الإسلام وقيمه
أقنعني أن ما يردده الغرب ليس إلا
مفهوماً مشوهاً للإسلام اتضح لي
أن تخلف المسلمين لم يكن ناتجاً
عن الإسلام، ولكن لإخفاقهم في أن
يحيوا كما أمرهم الإسلام لقد كان
الإسلام هو ما حمل المسلمين
الأوائل إلى ذراً فكرية وثقافية
سامية"
فقد
"وفر الإسلام باختصار حافزاً
قوياً إلى التقدم المعرفي
والثقافي والحضاري الذي أبدع
واحدة من أروع صفحات التاريخ
الإنساني، وقد وفر ذلك الحافز
مواقف إيجابية عندما حدد في وضوح:
"نعم للعقل ولا لظلام الجهل، نعم
للعمل والسعي ولا للتقاعد
والنكوص. نعم للحياة ولا للزهد
والرهبنة". ولذلك لم يكن عجباً أن
يكتسب الإسلام أتباعاً في طفرات
هائلة بمجرد أن جاوز حدود بلاد
العرب، فقد وجدت الشعوب التي نشأت
في أحضان مسيحية القديس بولس
والقديس أوجستين
ديناً لا يقر عقيدة
ومفهوم الخطيئة الأولى ويؤكد
كرامة الحياة البشرية، ولذلك
دخلوا في دين الله أفواجاً، جميع
ذلك يفسر كيفية انتصار الإسلام
وانتشاره الواسع والسريع في
بداياته التاريخية ويفند مزاعم من
روجوا أنه انتشر بحد السيف.
وكان ذكاؤه الحاد ونفاذ بصيرته،
ونهمه إلى الاطلاع على التراث
الفكري للمسلمين، يعمق معرفته
بالإسلام فيبصره على حقيقته "
كانت صرة نهائية متكاملة عن
الإسلام تتبلور في ذهني، كان
يدهشني في أوقات كثيرة أنها تتكون
داخلي بما يشبه الارتشاح العقلي
والفكري، أي أنها تتم من دون وعي
وإرادة مني، كانت الأفكار تتجمع
ويضمها ذهني بعضها إلى بعض في
عملية تنظيم ومنهجة لكل الشذرات
من المعلومات التي عرفتها عن
الإسلام. رأيت في ذهني عملاً
عمرانياً متكاملاً تتضح معالمه
رويداً رويداً بكل ما تحتويه من
عناصر الاكتمال، وتناغم الأجزاء
والمكونات مع الكل المتكامل في
توازن لا يخل جزء عن آخر، توازن
مقتصد بلا خلل، ويشعر المرء أن
منظور الإسلام ومسلماته كلها في
موضعها الملائم الصحيح من
الوجود".
"كانت أهم صفة بارزة لحضارة
الإسلام وهي الصفة التي انفردت
بها عن الحضارات البشرية السابقة
أو اللاحقة أنها منبثقة من إرادة
حرة لشعوبها، لم تكن مثل حضارات
سابقة وليدة قهر وضغط وإكراه
وتصارع إرادات وصراع مصالح،
ولكنها كانت جزءاً وكلاً من رغبة
حقيقية أصيلة لدى جميع المسلمين
مستمدة من إيمانهم بالله وما حثهم
عليه من إعمال فكر وعمل، لقد كانت
تعاقداً اجتماعياً أصيلاً لا مجرد
كلام أجوف يدافع به جيل تالٍ عن
امتيازات خاصة بهم لقد تحققت أن
ذلك العقد الاجتماعي الوحيد
المسجل تاريخياً تحقق فقط على مدى
زمني قصير جداً، أو على الأصح أنه
على مدى زمني قصير تحقق العقد على
نطاق واسع، ولكن بعد أقل من مائة
سنة من وفاة الرسول صلى الله عليه
وسلم
بدأ
الشكل النقي الأصيل للإسلام يدب
فيه الفساد، وفي القرون التالية
بدأ المنهج القويم يزاح إلى
الخلفية لقد حاول المفكرون
الإسلاميون أن يحفظوا نقاء
العقيدة؛ إلا أن من أتوا بعدهم
كانوا أقل قدرة من سابقيهم،
وتقاعسوا عن الاجتهاد وتوقفوا عن
التفكير المبدع والاجتهاد الخلاق
كانت القوة الدافعة الأولى
للإسلام كافية لوضعه في قمة سامية
من الرقي الحضاري والفكري
وهذا ما دفع المؤرخين
إلى وصف تلك المرحلة بالعصر
الذهبي للإسلام، إلا أن القوة
الدافعة قد ماتت لنقص الغذاء
الروحي الدافع لها وركدت الحضارة
الإسلامية عصراً بعد عصر لافتقاد
القوة الخلاقة المبدعة، لم يكن
لدي أوهام عن الحالة المعاصرة
للعالم الإسلامي" ثم يردف قائلا:"
بينتْ الأعوام الأربعة التي
قضيتها في مجتمعات إسلامية أن
الإسلام مازال حياً وأن الأمة
الإسلامية متمسكة به بقبول صامت
لمنهجه وتعاليمه؛ إلا أن المسلمين
كانوا مشلولين غير قادرين على
تحويل إيمانهم إلى أفعال مثمرة،
إلا أن ما شغلني أكثر من إخفاق
المسلمين المعاصرين في تحقيق منهج
الإسلام الإمكانيات المتضمنة في
المنهج ذاته، كـان يكفيني أن
أعـرف أنه خلال مدى زمني قصير
كانت هناك محاولة ناجحة لتطبيق
هذا المنهج، وما أمكن تحقيقه في
وقت ما؛ يمكن تحقيقه لاحقاً، ما
كان يهمني- كما فكرت في داخلي- أن
المسلمين شردوا عن التعليمات
الأصلية للدين
ما
الذي حدث وجعلهم يبتعدون عن
المثاليات التي علمهم إياها
الرسول صلى الله عليه وسلم منذ
ثلاثة عشر قرناً مضت ما دامت تلك
التعليمات لا تزال متاحة لهم إن
أرادوا الاستماع إلى ما تحمله من
رسالة سامية؟ بدا لي كلما فكرت
أننا نحن في عصرنا الحالي نحتاج
إلى تعاليم تلك الرسالة أكثر من
هؤلاء الذين عاشوا في عصر محمد
صلى الله عليه وسلم، لقد عاشوا في
بيئات وظروف أبسط كثيراً مما نعيش
فيه الآن، ولذلك كانت مشكلاتهم
أقل بكثير من مشكلاتنا، العالم
الذي كنت أحيا فيه – كله- كان
يتخبط لغياب أي رؤية عامة لما هو
خير وما هو شر، لقد أحسست بيقين
تام أن مجتمعنا المعاصر يحتاج إلى
أسس فكرية عقائدية توفر شكلاً من
أشكال التعاقد بين أفراده، وأنه
يحتاج إلى إيمان يجعله يدرك خواء
التقدم المادي من أجل التقدم
ذاته، وفي الوقت نفسه يعطي للحياة
نصيبها. إن ذلك سيدلنا ويرشدنا
إلى كيفية تحقيق التوازن بين
احتياجاتنا الروحية والبدنية، وإن
ذلك سينقذنا من كارثة محققة نتجه
إليها بأقصى سرعة في تلك الفترة
من حياتي شغلت فكري مشكلة الإسلام
كما لم يشغل ذهني شيء آخر من قبل،
قد تجاوزت مرحلة الاستغراق الفكري
والاهتمام العقلي بدين وثقافة
غربيين، لقد تحول اهتمامي إلى بحث
محموم عن الحقيقة"
لقد
صار في إمكانه أن يميز بين ما هو
الإسلام وما هو غريب عنه في
تصورات المسلمين وسلوكهم. في
رحلته الأولى رأى حلقة ذكر يقيمها
الصوفية في أحد مساجد "سكوتاري"
في تركيا ويصفها بهذه العبارات "
كانوا يقفون في محيط واحد
فاستداروا في نصف دورة ليقابل كل
واحد منهم الآخر أزواجاً، كانوا
يعقدون أذرعهم على صدورهم وينحنون
انحناءة شديدة وهم يستديرون
بجذوعهم في نصف دائرة وفي اللحظة
التالية
كانوا يقذفون أذرعهم في الاتجاه
المعاكس الكف اليمنى ترتفع والكف
اليسرى تنزل إلى الجانب، وتخرج من
حلوقهم مع كل نصف انحناءه
واستدارة أصوات مثل غناء هامس
"هو" ثم يطرحون رؤوسهم للخلف
مغمضين أعينهم ويجتاح ملامحهم
تقلص ناعم، ثم تتصاعد وتتسارع
إيقاعات الحركة وترتفع الجلاليب
لتكون دائرة متسعة حول كل درويش
مثل دوامات البحار تحولت الدائرة
إلى دوامات، اجتاحهم الانهماك،
وشفاههم تكرز بلا نهاية "هو"،
"هو"
وفي
الرحلة الثانية يتذكر حلقة الذكر
هذه ويعلق عليها "اتضحت في ذهني
معاني لم تبد لي عندما شاهدت حلقة
الذكـر في "سكوتاري"، كان ذلك
الطقس الديني لتلك الجماعة
- وهي واحدة من جماعات كثيرة
شاهدتها في مختلف البلاد
الإسلامية - لا يتفق مع صورة
الإسلام التي كانت تتبلور في ذهني
تبين لي أن تلك الممارسات والطقوس
دخيلة على الإسلام من جهات ومصادر
غير إسلامية، لقد شابت تأملات
المتصوفة وأفكارهم أفكار روحية
هندية ومسيحية، مما أضفى على بعض
ذلك التصوف مفاهيم غربية غريبة عن
الرسالة التي جاء بها النبي صلى
الله عليه وسلم، أكدت رسالة النبي
صلى الله عليه وسلم أن السببية
العقلية هي السبيل للإيمان الصحيح
بينما تبتعد التأملات الصوفية وما
يترتب عليها من سلوك عن ذلك
المضمون، والإسلام قبل أي شيء
مفهوم عقلاني لا عاطفي ولا
انفعالي، الانفعالات مهما تكن
جياشة معرضة للاختلاف والتباين
باختلاف رغبات الأفراد وتباين
مخاوفهم بعكس السببية العقلية،
كما أن الانفعالية غير معصومة بأي
حال"
كتب بعد ذلك بسنوات " لقد بدا لي
الإسلام مثل تكوين هندسي محكم
البناء كل أجزائه قد صيغت ليكمل
بعضها البعض وليدعم بعضها بعضاً".
زار القاهرة فالتقى بالإمام مصطفى
المراغي، فحاوره حول الأديان،
فانتهى إلى الاعتقاد بأن "الروح
والجسد في الإسلام هما بمنزلة
وجهين توأمين للحياة الإنسانية
التي أبدعها الله" ثم بدأ بتعلم
اللغة العربية في أروقة الأزهر،
وهو لم يزل بعدُ يهودياً.
كانت أول علاقة له بفكرة الإسلام
وهو يقضي أيام رحلته الأولى في
القدس عندما رأى مجموعة من الناس
يصلون صلاة الجماعة يقول:
"أصابتني الحيرة حين شاهدت صلاة
تتضمن حركات آلية، فسألت الإمام
هل تعتقد حقاً أن الله ينتظر منك
أن تظهر له إيمانك بتكرار الركوع
والسجود؟ ألا يكون من الأفضل أن
تنظر إلى داخلك وتصلي إلى ربك
بقلبك وأنت ساكن؟ أجاب: بأي وسيلة
أخرى تعتقد أننا يمكن أن نعبد
الله؟ ألم يخلق الروح والجسد
معاً؟ وبما أنه خلقنا جسداً
وروحاً ألا يجب أن نصلي بالجسد
والروح؟ ثم مضى يشرح المعنى من
حركات الصلاة، أيقنت بعد ذلك
بسنوات أن ذلك الشرح البسيط قد
فتح لي أول باب للإسلام"
بعد
هذه الحادثة بشهور كان يدخل
الجامع الأموي في دمشق يقول محمد
أسد:·"في يوم ذهبت مع صديق إلى
الجامع الأموي، ورأيت الناس
يصلون"، ويصف هذا المشهد بقوله:
"اصطف مئات المصلين في صفوف طويلة
منتظمة خلف الإمام، ركعوا وسجدوا
كلهم في توحد مثل الجنود، كان
المكان يسوده الصمت يسمع المرء
صوت الإمام من أعماق المسجد
الجامع يتلو آيات القرآن الكريم،
وحين يركع أو يسجد يتبعه كل
المصلين كرجل واحد، أدركت في تلك
اللحظة مدى قرب الله منهم وقربهم
منه بدا لي أن صلاتهم لا تنفصل عن
حياتهم اليومية بل كانت جزءاً
منها، لا تعينهم صلاتهم على نسيان
الحياة بل تعمقها أكثر بذكرهم
لله، قلت لصديقي ومضيفي ونحن
ننصرف من الجامع: ما أغرب ذلك
وأعظمه! إنكم تشعرون أن الله قريب
منكم، أتمنى أن يملأني أنا أيضاً
ذلك الشعور، رد صاحبي: ما الذي
يمكن أن نحسه غير ذلك! والله يقول
في كتابه العزيز: "ولقد خلقنا
الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه
ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ".
وكتبَ عن الضيافة "ما أجمل أن
ينزل الإنسان ضيفا على العربي! أن
تكون ضيفا على عربي إنما يعني
نفاذك إلى صميم الحياة".
ثم
يصف مشهدا آخر "في دمشق ما أكثر
ما رأيت زبونا يقف أمام دكان غاب
صاحبه عنه، فيتقدم التاجر المجاور
مزاحم! ويبيع الزبون من بضاعة
جاره لا بضاعته هو! ويترك له
الثمن، أين في أوربا يستطيع المرء
أن يشاهد مثل هذه الصفقة؟!".·
ويقول بعد ذلك:"تركت تلك الشهور
الأولى التي عشتها في بلد عربي
قطاراً طويلاً من الانعكاسات
والانطباعات، لقد واجهت مغزى
الحياة وجهاً لوجه وكان ذلك
جديداً تماماً على حياتي، الأنفاس
البشرية الدافئة تتدفق من مجرى دم
أولئك الناس إلى أفكارهم بلا
تمزقات روحية مؤلمة من عدم
الاطمئنان والخوف والطمع والإحباط
الذي جعل من الحياة الأوروبية
حياة قبيحة وسيئة لا تعد بأي شيء
"
"أحسست بضرورة فهم روح تلك الشعوب
المسلمة لأني وجدت لديهم تلاحماً
عضوياً بين الفكر والحواس، ذلك
التلاحم الذي فقدناه نحن
الأوروبيين، واعتقدت أنه من خلال
فهم أقرب وأفضل لحياتهم يمكن أن
أكتشف الحلقة المفقودة التي تسبب
معاناة الغربيين وهي تأكل التكامل
الداخلي للشخصية الأوروبية، لقد
اكتشفت كنه ذلك الشيء الذي جعلنا
نحن أهل الغرب ننأى عن الحرية
الحقة بشروطها الموضوعية التي
يتمتع بها المسلمون حتى في عصور
انهيارهم الاجتماعي والسياسي".
"ما
كنت أشعر به في البداية لا يعدو
أكثر من تعاطف مع شكل الحياة
العربية والأمان المعنوي الذي
أحسبه فيما بينهم تحوّل بطريقة لا
أدركها إلى ما يشبه المسألة
الذاتية، زاد وعيي برغبة طاغية في
معرفة كنه ذلك الشيء الذي يكمن في
أسس الأمن المعنوي، والنفسي وجعل
حياة العرب تختلف كلياً عن حياة
الأوروبيين، ارتبطت تلك الرغبة
بشكل غامض بمشكلاتي الشخصية
الدفينة، بدأت أبحث عن مداخل تتيح
لي فهماً أفضل للشخصية العربية
والأفكار التي شكلتهم وصاغتهم
وجعلتهم يختلفون روحياً عن
الأوروبيين، بدأت أقرأ كثيراً
بتركيز في تاريخهم وثقافتهم
ودينهم، وفي غمرة اهتمامي أحسست
بأني قد توصلت إلى اكتشاف ما يحرك
قلوبهم ويشغل فكرهم ويحدد لهم
اتجاههم، أحسست أيضاً بضرورة
اكتشاف القوى الخفية التي تحركني
أنا ذاتي وتشكل دوافعي وتشغل فكري
وتعدني أن تهديني السبيل".
"قضيت كل وقتي في دمشق أقرأ من
الكتب كل ما له علاقة بالإسلام،
كانت لغتي العربية تسعفني في
تبادل الحديث؛ إلا أنها كانت أضعف
من أن تمكنني من قراءة القرآن
الكريم، لذا لجأت إلى ترجمة
لمعاني القرآن الكريم، أما ما عدا
القرآن الكريم فقد اعتمدت فيه على
أعمال المستشرقين الأوروبيين.
ومهما كانت ضآلة ما
عرفت إلا أنه كان أشبه برفع ستار،
بدأت في معرفة عالم من الأفكار
كنت غافلاً عنه وجاهلاً به حتى
ذلك الوقت، لم يبدُ لي الإسلام
ديناً بالمعنى المتعارف عليه بين
الناس لكلمة دين؛ بل بدا لي
أسلوباً للحياة، ليس نظاماً
لاهوتياً بقدر ما هو سلوك فرد،
ومجتمع يرتكز على الوعي بوجود إله
واحد، لم أجد في أي آية من آيات
القرآن الكريم أي إشارة إلى
احتياج البشر إلى الخلاص الروحي
ولا يوجد ذكر لخطيئة أولى موروثة
تقف حائلاً بين المرء وقدره الذي
قدره الله له، ولا يبقى لابن آدم
إلا عمله الذي سعى إليه، ولا يوجد
حاجة إلى الترهب والزهد لفتح
أبواب خفية لتحقيق الخلاص، الخلاص
حق مكفول للبشر بالولادة،
والخطيئة لا تعني إلا ابتعاد
الناس عن الفطرة التي خلقهم الله
عليها، لم أجد أي أثر على
الثنائية في الطبيعة البشرية
فالبدن والروح يعملان في المنظور
الإسلامي كوحدة واحدة لا ينفصل
أحدهما عن الآخر".
"أدهشني في البداية اهتمام القرآن
الكريم ليس بالجوانب الروحية فقط
بل بجوانب أخرى غير مهمة من
الأمور الدنيوية، ولكن مع مرور
الوقت بدأت أدرك أن البشر وحدة
متكاملة من بدن وروح، وقد أكد
الإسلام ذلك، لا يوجد وجه من وجوه
الحياة يمكن أن نعده مهمشاً؛ بل
إن كل جوانب حياة البشر تأتي في
صلب اهتمامات الدين، لم يدع
القرآن الكريم المسلمين ينسون أن
الحياة الدنيا ليست إلا مرحلة في
طريق البشر نحو تحقيق وجود أسمى
وأبقى وأن الهدف النهائي ذو سمة
روحية، ويرى أن الرخاء المادي لا
ضرر منه إلا أنه ليس غاية في حد
ذاته، لذلك لا بد أن تُقنن شهية
الإنسان وشهواته وتتم السيطرة
عليها بوعي أخلاقي من الفرد، هذا
الوعي لا يوجه إلى الله فقط؛ بل
يوجه أيضاً إلى البشر فيما بينهم،
لا من أجل الكمال الديني وحده بل
من أجل خلق حالة اجتماعية تؤدي
إلى تطور وعي للمجتمع بأكمله حتى
يتمكن من أن يحيا حياة كاملة".
"نظرت إلى كل تلك الجوانب الفكرية
والأخلاقية بتقدير وإجلال، كان
منهجه في تناول مشكلات الروح أعمق
كثيراً من تلك التي وجدتها في
التوراة، هذا عدا أنه لم يأت لبشر
دون بشر ولا لأمة بذاتها دون
غيرها، كما أن منهجه في مسألة
البدن بعكس منهج الإنجيل منهج
إيجابي لا يتجاهل البدن، البدن
والروح معاً يكونان البشر كتوأمين
متلازمين، سألت: ألا يمكن أن يكون
ذلك المنهج هو السبب الكامن وراء
الإحساس بالأمن والتوازن الفكري
والنفسي الذي يميز العرب
والمسلمين"
بعد
أن غادر سوريا بقي شهوراً في
تركيا في طريق عودته إلى أوروبا
لتنتهي رحلته الأولى إلى العالم
الإسلامي.
"بدأت انطباعاتي عن تركيا تفقد
حيويتها وأنا في القطار المتوجه
إلى فيينا وما ظل راسخاً هو
الثمانية عشر شهراً التي قضيتها
في البلاد العربية، صدمني إدراكي
أني أتطلع إلى المشاهد الأوروبية
التي اعتدتها بعيني من هو غريب
عنها، بدا الناس في نظري في غاية
القبح وحركاتهم خالية من الرقة،
ولا علاقة مباشرة بين حركاتهم وما
يدرونه ويشعرون به، أدركت فجأة
أنه على الرغم من المظاهر التي
تنبئ بأنهم يعرفون ما يريدون إلا
أنهم لا يعرفون أنهم يحيون في
عالم الإدعاء والتظاهر، اتضح لي
أن حياتي بين العرب غيرت منهجي
ورؤيتي لما كنت أعده مهماً
وضرورياً للحياة، تذكرت بشيء من
الدهشة أن أوروبيين آخرين قد مروا
بتجارب حياتية مع العرب وعايشوهم
أزماناً طويلة فكيف لم تعترهم
دهشة الاكتشاف كما اعترتني، أم أن
ذلك قد وقع لهم أيضاً؟ هل اهتز
أحدهم من أعماقه كما حدث لي "
اراد أن يقف أمام أبيه المحامي
ليثبت صحة قضيته "توقفت بضعة
أسابيع في فيينا واحتفلت بتصالحي
مع أبي الذي سامحني على ترك
دراستي الجامعية ومغادرتي منـزل
الأسرة بتلك الطريقة الفجة، على
أي حال كنت مراسلاً لجريدة
(فرانكفورتر زيتونج) وهو اسم يلقى
التقدير والتبجيل في وسط أوربا في
ذلك الوقت، وهكذا حققت في نظره
مصداقية ما زعمت له قبل ذلك من
أني سأحقق ما أصبو إليه وأصـل إلى
القمة"
خطوات الواثق على الطريق تحتاج
أحيانا كثيرة لإشارات تدل على
صحتها "رحلت بعد ذلك من فيينا
مباشرة إلى فرانكفورت لأقدم نفسي
شخصياً إلى الصحفية التي كنت
أمثلها في الخارج على مدى عام،
كنت في طريقي إليها وأنا أشد ثقة
بنفسي فالرسائل التي كنت أتلقاها
من فرانكفورت أظهرت لي أن مقالاتي
كانت تلقى كل التقدير والترحيب"
"أن
أكون عضواً عاملاً في مثل تلك
الصحيفة كان مصدر فخر واعتزاز
لشاب في مثل سني، وعلى الرغم من
أن مقالاتي عن الشرق الأوسط قوبلت
باهتمام شديد من قبل جميع
المحررين إلا أن نصري الكامل تحقق
في اليوم الذي كلفت فيه أن أكتب
مقالاً افتتاحياً بالصحيفة عن
مشكلة الشـرق الأوسط"
"كان من نتائج عملي في جريدة
(فرانكفورتر زيتونج) النضج المبكر
لتفكيري الواعي، كما نتجت عنه
رؤية ذهنية أكثر وضوحاً من أي وقت
مضى، فبدأت في مزج خبرتي بالشرق
بعالم الغرب الذي أصبحت جزءاً منه
من جديد، منذ عدة شهور مضت اكتشفت
العلاقة بين الاطمئنان النفسي
والعاطفي السائد في نفوس العرب
وعقيدة الإسلام التي يؤمنون بها،
كما بدأ يتبلور في ذهني أن نقص
التكامل النفسي الداخلي
للأوروبيين وحالة الفوضى
اللاأخلاقية التي تسيطر عليهم قد
تكون ناتجة من عدم وجود إيمان
ديني قد تكونت الحضارة الغربية في
غيابه، لم ينكر المجتمع الغربي
الآله إلا أنه لم يترك له مكاناً
في أنساقه الفكرية"
وقفات في تفكيره :"كل مفردات
الشريعة، وضعت للإنتفاع المتساوى
بين أفراد المجتمع، بدون تمييز
بين مكان المولد، الأعراق، الجنس،
أو ولاء إجتماعى سابق. لا منافع
خاصة حجزت لمؤسس المجتمع أو
أحفاده. لذلك قال الرسول عليه
الصلاة والسلام ما معناه: نحن
معشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه
صدقة". لا توجد طبقات عليا وطبقات
دنيا فى المفهوم الإجتماعى، ليست
من مفردات القاموس الإسلامى؛ ولا
أثر لها فى الشريعة الغراء. كل
الحقوق والواجبات والفرص، موزعة
بين أفراد المجتمع المؤمن
بالتساوي.لا يوجد كهنة بين الله
والإنسان، لأن الله يعلم ما بين
أيديهم وما خلفهم. لا ولاء، إلا
لله ورسوله، وبأمر من الله
للوالدين، وللمجتمع المسلم المنوط
بتحقيق مملكة الله على الأرض؛
وبذلك فلا يجوز الذى يعلى كلمة
"بلادى" أو "أمتى"، ولتوضيح هذا
المفهوم، فإن رسول الله صلى الله
عليه وآله وسلم فى أكثر من
مناسبة، قال بوضوح: "ليس منا من
دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل
على عصبية، وليس منا من مات على
عصبية".
كل
المنظمات قبل الإسلام حتى الدينية
أو شبه الدينية كانت تنهج المفهوم
الضيق، للعصبية القبلية
والعشائرية. فمثلا الملوك
المتألهين، الفراعنة فى مصر، لا
يفكرون إلا فى أضيق الحدود التى
يعيش فيها المصريون؛ وحتى إله بنى
إسرائيل فهو إله فقط للشعب
المختار. بالعكس فالمفاهيم
المستقاة من القرآن الكريم ترفض
رفضا باتا التمسك بالعشيرة أو
القبيلة. الإسلام افترض مجتمعا
سياسيا بعيدا عن الإنقسامات
العرقية والقبلية. وفى هذا المجال
فإن الإسلام والنصرانية يتفقان فى
الدعوة العالمية (!) بعيدا عن
القبلية، وفى حين أن النصرانية قد
حددت نفسها فى مفهوم "أعطى ما
لقيصر لقيصر، وما لله لله"، إلا
أن مفهوم الإسلام أوسع من ذلك،
فقد دعى كل الأمم أن يكون الولاء
لله فقط. وبذلك لتحقيق ما لم
تحققه النصرانية فقد أضاف الإسلام
منظورا آخر فى تطوير الإنسان: دعا
إلى مجتمع مفتوح عقائديا،
بالمقارنة مع المجتمعات المغلقة
التي نشأت فى الماضى، عرقيا،
وجغرافيا".
"رسالة الإسلام أعطت تصورا، ومنحت
البشرية حضارة لا مكان فيها
للقومية، لا مصالح شخصية، لا
طبقية، لا كنيسة، لا كهنة، لا
طبقة نبلاء متوارثة، فى الحقيقة،
لا شئ متوارث على الإطلاق. ومن
أهم الميزات فى هذه الحضارة ميزة
لم توجد فى أى تحركات للإنسان عبر
التاريخ أنها نشأت عن قناعة
وإتفاق تطوعي بين معتنقيها والله.
هنا، التقدم الإجتماعي مخالف عما
حدث فى المجتماعات الأخرى لم يحدث
نتيجة لضغوط، ومقاومة لهذه
الضغوط، نتيجة للمصالح المتعارضة،
ولكن كجزء لا يتجزأ من تعليمات
أصيلة. وبكلمات أخرى، هناك عقد
إجتماعى متأصل فى النفوس، يسيطر
على جذور الأعمال ليس نتيجة أوامر
صاغها من بيدهم الأمر دفاعا عن
مكتسباتهم بل حقيقة متأصل جذورها
فى الحضارة الإسلامية. فقد ذكر
القرآن الكريم "إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم
الجنة ... فاستبشروا ببيعكم الذى
بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم".
عرفت من تتبعى لقراءة الحضارة
الإسلامية أن هذا العقد الذى سجله
التاريخ قد تحقق لفترة وجيزة جدا،
أو بالأحرى فخلال فترة وجيزة جدا
كانت هناك محاولات جادة لتحقيقه.
فيما أقل من قرن بعد موت النبى
صلى الله عليه وسلم، النظام النقي
للإسلام بدأ فى الفساد السياسي،
ودفع فى القرون التالية إلى
الخلف. ظهرت التطلعات العشائرية
لإمتلاك القوة، بديلا عن الرأى
الحر للرجال والنساء، الملكية
الوراثية بديلا عن المفهوم
السياسي فى الإسلام كنوع من الشرك
فى المفهوم الإسلامي " ومع هذا
أيضا ظهرت الدسائس والصراعات
القبلية والظلم، وإضمحلال الوازع
الديني، والمهانة فى خدمة من بيده
السلطة: باختصار حلت المصالح
الشخصية التى عرفت فى التاريخ.
ولوقت من الزمن، حاول علماء
ومفكرين عظام، أن يعيدوا للإسلام
رونقه ويذكروا الناس بمفاهيمه
النقية، ولكن جاء من بعدهم أقوام
دأبوا على تقليد الأجيل السابقة،
وانتكسوا بعد قرنين أو ثلاثة
قرون، وتوقفوا عن التفكير لأنفسهم
متناسين أن كل عصر يختلف عن
سابقه، وكل عصر له احتياجاته
الخاصة التى تحتاج إلى التجديد.
لقد كان الدفع الأصلي للإسلام فى
بدايته عظيما، ورفع الأمة
الإسلامية إلى مستويات عالية من
الثقافة والحضارة العظيمة حتى أن
المؤرخين يسمون ذلك العصر الذى
تحقق، بالعصر الذهبي للإسلام، من
الناحية الأدبية، والفنية،
والعلمية، والثقافية، ولكن بعد
ذلك العصر بقرون بسيطة خمد الحافز
الإيماني الذى كان يغذي هذا
التقدم، وأصبحت الحضارة الإسلامية
راكدة، ومجردة من قوتها المبدعة
لم أتأثر بالوضع
الحالى للعالم الإسلامى". ولعلها
حصانة المفكر أو حصانة المؤمن
المسلم وما يملكه من نبع صاف من
وحي رب العالمين :الكتاب الكريم
والسنة الصحيحة.
المرأة الأولى:
ولأن الإنسان كائن إجتماعي
فالمرأة والرجل يلعب كل منهما
دورا في حياة الآخر، عند صاحبنا
كانت إلزا فيقول :"السنتان اللتان
أمضيتهما فى الخارج، لم يضعفا من
حبنا البعض، بل زادته قوة،
وبسعادة غامرة لم أشعر بها من
قبل، استقبلت تعليقاتها على الفرق
الكبير فى السن بيننا." ولكن كيف
تتزوجني ؟"، بدأت فى النقاش معي.
"أنت لم تصل بعد للست والعشرين
عاما، وأنا فوق الأربعين، ألا
تفكر فى ذلك، حينما تصل للثلاثين،
سأكون أنا فى الخامسة والأربعين،
وحينما تصل أنت للأربعين، سأكون
إمرأة عجوز".
أخذت فى الضحك! "وما فى ذلك؟"،
إننى لا أرى مستقبلا بدونك.
وأخيرا سلمت للأمر.
لم
أبالغ حينما قلت لها إننى لا أرى
مستقبلا بدونك. جمالها، ورقتها
الفطرية، جذبتني إليها بحيث لا
أرى أى امرأة أخرى؛ وحساسيتها فى
فهم ماذا أريد من الحياة، أضاء
أمالى، ورغباتى، وأصبحت من
الصلابة بمكان وأكثر إدراكا، وطغت
على تفكيري فى ماذا أعمل؟
فى
أحد المناسبات - بعد حوالى أسبوع
من زواجنا، أبدت لى هذه الملاحظة:
"كم أنت غريب الأطوار عن كل
الناس؟ يجب عليك أن تخفض من
روحانيات فى الدين أنت صوفى
النزعة! - حساس فى صوفيتك، تشير
بأصابعك إلى ما حولك فى الحياة،
ولك رؤية متعمقة روحانية فيما
يدور حولك يوميا من أشياء - بينما
تمر مثل هذه الأشياء على الآخرين
بلا إكتراث ولكنك حينما تتجه إلى
الدين، فكلك تركيز مع الناس
الآخرين فالوضع بالعكس تماما ولكن
إلزا لم تكن فى حيرة، فهى تعلم عن
ماذا أبحث حينما أتكلم معها عن
الإسلام؛ وبالرغم من أنها لم تكن
فى نفس درجتي من الإضطرار، إلا أن
حبها لي جعلها تشاركني تساؤلاتي.
كثيرا ما كنا نقرأ القرآن سويا،
ونتناقش فى أفكاره؛ وكانت إلزا
كما كنت أنا، معجبين بالتمساك
الداخلى بين تعاليمه الأخلاقية،
وإرشاداته العملية. فاستنادا إلى
القرآن الكريم، فالله لم يدع
الإنسان إلى أن يتضرع إليه مغصوب
العينين، بل لابد له أن يعمل
عقله؛ لم يتنح الله بعيدا عن
الإنسان، بل هو أقرب إليه من حبل
الوريد؛ لم يخط الله خطا فاصلا
بين الإيمان والسلوك الإجتماعى؛
والشئ الذى يعتبر فى غاية
الأهمية، أن الإسلام لم يبدأ من
بديهية أن الحياة محملة بالصراع
بين الروح والجسد، وأن النجاة هى
فى تحرير الإنسان من قيود الجسد.
كل مظهر من مظاهر أنكار الحياة،
وتحقير الإنسان لنفسه، أدانها
الإسلام فى أحاديث لرسول الله صلى
الله عليه وسلم. فالإنسان مطالب
بأن يعيش حياته كاملة وبشكل
إيجابى، فما منحت غرائزه إلا
لتؤدى ثمرتها، ولكن ليستخدمها
بطهر وأخلاق وفى محلها الصحيح.
ومن التعاليم للإنسان: أنه ليس لك
فقط أن تعيش حياتك، بل المفروض
عليك أن تعيشها بكل أبعادها.
صورة متكاملة للإسلام تنبثق فى
ذهني وبشكلها النهائي وبتحديد،
مما أدهشني أحيانا! كانت تتشكل فى
عملية من الممكن أن أسميها
تفاعلات ذهنية - وبدون وعي مني،
فقد بدأت تتجمع من أجزاء متفرقة
ومنتظمة، فإذا وضعت هذه
المتناثرات بعضها إلى بعض، رأيت
نظاما هندسيا دقيقا، أخذ ذهني
يجمعه فى السنوات الأربع الماضية،
لأرى بناء كل عناصره متناسقة
منسجمة، تتجمع لتتمم وتعاضد بعضها
البعض، لا شئ فيه ينقصه، ولا شئ
يزيد عن متطلباته - متزن وهادئ،
يعطى الإنطباع بأن مسلمات الإسلام
كلها فى وضعها الصحيح منذ ثلاثة
عشر قرنا مضت".
وقف
رجل وهو يقول: "ما أنا إلا رجل
هالك، ولكن الذى خلق الكون أوحى
إلى أن أحمل رسالته لكم، حتى
تعيشوا منسجمين مع كل خلقه، وقد
أمرني بأن أذكركم بوجوده إلاها له
كل القدرة وكل العلم، وقد وضع لكم
منهاجا للسلوك الصحيح، إذا
قبلتموه فلتتبعوني هذا كان هو
الرسول محمد صلى الله عليه وآله
وسلم، وهذه كانت رسالته النظام
الإجتماعي الذى أعلنه، كان من
البساطة التى تربط مفرداته
بالعظمة الحقيقية. بدأ بالتسليم
بأن الإنسان كائن حي له متطلبات
حيوية، وهذه المتطلبات تخضع للحل
والحرمة اللذان يقرهما الله
سبحانه وتعالى، وأن الإنسان
اجتماعي بطبعه يحتاج إلى مجتمع
يحيط به، ولكي يحقق إحتياجاته
الثقافية والأخلاقية والطبيعية،
فلابد أن يعتمد كل على الآخر. إن
ازدهار القوام الروحي للإنسان،
يعتمد عما إذا كان يتلقى دعما،
وتشجيعا، وحماية له ممن حوله. هذا
التكافل الإجتماعي، يظهر السبب
لماذا يهتم الإسلام بالنواحي
العامة الإقتصادية والسياسية، ولا
ينفصل عنها. ولتنظيم علاقات
إنسانية بطريقة عملية بحيث لو
قابل أى فرد بعض العقبات، يجد
التشجيع اللازم لتنمية شخصيته:
هذا، ولا شئ آخر، يبدو أنه هو
مفهوم الإسلام للوظيفة الحقيقة
للمجتمع. وهكذا كان من الطبيعي أن
التشريع الذى أتى به سيدنا محمد
عليه الصلاة والسلام في زمن لا
يتعدى ثلاثة وعشرين عاما من
مبعثه، لا يرتبط فقط بالنواحي
الروحية، بل يمتد ليشمل الإطار
لكل الأفراد وللمجتمع أيضا. يشمل
ليس فقط مفهوم النقاء الفردي،
ولكن يتضمن المجتمع العادل الذى
يؤدي هذا النقاء إليه. كذلك يتضمن
الخطوط العريضة للمجتمع السياسي،
أما التفاصيل فمتروكة للتطورات
التى تحدث مع الزمن المتغير، كما
يحدد حقوق الأفراد وواجباتهم نحو
المجتمع الذى يعيشون فيه، آخذا
بعين الإعتبار حقيقة ما يجد من
أمور".
فى
أحد الأيام - كان ذلك فى سبتمبر
1926م - كنت أنا وإلزا نستقل مترو
الأنفاق فى برلين، كنا فى الدرجة
الأولى. وقعت عيني بالصدفة على
رجل أنيق، يظهر أنه من رجال
الأعمال، ويحمل حقيبة جميلة على
رجليه، وبيده خاتم كبير الحجم من
الماس!!! ولم يكن هذا المنظر
للرجل غريبا فى هذه الأيام، وهو
يعكس الرخاء الذى حل بوسط أوروبا،
بعد سنوات التضخم التى قلبت
الموازين رأسا على عقب. معظم
الناس الآن يلبسون ثيابا جيدة،
ويأكلون الطيب من الطعام، ولذلك
فالرجل الجالس قبالتي ليس بدعا فى
ذلك. ولكني عندما تحققت فى وجهه،
وجدت الكآبة عليه! كان يظهر عليه
القلق: وليس فقط القلق، بل
التعاسة أيضا، عيونه تحملق إلى
أعلى، وزوايا فمه تتحرك كأن به
ألم، ليس ألما جسماني. وحتى لا
أتهم بالوقاحة فقد صرفت عيني عنه،
لتقع على سيدة أنيقة. فوجدت أيضا
التعاسة على وجهها، وكأنها تعاني
من شئ ما، ولكن الإبتسامة على
وجهها كانت ابتسامة متكلفة. وهكذا
بلا وعي أصبحت أتلفت حولي فى
الوجوه التي بالمقصورة، لأرى أن
الغالبية من الوجوه، تعكس معاناة
مخبوءة فى العقل الباطن لهم، وهم
لا يشعرون بذلك.
فى
الحقيقة كان شيئا غريبا بالنسبة
لي! لم أر من قبل مثل هذا العدد
من التعساء، وربما لأنه لم يسبق
لي أن تفحصت مثل هذه الوجوه، لأجد
هذه الظاهرة تصرخ بأعلى الصوت فى
وجوههم. الإنطباع كان قويا داخلي،
حتى أنني ذكرته لـ
إلزا، والتى بدأت هى
الأخرى تجول فى الوجوه التعسة
بعناية، وهى "الرسامة" المتعودة
على كشف تعبيرات الوجوه البشرية.
التفتت نحوي مستغربة قائلة "أنت
على حق، كلهم يظهر عليهم كأنهم
يعانون من عذاب الجحيم، أتساءل:
هل ياترى، هل يدرون ما يدور فى
أنفسهم؟
أنا
أعرف أنهم بالطبع لا يعلمون شيئا
عن ذلك، وإلا لأنقذوا أنفسهم من
تضييع حياتهم فيما يتعسها، بلا
إيمان، وبعيدا عن الحقيقة، بلا
هدف غير جمع الأموال، والثروة
والجاه، ورفع مستوى معيشتهم، بلا
أمل غير امتلاك وسائل للراحة
أكثر، وأمور مادية أكثر، وإمتلاك
للقوة أكثر. حينما عدنا للمنزل،
ألقيت نظرة على مكتبي، وعليه نسخة
من القرآن الكريم، فأردت أن أضعها
فى المكتبة، ولكني بطريقة تلقائية
فتحته لأقرأ فيه، فوقعت عيني على
سورة التكاثر، فأخذت أقرأها
{
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ
الرَّحِيمِ
أَلْهَاكُمُ
التَّكَاثُرُ {1} حَتَّى زُرْتُمُ
الْمَقَابِرَ {2} كَلَّا سَوْفَ
تَعْلَمُونَ {3} ثُمَّ كَلَّا
سَوْفَ تَعْلَمُونَ {4} كَلَّا
لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
الْيَقِينِ {5} لَتَرَوُنَّ
الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ
لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
{7} ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ {8}
}
فى
لحظة انعقد لساني عن الكلام.
واهتز الكتاب فى يديي، وناولته لـ
إلزا، إقرئ هذا! أليست
هذه هى الإجابة على ما شاهدناه فى
مترو الأنفاق؟؟؟
نعم إنها الإجابة نعم
إنها الإجابة القاطعة والتى أزالت
أى شك عندي أن هذا الكتاب الذى
بين يدي الآن، هو وحي من عند الله
العليم بالنفوس: فمنذ ثلاثة عشر
قرنا أنزل على رجل لا يعلم دخائل
النفوس، ولا يتوقع هذه الصورة
التي رأيناها اليوم فى مترو
الأنفاق، والوضع المعقد الذى
نعيشه الآن.
فى
كل الأوقات كان الجشع موجودا،
ولكنه لم يكن فى وقت من الأوقات
من قبل بمثل هذه البشاعة، كان
مجرد رغبة فى امتلاك الأشياء،
ولكن أن يصبح ذلك هوسا يغطي على
كل شئ آخر: شهوة لا تقاوم، لتعمل
ولتدبر أكثر فأكثر، اليوم أكثر من
أمس، والغد أكثر من اليوم، شيطان
يلوي أعناق الرجال ويلهب قلوبهم
بالسياط لينفذوا مأربهم التى تبرق
أمامهم، ولكن حين يصلوا إليها لا
يجدوها إلا شيئا حقيرا، وما أن
تقع فى أيديهم حتى يتطلعوا إلى
مآرب جديدة أخرى براقة، ذات إغراء
أكثر، سراب بقيعة يحسبه الظمآن
ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا،
هذا الجوع، والجوع النهم سيظل
دائما موجودا، لن يصلوا إلى الشبع
مطلقا:
{كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ
الْيَقِينِ {5} لَتَرَوُنَّ
الْجَحِيمَ {6} ثُمَّ
لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ
{7} ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ
يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ {8}
}
الآن رأيت أن هذه ليست حكمة رجل
فى التاريخ الغابر فى الجزيرة
العربية. مهما كان من الحكمة، فهو
لن يتنبأ بالجحيم الذى نعايشه فى
القرن العشرين. القرآن يتكلم بصوت
أكبر من صوت محمد عليه الصلاة
والسلام".
"ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ " دشّن
حياة المهنة بالتطواف في أنحاء
العالم الاسلامي، كمراسل صحافيّ.
والوطن الإٍسلامي آنذاك كان يعيش
حالة الانهيار والهزيمة، وإذا
كانت المفارقات تنبّه النفوس
وتحرّك العقول، فلا شكّ أنّ "فايس
ـ الأبيض ـ " بعقله النيّر قد
لاحظ هذه المفارقة التي تزامنت
آنذاك بين الأيّام القريبة لصولة
الدولة الاسلاميّة، واتّساعها
شرقاً وغرباً لتحتلّ حتى جزءاً من
وطنه النمساويّ، وبين حالها بعد
الحرب العالميّة الأولى
وهكذا بينما كان
صاحبنا منبهراً بالقوّة الكامنة
في الاسلام، كان في الوقت نفسه،
يحسّ بالاشفاق والعطف على هذه
الأمة التي غدت حائرة تنشد طريقاً
للخلاص ونهاية للمحنة
كل ذلك تحوّل الى
اهتمام جارف لدى "فايس ـ الأبيض ـ
" بوضع المسلمين ليجد لنفسه، في
النهاية، أزاء خيار وحيد، وهو أن
يعتنق الاسلام، بعد إسلامه بست
سنوات كان يقطع الصحراء الكبرى
قادماً من "قصر عثيمين" على
الحدود السعودية العراقية وقاصداً
مكة، كانت رحلة مليئة بالمفاجأة
والمغامرة لقد أشرف فيها على
الموت. وكتب كتابه "الطريق إلى
مكة" يقص فيه التفاصيل المثيرة
لهذه الرحلة، ويقص معها تفاصيل
رحلة أخرى رحلة روحه إلى مكة،
رحلتها إلى الإسلام.
أعلن إعتناقه للإسلام عام 1926م في
الجزيرة العربية أثناء صحبته
للملك عبدالعزيز بن سعود
مؤسس المملكة العربية
السعودية، وكان من أخلص خلصائه،
وقد سجل قصة إسلامه في أشهر
كتبه وأثمنها "الطريق
إلى مكة" الذي صدر لأول مرة
بتقديم المرحوم عبدالوهاب عزام
سفير مصر في باكستان.
تسلل
في مطلع الثلاثينيات إلى ليبيا
أثناء ثورة عمر المختار وخاض معه
الجهاد ضد المستعمر
الإيطالي.
ثم انتقل بعد ذلك إلى الهند بدعوة من
الشاعر محمد إقبال،
فأقنعه بوضع عصا الترحال، فكان له
دور كبير في تأسيس باكستان،
واعتقل مدة لكونه يحمل
الجنسية النمساوية المعادية. ومات
أبواه في معسكر
الاعتقالات النازية في
الوقت نفسه الذي كان يكابد هو
الاعتقال في سجون
الحلفاء، وفي تلك
المدة ألف كتابه الشهير "الإسلام
على مفترق الطرق"، ونشره لأول مرة
عام 1936م بعد قيام باكستان اشتغل
مديراً لدائرة "إحياء النظم
الاسلامية" في البنجاب الغربيّة،
ثم أصبح مدير قسم الشرق الأوسط في
وزارة الخارجية في
باكستان بعد قيام دولة
باكستان، فمندوبها الدائم في
الأمم المتحدة حتى عام 1952م وفي
تلك المدة ألف كتابه
"مبادئ الدولة في الإسلام" عام
1947م، وبعد استقالته من منصبه
عام 1952م تفرغ لمشروع
حياته الأكبر "ترجمة القرآن"
والذي أصدره عام 1980م فبين عام
1964م ~ وعام 1980م أنجز "مشروع
العمر"، باسلوب عصريّ خاطب فيه
العقل الأوروبي مباشرة بلغة
يفهمها.
وأنشأ بمعاونة "وليم بكتول" ـ
الذي أسلم ايضا ـ مجلّة الثقافة
الاسلامية في حيدر آباد الدكن
1927م، وكتب فيها دراسات وافرة في
تصحيح أخطاء المستشرقين عن
الاسلام. كما ترجم صحيح البخاري
1935م،
واضطر
أخيرا للهجرة من بلاد
الإسلام ليحافظ على استقلال رأيه
فأقام منذ أوائل الثمانينات
في طنجة فالبرتغال
فأسبانيا. حتى وافاه الأجل
المحتوم وهو يعد الجزء الثاني من
مذكراته "عودة القلب
إلى وطنه" وكانت وفاته يوم الخميس
الكائن في 20 فبراير 1992م
الموافق يوم 17 شعبان
1412هـ ودفن في مقابر المسلمين في
غرناطة.
رفض
دولة إسرائيل وحاربها حتى آخر
أيامه. وتزوج ثلاث مرات، وكان قد
اعتنق الإسلام بصحبة
زوجته الأولى "إليزا"
لكنها ما لبثت أن ماتت فتزوج
بامرأة عربية رزق منها بابنه
الوحيد الدكتور طلال:
الذي يعمل مدرسا في إحدى الجامعات
الأمريكية ثم انفصل عنها
وتزوج في نيويورك
زوجته الثالثة "بولا حميدة"
قصة حياة المفكر الإسلامي والسياسي
"محمد الأسد" تفتح أمامنا العديد
من التساؤلات ومنها:
كيف ليهودي في ذلك العصر وهو المولود في
اوروبا وسليل عائلة انجبت العديد
من الحاخامات ان يعتنق الدين
الاسلامي وان يحمل هم
هذه
الامه؟
ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ او محمد اسد
ذلك اليهودي المعتنق للأسلام
حديثاً
يحمل رساله الى المجاهد المحاصر
عمر المختار
!!
ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ او محمد
أسد
يعمل على بناء مراكز
للدراسات الاسلاميه في باكستان !!
ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ او محمد
اسد يحث مفكر الاسلام
محمد اقبال لكتابة المقدمات
المنطقيه لقيام الدوله الاسلاميه
!!
ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ او محمد اسد
يقوم بأدوار مهمه في بداية نشوء
دولة باكستان
!!
ولعل الجواب المقنع الوحيد هو هداية
الله سبحانه وتعالى له فكتبَ:"
ويممت وجه الله، والقلب ذاكر وكان
صدى "لبيك" يغلي بمسمعي، إن
الكعبة ترمز إلى الوحدانية
والوحدة، أما الطواف حولها فيرمز
إلى جهود الحياة الإنسانية،
وتقدمتُ أطوفُ وأصبحت جزءً من سيل
دائري!، لقد أصبحت جزءً من حركة
في مدار!، وتلاشت الدقائق، وهدأ
الزمن نفسه وكان هذا المكان محور
العالم".
وآخر دعوانا أن الحمد لله ويقول خالقنا
ورازقنا {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ
وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم
لِمَا يُحْيِيكُمْ}[الأنفال:24]
المراجع الأصلية:
(1)
الإسلام على مفترق الطرق.
(2)
الطريق إلى مكة
أعد
هذا الجزء، الثاني، من ملف
"ليوبولد فايس ـ الأبيض ـ محمد
أسد:
محمد الرمادي
فيينا على الدانوب الأزرق يوم
الثلاثاء الكائن في 18 ربيع
الثاني 1430هـ الموافق 14 أبريل
2009م.
مواضيع ذات الصله
أفتتاح ساحة محمد أسد بفيينا..
لدعم التعايش في النمسا
شاهد صور حفل
الأفتتاح
من
هنا |