|
Jean Omer Marie Gabriel Monnet
“نحن
لا نجمع دولاً مع بعضها بعضاً، بل نوحد شعباً”
يوجد رجل يصنع
مستقبل أمة بأكملها ـ مع فرديته ـ فينظر إليه
التاريخ بأكمله بعين الإكبار والإعتبار،
وتنحني له السنون تقديرا لدوره، وتطيعه الدول،
فيذكره الزمن ولا تنساه الذاكرة، وتخلده
الأجيال التي تأتي بعده، فهو عظيم دون إكبار
من أحد، وعظماء الرجال حين يحلمون فهم ـ
لحظتها ـ يتعاملون مع فكرة يريدون لها
التحقيق، فيتحول الحلم إلى واقع ملموس، وحين
يفكرون فهم يسوسون العالم.
هذه الأيام
تحتفل اوروبا
بعيد الميلاد المئة والعشرين لــ
مونيه،
أحد الزعماء الملهمين ـ كما يطلق في القاموس
العربي الحديث ـ جان مونيه
من الأباء
المؤسسيين للجماعة الأوروبية،
فهو
«اب الاتحاد
الاوروبي» او «مواطن الشرف الاوروبي الاوحد»،
وهو اللقب الذي اطلق عليه في معرض تكريمه.
فــ
«الحلم
الاوروبي» استولى على قلبه وعقله منذ ولج
الحقل العام وحتى يوم وفاته. رافق مونيه
اوروبا في حروبها ومصائبها خلال القرن
العشرين. وحيث انه كان على مقربة من الاحداث
الاوروبية خلال الحرب العالمية الاولى ونظرا
الى نظرته العالمية والقارية التي تجاوزت بلده
فرنسا، فقد اسند اليه منصب نائب الامين العام
لعصبة الامم وعمره لم يزد على 31 عاما. وخلال
الحرب العالمية الثانية انضم الى الجنرال
شارل
دي
غول وكان شخصا
رئيسيا في المقاومة ضد الاحتلال النازي.
رجل من أصحاب
الهمم الكبار، ولد في التاسع من نوفمبر 1888م،
في
Cognac،
Poitou-Charentes،
في
فرنسا، واحد من أهم شخصيات العصر.
لم يدخل مونيه
اي حزب سياسي ولا شغل اي منصب سياسي بارز،
ولكنه تسلم مسؤوليات ادارية متعددة وكانت له
صداقات فرنسية وعالمية كثيرة، منها صداقة
ربطته ابان اقامته في الولايات المتحدة
برئيسها روزفلت.
وقد
سخر مونيه كل
صلاحياته الادارية وعلاقاته السياسية
والاجتماعية لخدمة ذلك الهدف الواحد الذي سكن
قلبه وشغل
عقله اي الاتحاد
الاوروبي، «... الذي لا مستقبل لاوروبا من
دونه».
لم يسمح مونيه
لاي قضية اخرى ان تشغل
باله
عن العمل من اجل تحقيق هذا الهدف،
أو تشرد فكره، أو تستحوذ على لب قلبه وفؤاده.
واعرابا عن اعجابه بهذه الصفة التي لازمته حتى
مماته، قال جيل زيتلسترا، احد رؤساء الحكومة
في هولندا الذي عرفه عن كثب، «لم اعرف رجلا قط
مثل مونيه من حيث تركيزه على هدف واحد».
اما مونيه نفسه،
فقال واصفا تجربته في الحياة: «كل ما انجزته،
في كل مفصل من مفاصل عمري،
كان نتيجه خيار،
وخيار واحد فقط، وهذا التركيز حماني من بعثرة
جهودي واضاعتها». يضيف مونيه الى ذلك قوله:
«انني لم اشغل في حياتي منصبا لم اخترعه!»
وهذه المناصب التي اخترعها مونيه لنفسه كانت
كلها تقوده الى هدف واحد: «الاتحاد الاوروبي».
رجل ذو الإتجاه
الواحد في التفكير، لينجز ما أستغرق تفكيره
وغلب على ذهنه، يريد أن يحقق الحلم، فهو يحلم
ليفعل، لا يريد أن يعيش في أوهام طفولة الرجل،
فقد
اقترن
ـ عنده ـ
التركيز على هدف
واحد والسعي الدؤوب للوصول اليه بإرادة قوية
وقدرة
ابداعية
على الاقناع. لولا ذلك لما تمكن بناة السوق
الاوروبية المشتركة من متابعة مشروعهم وسط
مقاومة عنيفة وصعوبات كبرى اقامتها في وجههم
قوى كثيرة
داخلية من
القارة
الأوروبية
وخارجية
دولية. جاءت
أقوى
مقاومة من قلب
الدار الاوروبية
نفسها
وبخاصة من بلاد
الأسد العجوز ـ انجلترا بريطانيا العظمى ـ.
وبدأت هذه المقاومة منذ اللحظات الاولى
للتفكير في السوق. فبعد عقد اجتماعات قليلة
لهذا الغرض، اعلن مندوبها
انسحابه من الاجتماعات التحضيرية قائلا
بسخرية: «سوف اعود بعد سنوات الى مثل هذه
الاجتماعات وسوف اجدكم تتحدثون عن القضايا
نفسها التي تعالجونها في هذا الاجتماع»!
بيد ان مونيه لم
يقنط ولم يصبه اليأس في اي وقت من الاوقات،
فالخوف واليأس
والقنوط مظاهر الموت الدماغي على سرير حياة
الخمول، وإن ارتعشت الأجهزة الحيوية داخل
الجسد البشري المتحرك،
بل تمكن، بفضل
ارادته القوية، من التغلب على العديد من
العقبات والصعوبات التي اعترضت المسيرة
الاتحادية الاوروبية. هذه القدرة جعلت
المعنيين بالتعاون الاقليمي وبطرق وآليات
تحقيقه يستنبطون من سيرة مونيه ومن سيرة بناة
السوق الاوروبية المشتركة مثل
«شومان» و
«بول هنري سباك»
وغيرهما
أهم
مقومات وآليات بناء التكتلات الاقليمية على
النطاق العالمي. رافقت هذه الآلية مشروع
الاندماج الاوروبي منذ ان بدأ في مطلع
الخمسينات عندما تأسست لجنة الفحم والحديد
لتحقيق التعاون بين عدد من الدول الاوروبية في
هذا المضمار. فالتنسيق على هذا الصعيد بدأ في
مجالات محددة ولكنه وصل الى مراحل باتت تحتم
الانتقال من التنسيق والتعاون على صعيد انتاج
الفحم والحديد الى التعاون والتنسيق في مجالات
اخرى عديدة تناولت شتى مجالات الاقتصاد
والتشريع والادارة والسياسة.
هكذا واجه
التعاون الاوروبي المحدود اشكالية كبرى لم
ينتبه لها الذين وافقوا على تأسيس اللجنة
ألا وهي:
الحفاظ على
التعاون في مستواه يعني الحكم عليه بالفشل.
والفشل هنا يعني هدر الاموال والجهود التي
بذلت من اجل التعاون في مجال انتاج وتسويق
واستخدام الفحم والحديد. ولم يكن باستطاعة
النخب الاوروبية الحاكمة ان تسلم بهدر هذه
الاموال والجهود لأنه يعرضها للمحاسبة الصارمة
في وقت كانت اوروبا تحتاج فيه الى كل «جروشن»
حتى تعيد بناء اقتصاداتها التي هدمتها الحرب.
بالمقابل، كان التوسع في التعاون والتنسيق
يعني تقديم تنازلات على حساب السيادة الوطنية
لكل دولة من الدول التي ساهمت في تأسيس
اللجنة. وهذا بدوره كان كفيلا بتعريض النخب
الحاكمة الى المحاسبة والنقد. فما العمل؟
هنا جاء الدور
الرائد
والخلاق لرجل تاريخي مثل جان مونيه. كان يعتمد
بالدرجة الاولى على قدرته الاقناعية وصلاته
الحميمة بأصحاب القرار في اوروبا وخارجها. وفي
سعيه هذا لم يكن مونيه يسمح لاي عائق شخصي او
سياسي ان يعترض طريقه. فلقد عانى كثيرا من
وزير المالية الاميركي «هنري مورغنثاو» الذي
اضطهده عندما اقام في الولايات المتحدة وساقه
الى القضاء وساهم في توجيه اتهامات خطيرة اليه
وصلت الى حد التلويح بأنه على صلة بالنازيين.
بيد ان مونيه تناسى كل ذلك وتعاون مع
«مورغنثاو» عندما كان هذا التعاون ضروريا
لبناء السوق.
رجل امتلك قدرا
من الخبرات، تلك
الخبرات
التي انبثق منها
ما
قال مونيه عام
1943 ان «اوروبا لن تعرف السلام اذا لم تسلك
طريق الاتحاد،
ولن تعرف طعم الرخاء اذا لم تتحول الى اتحاد
اوروبي».
هذا الرأي لم
يكن مجرد شعار او رأي شخصي احتفظ به مونيه
لنفسه، بل كان محور حياته وكان العمل من اجله
برنامج حياته اليومية.
كان مونيه مثل
اي صاحب مشروع تاريخي يدرك دور اصحاب القرار
والنخب في التأثير على مشروعه. ولكنه لم ينس
في اية لحظة من اللحظات دور الشعوب في تحقيق
هدفه. لذلك فإنه في الوقت الذي كان يطرق فيه
ابواب الحكام والمسؤولين بغرض فتح الطريق امام
الاتحاد الاوروبي، كان يسعى الى اقناع منظمات
المجتمع المدني الاوروبية بصواب هذا الهدف
وبالحاجة الى تحقيقه.
ترافقت مساعي
مونيه على الصعيد الشعبي
مع اقتناعه بأهمية بناء المؤسسات وبأهمية
افساح المجال امام القوى الحية في المجتمعات
الاوروبية للمساهمة في بناء الاتحاد الاوروبي.
في هذا السياق كثيرا ما كان مونيه يؤكد ويردد
«ما من عمل يتم من دون الافراد، ولكن ما من
عمل يدوم من دون المؤسسات».
افاد مونيه من
الافراد ومن المؤسسات من اجل تحويل الحلم
الاوروبي الى واقع.
وفي
سعيه الى تحقيق حلمه كان مونيه يقول: «الشعوب
لا تقبل التغيير الا عندما يتحول الى حاجة،
وهي لا تتعرف الى هذه الحاجة وتشعر بها الا
عندما ترزح تحت وطأة الازمات».
صدّق او لا
تصدّق:
مونيه يقول ان
مصدر هذه الحكمة هو حاكم عربي التقى به وحدثه
عن تاريخ بلاده وعن تجربته هو في الحكم!
وسواء ايد المرء
تجربة الاندماج الاوروبي او عارضها، فإنه لا
يستطيع إنكار ان مونيه وان انجازاته ادخلت
تغييرات كبرى على السياسة الدولية خلال
القرنين العشرين والواحد والعشرين.
قال جان مونيه
في عام 1952م:
“نحن لا نجمع دولاً مع بعضها بعضاً، بل نوحد
شعباً”.
أعد مادة هذا
البحث
محمد الرمادي
فيينا على
الدانوب الأزرق
صباح ميلاد
«
Jean Omer Marie
Gabriel Monnet
»
09 نوفمبر 2008م |