الجدار الفاصل في العقلية الإسرائيلية
الدكتور رائد النعيرات
رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية
منذ أن
شرعت الحكومة الإسرائيلية ببناء الجدار الفاصل بدأ الجدل يدور حول
طبيعة هذا الجدار. فهل هو جدار أمني أم حدود سياسية؟ وهل هذا الجدار
يعيد الدولة العبرية إلى عقلية وسياسة "الغيتو" أم هو امتداد لنوع جديد
من "الأبرتهايد" الكونوليالي بحق الفلسطينيين.
وقد
احتدت طبيعة هذا الجدل، ليس فقط داخل الأوساط الفلسطينية بل وكذلك داخل
الحياة السياسية الإسرائيلية، وخصوصاً ما بين اليمين المتطرف وبعض
الاتجاهات الليبرالية، حيث رأى اليمين أنّ في هذه الخطة تنازل عن "دولة
إسرائيل الكبرى". إلاّ أنه وبعد مُضيّ ما يقرب العامين من بداية الشروع
في هذا البناء، وبعد اكتمال جزء كبير من مراحله العملية واكتمال الجزء
الأخير من الناحية النظرية كمشروع، لم تعد تلك الجدليات ذات أهمية
ومغزى، حيث أنه بات واضحاً أهم الدوافع والأهداف التي يرمي الجدار إلى
تحقيقها، سواء ما كان منها قد خُطِّط له مسبقاً أو ما أصبح واقعاً
نتيجة أنّ الجدار بات إحدى الكوارث التي أصبحت ترهق كاهل الشعب
الفلسطيني.
وبناء
على ما ذُكر يمكن الخلوص إلى أنّ الجدار لا يمكن أن يكون حدوداً سياسية
بالمعنى الكامل للحدود السياسية، وإنما هو جدار فاصل من أجل إعاقة أي
فرصة مستقبلية لقيام الدولة الفلسطينية المستقلة، وهذا ما قد يفسر هذا
الإجماع الإسرائيلي على تبني فكرة الجدار من كامل أطياف الحياة
السياسية والمجتمعية الإسرائيلية. لذا فإنّ الفكرة الأساسية في هذه
الورقة تقوم على مناقشة قضية مهمة، وهي الأبعاد الجيوسياسية
والجيواستراتيجية للجدار، ضمن محورين أساسيين:
أولاً:
الجدار في العقلية الصهيونية والتحديات الجديدة.
ثانيا:
الآثار الجيوسياسية للجدار.
الجدار
في العقلية الصهيونية والتحديات الجديدة
تُعتبر
فكرة بناء الجدار الفاصل فكرة قديمة جديدة بالنسبة للعقلية الصهيونية،
أو حتى قد تعود خلفياتها إلى الثقافة الدينية اليهودية، والتي اعتُبرت
بعض رموزها مصدر إلهام للحركة الصهيونية، خاصة ما تعلق منها بفلسطين.
فمن أسوار أريحا المنيعة طوّرت الجماعات اليهودية فكرة الأغيار وفكرة
الجيتو، وأصبحت هذه الأسوار جزءاً من الثقافة الاجتماعية للوجود
اليهودي حتى في أكثر المجتمعات انفتاحاً، ولم تختلف هذه الفكرة لدى هذه
الجماعات سواء وجدت في الغرب أم في الشرق.
أما
فيما يخص طرح فكرة الأسوار كنموذج احتلالي، فقد برزت هذه الفكرة أولاً
في أدبيات الحركة الصهيونية ولدى أبرز مفكريها، فقد طرح ثيودور هيرتزل
في كتابه "الدولة اليهودية": إنّ دولة اليهود المنشودة ستكون عبارة عن
سور يفصل بربرة الشرق عن حضارة الغرب وتقدمه.
ولكن
ومع قيام الدولة العبرية عام 1948 على أرض فلسطين، أصبح هناك تنامٍ
لفكرة السور والجدار ما بين السكان الأصليين، وهم الفلسطينيون،
والمهاجرين المحتلين والوافدين من مختلف دول العالم.
إلاّ
أنّ الفكرة، ومنذ عام 1967م، بدأت تدخل حيز التنفيذ بصورة مشاريع
واقتراحات لترسيم حدود قابلة للدفاع عنها من جانب واحد في الدولة
العبرية، ويعود فضل نقل فكرة الجدار من خيال العقلية الإسرائيلية إلى
أجندة العمل السياسي لآرائيل شارون في عام 1973م، حيث كان وزيراً
للإسكان آنذاك، وبدأت تُطرح فكرة إقامة المستوطنات وتحويل الضفة
الغربية إلى معازل.
ومنذ
تلك الأيام مرّت فكرة الجدار بعدة مراحل، وطُرحت بصيغ مختلفة تتناسب
وعدة معطيات (سواء المعطيات الحزبية أو الأجندة السياسية، أو الوضع
الدولي)، لذا أصبحت الخطة تنتقل بين أجندة حزب العمل وحزب الليكود. ففي
عام 1988م طرح حزب العمل خطة "هالوفيم"، التي اقترحت إقامة السياج
الفاصل على خط التماس بين الضفة الغربية والأراضي المحتلة عام 1948م،
وأدت خسارة حزب العمل للانتخابات إلى عدم الشروع في تطبيق الخطة. إلاّ
أنّ الفكرة عادت إلى حيِّز الوجود عام 1995م بعد عملية بيت ليد
الاستشهادية، حيث طلب اسحق رابين من وزير الأمن الداخلي موشيه شاحاك
وضع خطة لفصل الكيان الصهيوني عن الشعب الفلسطيني، ولكنها سقطت لأسباب
اقتصادية في المقام الأول، بدعوى أنها ستحرم الدولة العبرية من
الامتيازات الاقتصادية التي تتمتع بها في الضفة الغربية. ومن ثم عاد
طرح الفكرة مرة أخرى في عهد نتنياهو عام 1996م، ولكنها سقطت هي
الأخرى، ولكن بضغط من اليمين في هذه المرة لأسباب أيدولوجية.
وعند
محاولة ربط فكرة الجدار العازل بمشروع تطبيقه يمكن ملاحظة التالي:
1- إنّ
فكرة الجدار العازل الذي يجري بناؤه في عهد آرائيل شارون هي استمرارية
لتطبيق مجموعة من الأفكار والنظريات التي خيّمت على عقلية الحركة
الصهيونية، بشقيها الليبرالي واليميني.
2- إنّ
بناء الجدار العازل، وان كان قد استند على الاستدلالات التاريخية، إلاّ
أنه حاول تجاوز كل المخاوف والعقبات التي كانت تشكل عقبة أمام تطبيق
هذه النظريات، ولهذا أطلق آرائيل شارون على خطته اسم فك الارتباط،
والتي توحي بأنّ حكومته غير عازمة على إنهاء سيادتها على الضفة الغربية.
3- إنّ
الأفكار السابقة في طرح فكرة الجدار كانت استجابة لوقائع ظرفية أملتها
الحالة الأمنية، أما الجدار العازل وفكرة فك الارتباط فإنها وإن كانت
تستجيب لظرف آني لحظي، إلاّ أنها تهدف إلى ما هو أبعد من الظرف الأمني.
4- إنّ
جدار العزل وخطة فك الارتباط تستجيب للعقلية الإسرائيلية داخلياً،
وتنسجم كذلك مع متطلبات الحركة الصهيونية خارجياً. فهي من جهة تبيِّن
للجمهور الإسرائيلي وللعالم أنها لا تريد أن تبقى محتلة للضفة الغربية،
ولكنها على أرض الواقع تُبقي الضفة الغربية تحت سيادة الاحتلال.
ومنذ مطلع الألفية الثانية للميلاد بدأت فكرة الجدار تأخذ طابعا آخر،
وذلك لعدة أسباب منها داخلية إسرائيلية وأسباب خارجية (فلسطينية
ودولية).
الأسباب
الداخلية:
1-
تلاشي التوجه الليبرالي وتحكم الاتجاهات المتطرفة والمتدينة في الحياة
الاجتماعية والسياسية في الدولة العبرية، وهذا له أسبابه الكثيرة، ليس
هنا مجال تفصيلها.
2- عدم
قدرة الجانب الإسرائيلي على تقديم أطروحات أو أن تتجاوب مع أبسط
التطلعات الفلسطينية، التي من شأنها أن تقود إلى التوصل إلى سلام مبني
على التبادلية، خاصة فيما يخص السيادة، وعودة اللاجئين. وهذا الأمر ذو
أهمية بالغة، إذ أنه أصبح أبسط متطلبات العملية السلمية التي طالما
ادّعى الجانب الإسرائيلي بأنّ العرب والفلسطينيين غير قادرين على دفع
استحقاقاتها، والآن تبدو الصورة وكأنها قد انعكست، فعلى الدولة العبرية
أن تقدم استحقاقات هي غير قادرة بالتأكيد على تقديمها.
3- الآثار السلبية التي بات يعاني منها الجانب الإسرائيلي نتيجة
الانتفاضة (كالوضع الاقتصادي المتدهور، والخلل في التركيبة الاجتماعية
الإثنية الإسرائيلية نتيجة تزايد إقبال اليهود الشرقيين على دخول الجيش
.. إلخ).
4-
المستوطنون والمستوطنات في الضفة الغربية: وهذا الموضوع بالغ الأهمية،
حيث أنّ الاستيطان والمستوطنين في الضفة الغربية لم يعودوا كما كانوا
في بداية الثمانينات، إذ يمكن القول إنّ المشروع الاستيطاني قد اكتمل
من الناحية البراغماتية، ومن المهام سلطات الاحتلال الآن الحفاظ على ما
يسمى "الوضع القائم". إنّ عدد المستوطنين يبلغ حوالي 400 ألف مستوطن،
وعدد النقاط الاستيطانية يبلغ 280 نقطة استيطانية.
5- قيام
حكومة الائتلاف بين حزب العمل وحزب الليكود، والتي لم تكن كسابقاتها من
الحكومات، حيث أنّ سقوط حكومة باراك لم يعبِّر فقط عن خسارة حزب العمل
دفة القيادة في الحكومة الإسرائيلية، أو تحوّله إلى معارضة، بل إنّ حزب
العمل أصبح جزءاً من المعارضة من ناحية الوزن السياسي، وبدأ بالتلاشي
من ناحية حضوره كفكر سياسي ذي طرح مغاير كما كان يعبِّر عن نفسه سابقاً.
أما
الأسباب الخارجية فيمكن إيجازها بما يلي:
2-
الحادي عشر من أيلول (سبتمبر)، وانهماك العالم في الحرب على الإرهاب
وتصنيف المقاومة الفلسطينية أو بعض أدواتها بالإرهاب، إضافة إلى إطلاق
أيدي الدول التي تعاني من الإرهاب للتصرف بالطريقة التي تراها مناسبة،
وهذه كانت الهدية التي قُدِّمت لآرائيل شارون.
2-
الوضع الديمغرافي: أو ما أطلق عليه مؤتمر هيرتزليا "القنبلة
الديمغرافية"، والتي اعتقد من خلالها العلماء الإسرائيليون أنه مع مطلع
العام 2020 سيكون عدد الفلسطينيين يفوق عدد اليهود.
3-
التغيرات في التركيبة السياسية الفلسطينية، وهذه التغيرات يمكن تلخيصها
بمتغيرين رئيسيين وهما:
أ-
التغير في الاتجاه المؤيد للعملية السلمية، وبالذات داخل حركة فتح التي
بدأت تفقد مشروعها السياسي الليبرالي المتمثل في العملية السلمية.
ب-
الصعود المتنامي لحركة حماس والمعارضة الفلسطينية، والذي بدأت بوادره
تظهر منذ العام الأول للانتفاضة، سواء في سعة الانتشار الجماهيري أو في
علاقة حركة حماس بحركة فتح، والتي كانت تشير إلى أنّ حركة حماس ستكون
جزءا من التركيبة السياسية القادمة أو قد تكون هي التركيبة نفسها.
4-
الموقف الدولي من حتمية قيام الدول الفلسطينية المستقلة: فقد باتت
إقامة دولة فلسطينية من المسلّمات. (رؤية الرئيس جورج دبليو بوش، قرار
الجمعية العامة للأمم المتحدة، خارطة الطريق، موقف الاتحاد الأوروبي).
واستناداً إلى هذه الأسباب استغل آرائيل شارون فكرة الجدار وخطة فك
الارتباط، التي كان أصلاً قد روّج لها حزب العمل بقيادة باراك "نحن هنا
وهم هناك"، فقد كان ذلك هو مشروع شارون السياسي الذي بنى ائتلافه مع
حزب العمل، ولكنه قام بتطبيق هذه الخطة بأهداف وبطريقة ليكودية، سعت
إلى تحقيق جملة من الأهداف، منها ما هو مرحلي ومنها ما هو استراتيجي
الأهداف
المرحلية:
1-
إضافة حلقة جديدة إلى طاولة المفاوضات ترهق كاهل المفاوض الفلسطيني،
وهذا من شأنه أن يجعل المفاوض الفلسطيني يقدم تنازلات أو أن يقفز عن
قضايا مهمة كانت جل تفكيره قبل الجدار، ليتشعب اهتمام هذا المفاوض، أو
حتى الضغط الدولي إن وُجد فقد بدأ تحوّل هذا الضغط باتجاه العنصر
الجديد.
2-
الجدار رسالة للشعب الفلسطيني، عنوانها: هذه نتيجة المقاومة، ومضمونها
أنّ الانتفاضة انطلقت مطالبةً بدولة فلسطينية مستقلة وغير مكتفية بما
حققته في أوسلو، وها هو الشعب الآن أمام واقع أعلى طموحاته هو المطالبة
بأقل مما كان يملك في أوسلو.
3-
الضغط على الشعب الفلسطيني اقتصادياً: بازدياد البطالة، وحتى يصبح
المتنفس الوحيد هو العمل وراء الخط الأخضر.
4-
محاولة إقناع العالم بأنّ الشعب الفلسطيني شعب همجيّ.
5-
التجاوب مع بعض الأوساط الإسرائيلية المطالِبة بإنهاء الاحتلال.
على الصعيد الآخر هناك مجموعة من الأهداف الجيوسياسية، التي يهدف
الجدار إلى تحقيقها عبر إحداث بعض الآثار والتغيرات الجيواستراتيجية
فيما يخص الصراع العربي الفلسطيني، ومن أهم هذه الآثار التي تركز
الورقة على مناقشتها والبحث في ظلالها، قضيتان رئيسيتان، واللتان
تُعتبران من أهم ما يهدف الجدار إلى تحقيقه:
1-
إلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة.
2-
إلغاء حق العودة.
1-
إلغاء إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة:
كانت
الانتفاضة (انتفاضة الأقصى) بمثابة الصفعة التي تلقتها الدولة العبرية،
حيث أنّ الانتفاضة أثبتت لها أن جميع المخططات الصهيونية والإسرائيلية
منذ عام 1897 باءت بالفشل، حيث عبّرت الانتفاضة عن تصميم الشعب
الفلسطيني على إقامة دولته المستقلة كاملة السيادة، ومفهوم السيادة
يشكل أكبر عقبة بالنسبة للإسرائيليين بمختلف أطيافهم، حيث أنّ جميع
المشاريع الإسرائيلية التي طُرحت على مدار الأعوام المنصرمة ركزت على
محاولة تقديم مشاريع مجتزأة تتجاوز موضوع السيادة الفلسطينية. لذا
نلاحظ أنّ ردّ الفعل الإسرائيلي على الانتفاضة كان رداً غير مسبوق، وقد
تمثلت هذه السياسة الإسرائيلية في ردِّها على الانتفاضة بما عبّر عنه
المؤرخ الإسرائيلي باروخ كيمرلينج بسياسة "البوليتيسايد"، والتي هدفت
إلى تدمير النزعة السياسية للشعب الفلسطيني وتغيير واقع الأراضي
المحتلة، بحيث لا تعود هناك قدرة منطقية على إقامة الدولة الفلسطينية
المستقلة. ومن هنا امتازت سياسة آرائيل شارون تجاه الانتفاضة بأبعادها
الاستراتيجية أكثر من محاولة التعامل مع أحداث الانتفاضة، حيث هدفت إلى
تدمير الركائز الأساسية لقيام دولة فلسطينية مستقبلاً، فقامت بالعمل
على ضرب أربعة محاور رئيسية تُعتبر الأعمدة الصلبة لقيام الدولة بشكل
عام، وهذه الأعمدة هي:
أ) ضرب
المؤسسات الفلسطينية: سواءً ما تبع منها للمقاومة أو مؤسسات السلطة
الوطنية المدنية.
ب) ضرب
الاقتصاد الفلسطيني بجميع جوانبه.
ج)
استئصال النخبة الفلسطينية: فتم استهداف نخب المعارضة بالقتل
والاغتيال، أما نخب السلطة فقد تم التعامل معها ضمن سياستين، فإما
بإلغاء دورها وتصنيفها ضمن النخب الداعمة للإرهاب، وإما بمحاولة تشويه
هذه النخب واعتبارها جزءاً من الركب الإسرائيلي.
د)
تغيير معالم الأرض الفلسطينية: وهذا يُعتبر من أخطر هذه القضايا على
المستوى الاستراتيجي، وتمثل في عدة قضايا:
1- بناء
الجدار الفاصل.
2- شق
الطرق الالتفافية: حيث أنّ الطرق الالتفافية تلتهم ما نسبته 1.7 في
المائة من مساحة الضفة الغربية.
3- بناء المستوطنات العشوائية: فقد بلغ عدد النقاط الاستيطانية
العشوائية في الضفة الغربية حوالي 140 مستوطنة
وعند
مناقشة وتفحص أهم الآثار الاستراتيجية للسياسة الإسرائيلية في موضوع
تغيير معالم الأرض الفلسطينية، تأتي هذه السلسلة الثلاثية كسلسلة
تدميرية متكاملة، وهدفها النهائي هو منع إمكانية قيام الدولة
الفلسطينية من الناحية اللوجستية. وعلى الرغم من تكامل هذه السلسلة
إلاّ أنّ اخطر ما فيها هو الجدار الفاصل. لذا سنقف على أهم آثار الجدار
الفاصل، والتي هدف الجدار إلى تحقيقها، أو أنه أصبح يحققها بحكم الأمر
الواقع:
أولاً:
مصادرة الأرض الفلسطينية
يبلغ
طول الجدار الفاصل 660 كم، أي ضعف طول خط الهدنة المحاذي للأراضي
المحتلة سنة 1948، والذي تقرّر في العام 1949 (الخط الأخضر)، وفقط 20
في المائة من الجدار يسري على الخط الأخضر، وحسب تقرير وزارة الخارجية
الإسرائيلية في 2/5/2005 فإنّ الجدار بعد تعديله سيضم ما مساحته 8.1 في
المائة من أراضي الضفة الغربية، إلاّ أنّ تقرير الأمم المتحدة الصادر
في 10 آذار 2005م أكد أن المساحة التي سيضمها الجدار تبلغ 10.2 في
المائة. وعند تفحّص تداعيات مصادرة هذه الأراضي يمكن الوقوف على النقاط
التالية:
أ- إنّ
هذه الأراضي تُعتبر من أخصب الأراضي الفلسطينية، وهي تشكل بيتاً ومأوى
لأكثر من 49400 فلسطيني، يسكنون 38 قرية وبلدة، وهذا الرقم لا يشمل
القدس الشرقية.
ب-
نتيجة أعمال التجريف على جانبي الجدار، قامت قوات الاحتلال بتدمير
الكثير من أشجار الزيتون والحمضيات ومساحات واسعة من الدفيئات
الزراعية، كما تم عزل بعض القرى والبلدات بنسبة 95 في المائة عن أراضي
ما يسمى "المنطقة الحرام".
ج-
حوالي 93200 فلسطيني أصبحوا يعيشون بين الجدار والخط الأخضر، وهذا أتى
بعد تقليل القيود على مدينة قلقيلية التي يقطنها 45 ألف نسمة.
د-
تتضمن المنطقة المحصورة ما بين الجدار والخط الأخضر 56 مستوطنة
إسرائيلية، يعيش فيها حوالي 170 ألف مستوطن، أي ما يعادل 76 في المائة
من مجموع مستوطني الضفة الغربية.
هـ-
منعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي الفلسطينيين من ممارسة أعمال البناء
على بعد 200م من جهة الجدار، وهذا إذا تم حسابه سيضاعف نسبة الأراضي
المصادرة، لأنه سيحوِّل هذه الأراضي إلى أراضٍ مهجورة، وهذا ما يعاني
منه الفلسطينيون كثيراً فيما يسمى بـ"المنطقة الحرام" حول المستوطنات
والطرق الالتفافية.
و-
سيعزل الجدار وسيمنع أي تواصل بين ثلاث كتل اجتماعية وديمغرافية في
فلسطين، أي أنّ شمال الضفة الغربية سيكون منعزلاً عن وسطها وجنوبها،
وضمن هذه المعازل الكبيرة ستكون هناك معازل صغيرة، تجعل الدولة
الفلسطينية القادمة غير قادرة على ممارسة أي نوع من السيادة وغير قابلة
للعيش.
ثانياً:
استنزاف الإنسان الفلسطيني وسبل بقائه وصموده
إنّ
المتابعة البسيطة لأهداف الجدار ومحاولة استشراف آثاره المستقبلية على
الإنسان الفلسطيني، تقوده إلى الخروج بالمعطيات التالية:
أ-
استنزاف النفسية الفلسطينية عبر تثبيت صورة الاحتلال اليومي عبر وجود
المعابر والتصاريح، حيث يتوجب على الفلسطينيين الذين يعيشون في المناطق
المغلقة الحصول على تصاريح كي يُسمح لهم بالعيش في المناطق المغلقة.
ب- ضرب
مقوِّمات صمود الإنسان الفلسطيني، عبر اعتماده على العمل الذاتي،
ممثلاً بالعمل الزراعي والورش الصغيرة التي ليست بحاجة إلى دولة لتسيير
أمورها.
ج-
تقطيع الأواصر والعلاقات الاجتماعية والأكاديمية، حيث أنّ الفلسطينيين
الذين يعيشون في المناطق المُغلقة، يُضطرون لعبور بوابات في الجدار
للوصول إلى الأسواق والمدارس والمستشفيات، وكذلك للمحافظة على الروابط
العائلية في أجزاء الضفة الأخرى. وحسب مسح أجراه الجهاز المركزي
للإحصاء الفلسطيني تبيّن أنّ 15.2 في المائة من الأسر الفلسطينية لديها
أفراد ملتحقون بالمسيرة التعليمية يواجهون صعوبات في الوصول إلى
مؤسساتهم التعليمية.
د-
اضطرار الفلسطينيين إلى الهجرة.
ثالثا:
ضرب الاقتصاد الفلسطيني
إنّ من
أهم الأهداف التي يحققها الجدار الفاصل هو ضرب البنية الاقتصادية
الفلسطينية، حتى يبقى الاقتصاد الفلسطيني معتمداً على الاقتصاد
الإسرائيلي، وتبقى الضفة الغربية سوقاً للبضائع الإسرائيلية (والتي هي
بضائع من الدرجة الثانية وأحياناً من الثالثة). ويحقق الجدار هذه
الأهداف عبر التالي:
أ- يسيطر الجدار ويضم مياه الحوض الغربي في الضفة الغربية، وهكذا
ستنعدم الزراعة المرويّة في شمال الضفة العربية، والتي تُعتبر المنافس
الأكبر للكيبوتسات الإسرائيلية. (سلة الغذاء الفلسطينية، خاصة طولكرم
وقلقيلية).
ب- سيمنع الجدار دخول البضائع الفلسطينية إلى داخل الأراضي المحتلة سنة
1948، وعلى العكس سيسهِّل دخول البضائع الإسرائيلية إلى الضفة الغربية
(تقدّر البضائع الإسرائيلية بعشرة مليارات شيكل سنوياً).
ج-
ارتفاع منسوب البطالة، حيث بلغت نسبة البطالة في أواسط عام 2003 60 في
المائة، وهذا سيؤدي إلى نزوح أعداد كبيرة بحثاً عن الرزق أو العمل وراء
الخط الأخضر.
أما الهدف الثاني فيكمن في:
2-
إلغاء حق العودة:
حيث أنه
بناء على ما تم ذكره من أهداف فإنّ الجدار يأتي متمشياً مع ما حصل عليه
آرائيل شارون من تعهّدات جورج دبليو بوش، من أنّ حق العودة سيكون
مقتصراً على العودة إلى أراضي الدولة الفلسطينية، لذا يأتي الجدار من
أجل تثبيت حقائق على الأرض تجعل حق العودة غير ممكن من الناحية
اللوجستية، بل على العكس هو يعمل على التسفير، أو إلى ما أطلق عليه
آلان ميتارغ "التطهير العرقي"، حيث أنه من الناحية العملية قام الجدار
بتدمير أي إمكانية حتى لعودة أي جزء من المهاجرين أو النازحين وهذا
يعود إلى الأسباب التالية:
أ- إنّ
مساحة الأراضي المتبقية خلف الجدار لا تكفي للتوسع الطبيعي للسكان خلال
المائة سنة القادمة. خاصة إذا تم حساب النمو الطبيعي للمستوطنات. فنمو
المستوطنات 2 في المائة طبيعياً ومعدل النمو الفلسطيني 9 في المائة.
ب- إنّ
الدولة الفلسطينية المنشودة لا تقوى من الناحية الاقتصادية على
الاكتفاء الذاتي، فكيف ستستقبل هذه الدولة أعداداً إضافية.
ج- إنّ
المساحات المتبقية من الضفة الغربية غير قابلة لمشاريع اقتصادية كبيرة
من الناحية الطبوغرافية.
د-
حافظ الجدار على جميع مستوطنات الضفة الغربية.
هـ -
المساحة المتبقية هي أراضٍ وعرة من الناحية الطبوغرافية، وهذا يعيق
الاستثمارات.
أما القضية الأخرى والتي تعتبر من الأهمية بمكان فيما يخص الجدار
الفاصل فهي قضية القدس، أو ما بات يطلق عليه "غلاف القدس".