للأخبار                                                                 
P            شبكه رمضان

المثقف الفلسطيني ودوره في الحفاظ على

الحقوق الوطنية، والقوميّة، والروحيّة، الفلسطينية

الأستاذ / رشاد أبوشاور

السيدات والسادة؛

سأبدأ حديثي من عند جدّتي، لا من تنظيرات المثقفين التي تستند إلى أفكار، ومجرّدات، غالباً.

عندما شعرت جدتي لأبي، فاطمة، بدنو أجلها، وكان أبي قد غادر السجن قبل أن يعود إليه من جديد، طلبت تلك الجدّة المتصوفّة من ابنها - والدي - أن يعدها بتلبية وصيتها. أبدى أبي حرجاً من ثقل وصية لا يعرف مدى تكلفتها، ولكنّ الجدة التي خبرت صروف الحياة، والتي تعرف مدى فقر ابنها، طمأنته إلى إنها تريد منه أن يشتري "بكسة" من تلك التي تستعمل لنقل الخضار، وهي غير مكلفة، عندما يحين أوان العودة إلى البلد - القرية مسقط الرأس - ويحفر قبرها، ويستخرج منه ما بقي من عظام جسدها الفاني.   وطمأنته إلى أن عظامها ستكون بدون رائحة منفّرة، لأن اللحم يتلف مع الزمن والعظام لا تنتن، وشدّدت وهي تمسك بيده وتهزّها كأنما تأخذ منه عهداً :

- وما عليك سوى أن ترّص تلك العظام في الصندوقة الصغيرة، ثمّ تحملها إلى قريتنا "ذكرين"، وهناك تفتح القبر الذي يضّم بقايا أهلي، أمي، ووالدي، وعمّتي - شقيقها الوحيد جرّ إلى حرب السفر برلك ولم يعد مع من عادوا وهو ما أورثها وشقيقاتها حزناً لوّن حياتهن حتى رحيلهن عن الحياة - ذلك القبر الذي يسميه أهلنا "فسقيّة" وهو أشبه ما يكون بالغرفة العائلية، ويخلط العظام لتسلّم على بعضها بعد طول فراق واشتياق، وترتاح معا .

هذه الوصيّة حمّلني إيّاها والدي الذي رحل عن هذه الدنيا يوم 30 آذار من عام 1994 في عمّان، ودون أن يذكر موضوع الصندوق رخيص السعر لأنه يعرف أنني قادر ماديّاً على شراء صندوق أفضل حالاً من "البكسة".

قبل سنتين ألمّت بي وعكة فطلبت من كنعان أصغر أبنائي، وهو في الحادية عشرة حالياً، من مواليد تونس _ أن يصغي جدياً لما سأوصيه به...

أنتم تعرفون ولا شّك بماذا أوصيته. ولكنني إضافة إلى وصية نقل العظام، وهي عظام والده، وجدّه، وجدّة أبيه، أن يعيش كما يليق بإنسان يحّب الحياة، ولا يتخلّى للحظة عن حقّه في العودة إلى وطن أبيه وأمّه وأجداده.

ما أذكره عن قريتي ،مسقط رأسي : أشجار تين وزيتون، ومدرسة بغرفتين، وبيادر تتكوّم عليها كتل السنابل، وهديل حمام في الحقول البعيدة و..فجأةً دوي الطائرات، وزخات الرشاشات، وسقوط القذائف، والهرب في الليل، والمشي على الأشواك حفاة أشباه عراة، جوعى،ظمأى،مقرورين في ليل كثيف الظلام.

كان الطبيعي أن تتدرّب حواسي كطفل ريفي على سقسقة العصافير، والجلوس على مقاعد الدرس في المدرسة المتواضعة ذات الغرفتين. وأن أنمو نموّاً طبيعيّاً مع أترابي، فنلعب، ونتشاقى، ونأكل أول الثمر عن أشجار حقولنا وحواكيرنا، ونتدرّب مع ذوينا على حراثة الأرض وبذرها، واقتلاع الأعشاب الضّارة وهو عمل كنّا سنبرع فيه لأنه يناسب قدراتنا البدنية، وأكفّنا الطريّة.

كل هذا لم يحدث، والذي حدث أننا اقتلعنا من حياتنا البسيطة وقذف بنا خارج الحياة الطبيعية التي يمّر بها البشر في أعمارهم من المهد إلى اللحد.

من هو العدو الذي يطاردنا ويلاحقنا ليل نهار ؟ من هو هذا الوحش الذي لا نراه ولكننا ضحيّة أفعاله الشنيعة، والذي لا يتركنا نرتاح قليلاً، ناشراً الدمار، والحرائق، والموت ، والجوع، والخوف ؟.

تلك الأسئلة ولدت مع الإعصار الذي اقتلعنا من قريتنا، وطفولتنا، وحكم علينا بالألم والعذاب.

تحت أشجار الزيتون أقام بنا أهلنا بجوار مدينة "الخليل"، ولكن الشتاء لم يرحمنا، فلاذوا بنا تحت الخيام في مخيم "الدهيشة" قرب بيت لحم،  حيث أقمنا أربعة أعوام، سقط علينا فيها ثلج ثقيل الوطء، فلم نفرح بلونه الناصع ، ولقد تمّ إنقاذنا بنقلنا إلى مساجد بيت لحم حتى ذاب الثلج، فعدنا لنأوي تحت خيام أرضها موحلة، خيام كانت تشكّل غطاء متواضعاً لا يقي رؤوسنا المطر الغزير في تلك المنطقة الشديدة البرودة .

في ظّل هذه الظروف، وهذه المعاناة تفجّرت بدايات الغضب الفلسطيني، غضب اللاجئن، المهجّرين قسراً بقوّة الحديد والنار من مدنهم وقراهم.

كانت أول مظاهرة أشارك فيها، بعفويّة وسذاجة، قد تفجّرت في مخيم الدهيشة. يومها رأيت الرجال والنساء يخرجون من الخيام ويقذفونها بالحجارة وكّل ما تصل إليه أيديهم.

لم أستوعب هتافاتهم، ولكنني شاركت في رجم الخيام، تلك التي باتت بديلاً لبيوتنا، لحقولنا، لطمأنينتنا المسلوبة في قريتنا.

في الدهيشة حفظت بيتاً من الشعر قاله أستاذ من قرية "زكريا" المجاورة لقريتنا، وما زلت أردِّدُه حتى يومنا هذا، فكأنه البرنامج العملي لحياتي، وكأنه ميثاقي مع وطني :

قسماً بجوع اللاجئين وعري سكّان الخيام

لنصارعنّ الموت من أجل الوصول إلى المرام

أمّا الشاعر فهو خليل زقطان، والذي أصدر ديواناً صغيراً بحجم الكّف، سمّاه : صوت الجياع.

اضطّر ذوونا إلى الهرب بنا إلى منطقة "أريحا" حيث الدفء، والحاجة قليلة للباس بسبب الحّر الشديد صيفاً، والدافئ شتاءً، ناهيك عن أن أرض أريحا تخصب بنباتات طهتها لنا الأمهات وأسكتن جوعنا.

في المخيمات حيث بدأت رحلة اللجوء والتهجير، و"الترانسفير" المدبّر بالمذابح، والتدمير، أقام الفلسطينيون بحسب قراهم ومدنهم، كل مجموعة في ناحية من المخيّم، وكأنما بهذا التشبّث بالحياة السابقة على النكبة عام 48 يعلنون رفضهم للاحتلال، والعيش بعيداً عن مدنهم وقراهم، ويتهيئون للعودة في كل يوم، بل في كل لحظة.

في مخيّم النويعمة وعيت على نشاطات تطالب بالعودة فوراً إلى الوطن، وترفض التوطين على أية أرض كانت، ولا ترضى بأي ثمن لفلسطين لأنها وطن وليست عقارات للبيع، أو التأجير.

رأيت الكبار يجمعون التواقيع على العرائض، والمخيمات في منطقة أريحا تخرج في تظاهرات حاشدة، وسمعت الحناجر تدوّي باسم فلسطين المقدّس، وبخّاصة في ذكرى النكبة وإعلان دولة العدو، ووعد بلفور الإنكليزي، وذكرى التقسيم.

وفي المدارس، سواء حين كنّا نجلس على الحجارة، أو على المقاعد الخشبيّة فيما بعد، قيّض لنا مدرسون ملأوا عقولنا وقلوبنا بكّل ما يجعل وطننا حاضراً يستحيل نسيانه، فحفظنا الأناشيد، والقصائد، وسمعنا ببطولات آبائنا، وأجدادنا الذين حاربوا الاحتلال البريطاني، والتغلغل الصهويني لوطننا.

ومن الأعراس البسيطة تعلّمنا "الدبكة" والأغاني الشعبيّة الفلسطينية، وموسيقى "الأرغول" و"الناي" و"المجوز"، وحداء المنشدين الشعبيين الذي تغنّى بكل بقعة من ثرى فلسطين، وألفنا اللهجات الشعبية في نواحي فلسطين، تلك اللهجات التي باتت تعرّفنا بأصل ومسقط رأس من ينطق بها ، وهي لهجات ما زال الأبناء يتوارثونها عن الآباء والأمهات.

من أفواه الأمهات والآباء صرنا نعرف الشهداء وبطولاتهم، والمعارك ومواقعها، ومع الأيام ميّزنا بين العدو والصديق.

تنقّلت شخصياً في عدّة أقطار عربية: الأردن، سوريّة، لبنان، وفيها عشت في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، تلك المخيمات التي أريد منها أن تلغي ذاكرة الفلسطيني، وتنهي تواصل أبناء المنافي والشتات مع وطنهم بعد موت الآباء والأمهات، فإذا بها تخرّج الأجيال التي تتشبّث بفلسطين بوعي، ومعرفة، وتخوض معركة الوجود، معركة العودة بالدم والتضحية والبطولة.

نمثّل نحن الفلسطينيين حالة فريدة من بين شعوب الأرض بسبب الظروف التي أخضعنا لها، فثمّة أجيال ولدت وترعرعت بعيداً عن الوطن، وهذه الأجيال عرفت وطنها عن بعد، قرأته في الكتب، ميّزت صوته في الأغاني، أنشدته في المحفوظات، وعته في السياسة وتغيّراتها ودهاليزها.

هذه الأجيال مع نموها بدنياً وعقليّاً يكبر وطنها في داخلها، يكبر أرض آباء وأجداد، يتضّح، ينمو، يأخذ شكله الحقيقي فكأنما الروح تدخل فيه.

لهذا قلت منذ زمن بعيد : كل الناس يكبرون في أوطانهم بشكل طبيعي، أما الفلسطيني فيكبر وطنه فيه.

لست أبحث عن بلاغة الصورة  المعنوية وجماليتها، ولكنني أقرّر حقيقة موضوعيّة ترسخّت بفضل عناد الشعب الفلسطيني، وعمقه الروحي، وعناده.

وأنا أعيش في مخيّم "الدهيشة" قرب بيت لحم، تسلل بعض أعمامي إلى قريتنا ليحملوا بعض الأغطية والحبوب التي تركوها مخزونة في قريتنا،ليعودوا بها  لدرء البرد والجوع عن أسرهم، ولكن من احتلوا قريتنا، ولاحقونا بالموت، أطلقوا عليهم النار فقتلوا عمّي عثمان أبوشاور، وأصابوا عمّي عبد القادر في فخذه، وفجّروا الجمل الذي كانوا يستعينون به لحمل ما جاءوا به من بيوتهم والحبوب التي زرعوها وحصدوها ودرسوها وخزّنوها لتكون عوناً لأسرهم على الجوع.

هذا العدو طردنا، وترّصد عودة أي واحد منّا بالحديد والنار.

* * * * * *

لقد لعب المبدعون الفلسطينيون شعراء، فنانين، كتّاباً، دورهم كما يليق، فقبل أن يصل مصطلح المثقف الثوري "الغرامشي" إلي، عرفت أن مبدعينا عاشوا بين أهلهم في المخيمات، جاعوا معهم، تجرّعوا مرارة الحياة المهينة في الخيام، وعانوا من القهر لافتقاد العدل وتسيّد الجور والظلم الذي تسبب به الاحتلال الصهيوني للوطن.

إن من يقرأ مسيرة كفاح الشعب الفلسطيني المعاصرة سيدهشه الدور البارز للمبدعين الفلسطينيين في تأسيس عديد الفصائل الفلسطينية، وفي وضع اللبنات الأساس في بناء منظمة التحرير الفلسطينية. وهذا الدور هو امتداد للدور الذي قام به شعراء وكتّاب وصحفيو فلسطين قبل النكبة، أولئك الذين بصّروا شعبهم بخطر الانتداب البريطاني على فلسطين، وطبيعة التحالف الاستعماري البريطاني الصهيوني الذي يرمي على إحلال الصهاينة  في فلسطين وتمكينهم من إنشاء دولتهم على حساب شعب فلسطين، وفقاً لوعد بلفور، والمصالح المشتركة.

فمحمد عزّة دروزه، وخليل السكاكيني، والشعراء : نوح إبراهيم "الشاعر الشعبي الشهيد"، وعبد الرحيم محمود - الذي استشهد في معركة الشجرة - وإبراهيم طوقان، وعبد الكريم الكرمي، وحسن البحيري و..أسماء كثيرة نعتّز بها، لعبوا دوراً كبيراً في نشر الوعي، وشحذ الهمم، والحّض على التصدي للغزو الصهيوني وخطره على فلسطين والأمة والإنسانيّة.

وأنا أتأمّل لوحة "إلى أين؟" للفنان الكبير رائد الحركة التشكيليّة الفلسطينية إسماعيل شموط، تلك التي تصوّر أباً يحمل طفله على كتفه ويمسك بطفلته بيده، وهو يضرب في الأرض دون أن يعرف إلى أين يمضي، وماذا ينتظره ، ولوحة "سنعود" التي يملؤها حضور رجل عجوز يحيط به أطفال صغار - يذكرونني بطفولتي كلّما تأمّلت تلك اللوحة -، وهما لوحتان زيتيتان رسمتا في العام 55، فإنني أمتلئ بالغضب على من تسببوا بشقائنا، وعذابنا، وتمزيّق أسرنا، وفي نفس الوقت أثق بأننا سنعود، حتماً سنعود.

كتّابنا، فنّانونا، شعراؤنا شحذوا الوعي، وتقدّموا الجماهير في الميادين، ومزجوا حياتهم بحياة شعبهم.

إنني أتذكّر ما صرخ به معين بسيسو وهو يتقدّم جموع الشعب الفلسطيني في مخيمات قطاع غزّة، رافضاً التوطين في سيناء عام 55.

يا من نصبت لهم سود الخيام على        صفر الرمال لقد غاصت إلى الأبد

ألست جــلاّدهم فاربط غـريقهم       واسحبه خلفـك بالأمـراس والزرد

واتــرك لأطفـاله آثــار جثّته       دمـاً توهّـج فـوق الرمل والزبد

دم سترعش قلب الأرض صرخته        يا نـارُ قد صحت الأموات فاتقدي

* * * * * *

ربطتني علاقات حميمة مع كثير من المبدعين الفلسطينيين، الذين عرفتهم صغيراً من خلال إبداعاتهم الفنيّة، أو قصائدهم الشعرية، أو رواياتهم وقصصهم.

كانت رواية غسّان كنفاني "رجال في الشمس" والتي صدرت في العام 63 قد حددت لنا الاتجاه الوحيد الذي إذا ما سلكناه فإننا نحقق إنسانيتنا.

لقد انتهت تلك الرواية بالفلسطينيين الثلاثة - وهم من ثلاثة أجيال - الذين أداروا ظهرهم للوطن نتيجة الحاجة، جثثاً على مزبلة في "الكويت"!.

من يدر ظهره لوطنه تدير الحياة الحرّة الكريمة ظهرها له، هذا بعض ما قالته تلك الرواية الحّارّة التراجيدية الصغيرة "رجال في الشمس".

أمّا سميرة عزام أستاذة القصّة القصيرة الفلسطينيّة، فقد أبدعت قصّة بعنوان "فلسطيني"، وهي عن لاجئ فلسطيني يعيش في لبنان، يضطّر لبيع نصف دكانه المتواضع ليحصل لابنه على هويّة لبنانية ليتمكّن من الحصول على عمل وجنسية تسعفه في الخروج من حالة الحصار التي تلتف حول عنق الفلسطيني. ولكن السمسار - الوسيط يخدعه، فالهويّة التي زوّد بها الابن كانت مزوّرة، وهذا ما يكتشفه الفلسطيني عندما يفتح صفحات الجريدة فيرى صورة "الأستاذ" الوسيط ومعه صور شبكة التزوير !.الفلسطيني الذي يتخلّى عن هويته لن يفوز بغير هوية مزيّفة !...

الهوية الفلسطينية هي هويّة شديدة الخصوصية، وهي رحبة عميقة، إنها ليست هويّة إقليمية مغلقة، فهي هوية للحق والعدل، هوية شعب مكافح مجاهد عنيد في حقه، ولهذا فهو عميق الإنسانيّة.

ونحن صغار أنشدنا:

سنرجع يوماً إلى حيّنا

ونغرق في دافئات المنى

سنرجع خبّرني العندليب

غداة التقينا على منحنى

هذا الشعر الندي، العذب، المفعم بالحنين هو لشاعر "العودة" هارون هاشم رشيد، وقد شدت به الفنّانة الكبيرة فيروز، وما زال يسري كالنسغ في البدن، يهّز الوجدان، ويشحذ الحنين، ويشحن النفس بالإيمان العميق.

* * * * *

في طفولتي المبكّرة سمعت عن مشاريع التوطين، وهي تهدف إلى تنازل الفلسطيني عن حقّه في العودة.

أحد هذه المشاريع كان توطين لاجئ غزّة في صحراء "سيناء" عام 55، والذي قامت المخيمات بانتفاضة ضدّه وأسقطه، وكان للمثقفين، للكتّاب للشعراء، لمعلمي المدارس، للقيادات السياسية الحزبية، دور بارز في مقدمة طوابير الغاضبين.

على مقربة من مخيم النويعمة الذي عشت فيه قسطاً من طفولتي طرح مشروع توطين شرقي نهر الأردن، في "غور نمرين". كانت ثمّة شرط واحد على من يرغب في التوطين هو أن يتنازل الراغب في التوطين عن بطاقة التموين التي كانت منحتها له ولأسرته وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، مقابل الحصول على قطعة أرض، وغرفة مبنيّة من الإسمنت، وعدّة دجاجات.

بعض العائلات استجابت للإغراء، ولكنّ المشروع انهار في أقّل من سنّة، فغادر الموطّنون الغرف، وتركوا الدجاج والخراف، وعادوا إلى بيوت الطين لأنهم اكتشفوا أن الثمن ليس التنازل عن بطاقة التموين ولكنه التخلّي عن فلسطين وحّق العودة.

الجيل الذي ولد ونشأ في الشتات، وفي المنافي البعيدة، في الأقطار العربية المحيطة بفلسطين، أو بلدان الخليج، أو أمريكا والدول الأوربيّة، لم ينس وطنه كما توقّع قادة الكيان الصهيوني الذين راهنوا على موت جيل الآباء، وانبتات جيل الأبناء وذوبانه بين الشعوب العربية التي يعيش في أوساطها.

جيل الأبناء هذا هو الذي حمل راية فلسطين، وجعلها قضيّة الحركات الحزبية العربيّة، وأثّر في الثقافة العربية المعادية للاستعمار والصهيونية، ووضع فلسطين في جوهر الخطاب القومي العربي، وهو الذي كتب وأبدع لفلسطين.

فشلت مشاريع التوطين، بفضل يقظة شعبنا، وحيوية مبدعيه وطلائعه، ومع ذلك لم يكّف أعداء شعبنا وقضيتنا عن التآمر. أولئك الأعداء رأوا أن قضية فلسطين، أن الصراع العربي الصهيوني لا نهاية له ما دام الفلسطينيون يتشبثون بحّق العودة.

لهذا رأينا التركيز على التخلّص من قرارا حق العودة الذي أقرّته الشرعية الدولية، القرار 194، والذي ينّص على أن هذا الحق فردي لكّل فلسطيني.

ليس لأن الشرعيّة الدولية أقرّت حق العودة يصّر شعبنا على حق العودة، ولكن لأنه لا يقبل بديلاً عن وطنه، لا يقبل التوطين، ولا الذوبان، وهو عصي على النسيان، وأجياله تتوارث الانتماء إلى قرى الآباء والأجداد، وتعرف عن كل شبر فيها تراثاً، زراعةً، عمارةً...

استشرت وبشكل محموم بعد "أوسلو" و"وادي عربة" ومشتقاتهما وتوابعهما من اللقاءات والمؤتمرات، والمساعي السريّة والمعلنة - جماعة جينيف وكوبنهاجن مثلاً - للالتفاف على حق العودة، وتمييعه، والتسويف فيه، وتمويته.

من الجانب الفلسطيني ثمّة نفر قليل جاهز لتقديم التنازلات، وهؤلاء هم من انخرطوا في صفقة "أوسلو" وبشّروا بسلامه، إنهم أنفسهم من ضيّع الانتفاضة الكبرى وبدّد نتائجها ومنجزاتها، إنهم من ضيّع الأرض بحيث لم يبق منها ما يكفي لتشكيل محافظة ذات تواصل.

المأزومون هؤلاء يقفزون إلى الأمام، لا في ميادين الكفاح مع شعبنا العنيد، ولكن إلى الهاوية، استجابةً لأوامر الإدارة الأمريكية المعادية لشعبنا، ورضوخاً لتعنّت قيادات الكيان الصهويني من عمّالية وليكوديّة. (هل نذكّر بما فعله باراك العمّالي من قصف وتدمير واغتيالات ؟ هل يختلف هو وما يمثله عن نتنياهو وشارون وموفاز؟).

الذين بحجّة إنقاذ الأرض أبرموا صفقة "أوسلو" وأضاعوا الأرض، تلك التي نهبها الاستيطان في زمن السلام، هم أنفسهم من يبذلون الجهود المحمومة للتخلّص من عبء حق العودة الذي يكبّل خطواتهم التنازلية، ويضعهم في مكان بعيد عن الشعب والقضيّة.

هذه الأقلية مدعومة عربياً رسمياً، لأن نظم الحكم العربية تصبو للتخلّص من هّم القضية الفلسطينية وسيفها المسلّط على ممارساتها، القضية الفلسطينية التي هي سلاح في يد الجماهير العربية في كل أقطارها.

ولكننا لهم بالمرصاد، فقد رأينا في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد وتيرة التنازلات، وسرعتها المقصودة والهادفة لإرباك ردود فعل الجماهير الفلسطينية والعربية ، رأينا أن نشاطات مؤسسية ذات مستوى عال قد ترسّخت، مبلورة وعيّاً تتسلّح به الأجيال الفلسطينية، وخاصة بعد أن تمّ إفراغ ميثاق منظمة التحرير الفلسطينية من مضمونه الكفاحي الوطني، وما يحّض عليه كحّق مقدّس للأجيال الفلسطينية لا يجوز ولا يحق التخلّي عنه: حق العودة.

إن دور المثقفين، والأكاديميين، والصحفيين، والمبدعين الفلسطينيين الريادي  في صون القضية الفلسطينية، والحفاظ على ذاكرة شعبنا، وتسليحه بالمعرفة، هو دور مشرّف يعتّز به شعبنا، وسيبقى منقوشاً بأحرف من نور.

سأمّر دون حصر كل ما قدّمه مثقفونا الوطنيون الشجعان، الذين لم تدعمهم جهات رسمية فلسطينية، أو عربية، أو دولية _ في زمن تفشّي منظمات ال ngoz ، والتشجيع على تفشيها بخّاصة في مناطق السلطة بعد اتفاق أوسلو، لتعيث فساداً، وجمع معلومات، وهذا كلام مخفف، عن مكونات شعبنا، وثقافته، توضع في خدمة تمرير مخططات أعدائه _ واعتمدوا على طاقاتهم، وإمكانياتهم، وجهودهم والشرفاء من أمثالهم.

من الكتب التي شدّتني، وأثّرت في وعيي "العودوي"، كتاب: الدكتور سلمان أبوستّة "حق العودة: مقدس، وقانوني، وممكن". فهذا الكتب علمي، دقيق، مكتنز بالمعلومات التي تسلّح شعبنا بحقائق تدحض ادعاءات الاحتلال ومن يدعمه.

إن نشاطات مركز العودة الفلسطيني قد شدّتني منذ سنوات، ودفعتني لمتابعة نشرة المركز "العودة" التي كتبت فيها عدّة مرّات، ناهيك عن نشاطاته المستمرّة.

هناك تجمعات برزت في "غزّة"، والأردن، وسوريّة، ولبنان، وحتى في البلاد الأوربيّة، تؤطّر نشاطاتها الرامية للتمسّك بحّق العودة، والتي تفضح مؤامرات التوطين، والوطن البديل، والترحيل بعيداً عن فلسطين.

مفكرون كثيرون قدّموا جهوداً يجب أن تصان وتكرّم، يتقدمهم المرحوم الموسوعي الأستاذ مصطفى مراد الدبّاغ صاحب موسوعة "بلادنا فلسطين"، التي تضع الوطن بمدنه، وقراه، وأنهاره، وجداوله، وجباله، وتلاله، وزراعته، ومعاركه، ومكوناته الحضارية بين أيدي الأجيال الفلسطينيّة، فالوطن حقائق وليس مجردات.

أهمية هذا العمل أنه يعرّف كل من يولد خارج وطنه بموطن آبائه وأسلافه، يسلحه بمعرفة تاريخية وجغرافيّة، يعيده إلى قريته، ويطبعها في نفسه بحيث تصير جزءاً من روحه وعقله، معنى لوجوده.

هذا أيضاً ما يحققه أطلس العودة الذي جهد فيه الدكتور سلمان أبوستة على مدى عقدين من الزمان.

إن كتابات الدكتور عبد الوهاب الكيّالي "تاريخ فلسطين الحديث"، وبيان نويهض الحوت "فلسطين القضيّة، الشعب، الحضارة" و"مذبحة صبرا وشاتيلا" و"ثورة الشيخ عز الدين القسام"،  وكتابات الدكتور وليد الخالدي "كي لا ننسى" و"قبل الشتات"، ومذكرات كثير من الكتّاب الأدباء أمثال: خليل السكاكيني "كذا أنا يا دنيا"، والفنّان الموسيقي واصف جوهرية "القدس العثمانيّة في المذكرات الجوهرية"، ومذكرات نجاتي صدقي التي بذل جهداً عظيماً في إنجازها الشاعر الفلسطيني الأستاذ حنّا أبوحنّا، والذي أصدر هو أيضا مذكراته في ثلاثة أجزاء، ومذكرات المناضل الكبير الأستاذ بهجت أبوغربيّة، والمناضل الكبير أحمد اليماني، كل هذه وغيرها تسلّح شعبنا بحقائق الوطن،والمتغيرات، وأسباب الهزائم والنكبات بحيث نستخلص الدروس والعبر، ولا نقع في الخطاء مراراً، ونميّز بين الصديق والعدو، الحليف الحقيقي والمندس في الصفوف.

إذا كان شعبنا عاقداً العزم على مواصلة مقاومته العنيدة، وتصديه لمؤامرات أعدائه - وما أكثرهم، وأقواهم مالاً وسلاحاً - فإن أعداءنا وكلّما ازداد شعبنا بسالة، ومبدعوه يقظة، يجدد في وسائله وأساليبه لتخريب قضيتنا، وتيئيس شعبنا.

من جديد نسمع دعوة كندية مرحبة باستضافة 75 ألف فلسطيني من فلسطينيي لبنان، لتوطينهم في كندا!.

كندا لمن لا يعرف كانت من أوائل الدول التي طرحت مشاريع التهجير والتوطين لاستدراج عشرات ألوف الفلسطينيين في مطلع الخمسينات!.

لماذا يا كندا؟

لماذا لا تستوعب كندا اليهود المجلوبين من الاتحاد السوفييتي المنهار، وهم أوربيون وأقرب إلى الكنديين حضارياً؟!.

الجليل الفلسطيني أقرب بكثير للفلسطينيين المهجرّين في لبنان - وهم جميعاً من منطقة الجليل - والأرض الفلسطينية فارغة تنتظر أهلها، فاليهود في فلسطين يقيمون في تجمعات مدينية، وهو ما يبرهن عليه بالأرقام كتاب الدكتور سلمان أبوستّة.

أهذا هو الضمير الإنساني الغربي الحضاري؟

إبعاد الفلسطينيين عن أرضهم، وجلب يهود العالم ليقيموا في بيوتهم، ويستثمروا حقولهم، بعد أن يعملوا فيهم قتلاً وإبادة؟!.

هنا يقع دورنا نحن المثقفين الفلسطينيين، والذي علينا أن نتابعه بلا كلل ولا ملل، على خطى من سبقونا، وأنا لا أشّك في هذا، فمع حدّة وشدّة الضغط علينا، نزداد صلابة، ومضاء عزيمة، قابسين من تضحيات شعبنا نوراً لا يخبو، بل يتأجج وينتشر ضياءً يهدي، لأنه ضوء فلسطين الحق والعدل الذي سينتصر في نهاية المطاف.

شاعر العودة هارون هاشم رشيد، كتب في مطلع الخمسينات نشيداَ رددته حناجر الفلسطينيين:

عائدون عائدون          إننـا لعـائدون

فالحدود لن تكون   والقلاع والحصون

فاصرخوا يا نازحون

إننا لعائدون

وعندما زار المؤرخ البريطاني الكبير "توينبي" قطاع غزّة في نهاية الخمسينات، ووقف أمام أطفال فلسطين وهم ينشدون، ملوّحين بقبضاتهم الطريّة في الفضاء، ضاربين الأرض بأقدامهم العارية حتى لتكاد تتزلزل، نطق بحكمة المؤرخ العارف بدورات التاريخ، وعظمة الشعوب العصيّة على الذوبان والنسيان:

- من يراهم ينشدون هذا النشيد لا بدّ أن يكون على ثقة بأنهم سيعودون إلى وطنهم...

أعلى الصفحة
لآعلى

 


 

 

كلمات أخرى بالمؤتمر
""""""""""

الشيخ تيسير التميمي: قاضي

الأب الدكتور عطا الله حنّا

الأستاذة حياة المسيمي

الدكتور رائد نعيرات

الأستاذ رشاد أبو شاور

الأستاذ عبد الله حوراني

الأستاذ منير شفيق

 الأستاذ ماجد الزير

 الأستاذ عـادل عـبد الله
( أبوالبراء )

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان