|
الجارية
والكهرباء، وقد حكى صدام لأمير إسكندر كاتب سيرته الذاتية
عن تلك الفترة قائلا : "لم أشعر أنني طفل أبدًا، غالبًا ما
كنت أتجنب مرافقة الآخرين". ولكنه وصف تلك الظروف بأنها
منحته الصبر والتحمل والاعتماد على الذات
ومن ضمن ما حكاه صدام لإسكندر أيضا أنه عاش حياة شقية
اندفع إليها بسبب الفقر، كان يبيع البطيخ في القطار الذي
كان يتوقف في تكريت في طريقه من الموصل إلى بغداد كي يطعم
أسرته.
وفى بغداد ، التحق صدام بالثانوية الوطنية بتوجيه من خاله
وذكر صدام في سيرته الذاتية انه استفاد الكثير عندما انتقل
للعيش مع خاله ، وانه تعلم منه العديد من الدروس، وخصوصاً
ذلك الدرس حينما أخبره أنه يجب أن لا يستسلم لأعدائه مهما
كانت كثرتهم وقوتهم.وفي سن العشرين عام 1957، ارتبط صدام
بحزب البعث الثوري القومي-العربي الذي كان يبشر بفكرة
الاشتراكية العربية، والذى كان خاله داعماً له مع أنه كان
محظورا في هذا الوقت .
وفي عام 1959 شارك صدام حسين الشاب في محاولة فاشلة
لاغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم، وهو الضابط الذي أطاح
بالملكية في العراق وأقام النظام الجمهوري عام 1958.
وهرب صدام إلى القاهرة بعد فشل محاولة الاغتيال ، والتحق
بمدرسة قصر النيل الثانوية بحي الدقي حيث كان يعيش، ومنذ
عام 1959 وحتى تخرجه عام 1961 عاش صدام حياة النفي السياسي
ولم يعرف عنه في هذه الفترة ميل لحياة الليل والسهر،وقادته
وحدته إلى قضاء وقت طويل مع حارس العمارة التي كان يعيش
فيها في حي "الدقي"، كان الحارس يعامله بشكل طيب وهو ما
ترك أثرًا عميقًا على شخصية صدام الذي لم ينس ذلك الرجل
أبدًا، ودأب صدام على إرسال الهدايا إليه بشكل منتظم .
وحكى صدام عن نفسه خلال تلك الفترة أنه كان يتخذ من جمال
عبد الناصر مثلاً أعلى له يحاول تقليده، وأنه بهروبه
للقاهرة لم يتعرض للمحاكمات العلنية التي أجريت على
المشاركين في محاولة اغتيال قاسم، خاصة أن قيادة الثورة
بمصر تعاطفت مع هذه المحاولة. وعاد صدام مرة أخرى إلى
العراق بعد أن تسلم حزب البعث السلطة في انقلاب عسكري عام
1963، إلا أنه وضع في السجن بعد تسعة أشهر عندما انقلب
العقيد عبد السلام عارف الذي قام بالانقلاب على حزب البعث
وأبعده عن السلطة.
وبعد الاطاحة بنظام عبد السلام عارف وتولى أحمد حسن البكر
السلطة تم تعيين صدام في عام 1976 كجنرال في قوات الجيش
العراقي. ومنذ هذا الوقت بدأ ببطء بتدعيم سلطته في حزب
البعث ، وبسرعة أصبح لدى صدام دائرة دعم قوية داخل الحزب
إلى أن أصبح نائبا للرئيس .
وحيث أصبح الرئيس العراقي الضعيف والمسن أحمد حسن البكر
غير قادر على القيام بمهامه أكثر وأكثر، بدأ صدام يأخذ
دورا أبرز كشخصية رئيسية في الحكومة العراقية، داخليا
وخارجيا. وبسرعة أصبح مهندس السياسات العراقية الخارجية
ومثل العراق في جميع المواقف الدبلوماسية. وبنهاية
السبعينات، ظهر صدام كحاكم العراق الفعلي بشكل لا يقبل
التأويل.
وعندما استقال أحمد حسن البكر المريض في 16 يوليو 1979
أصبح صدام بشكل رسمي الرئيس الجديد للعراق. بعد ذلك بفترة
وجيزة، جمع قيادات حزب البعث في 22 يوليو 1979، وخلال
الإجتماع، الذي أمر بتصويره، قال صدام بأنه وجد جواسيس
ومتآمرين ضمن حزب البعث، وقرأ أسماء هؤلاء الذين توقع أنهم
سيعارضونه. وتم وصم هؤلاء بالخيانة وتم إقتيادهم واحدا تلو
الآخر ليواجهوا الإعدام رميا بالرصاص خارج قاعة الإجتماع
وعلى مسامع الحاضرين. وبعد إنتهائه من قراءة القائمة، هنأ
صدام الباقين لولائهم في الماضي وفي المستقبل.
وعزز صدام قوته في دولة متشبعة بالتوترات السابقة فقبل
صدام بزمن، كان العراق منقسما إجتماعيا،إقتصاديا وسياسيا
بين القوميين والشيوعيين والاسلاميين ، ولذا سارع فور
توليه السلطة إلى توحيد حزب البعث وأخذه دورا رياديا في
معالجة مشكلة العراق الإقتصادية الأساسية، والعمل على
توسيع قاعدة منتسبي حزب البعث وأنشأ جهازا أمنيا لحماية
السلطة والشعب من الداخل من الإنقلابات العسكرية والتمردات
بالاضافة إلى تقوية جهازالشرطة السرية التي تنقل كل صغيرة
و كبيرة الى الاجهزة الامنية.
كما تبنى تطوير اقتصاد العراق العراق وفى 1 يونيو 1972،
قاد صدام عمليه مصادرة شركات النفط الغربية، والتي كانت
تحتكر نفط العراق. بعدها بعام، إرتفعت أسعار النفط بشكل
متزايد نتيجة أزمة البترول العالمية. وإستطاع صدام متابعة
خططه الطموحة في السيطرة و حكم العراق والوصول به الى
القمة وتطوير العراق بعائدات النفط الكبيرة.
وبفترة لا تتجاوز العدة سنوات، قدمت الدولة الكثير من
الخدمات الإجتماعية للعراقيين ، وبدأ صدام أيضا "حملة
وطنية لإستصال الأمية" وحملة "التعليم الإلزامي المجاني في
العراق" حتى أعلى المستويات العلمية؛ كما وفرت الحكومة
العناية الصحية المجانية للجميع، ووفرت المعونات المالية
للمزارعين. وأنشا العراق واحدة من أفضل أنظمة الصحة العامة
في الشرق الأوسط، وحصل صدام على جائزة من منظمة اليونيسكو
التابعة للأمم المتحدة .
العلاقات الخارجية
سعى صدام حسين أن يلعب العراق دورا رياديا في الشرق الأوسط.
فوقع العراق إتفاقية تعاون مع الإتحاد السوفييتي عام 1972،
وأرسل للعراق أسلحة وعدة آلاف من الخبراء. ولكن الإعدام
الجماعي للشيوعيين العراقيين عام 1978 وتحول العلاقات
التجارية إلى الغرب وتّر العلاقات مع الاتحاد السوفيتي
وإتخذ العراق منحى أقرب إلى الغرب منذ ذلك الحين وحتى حرب
الخليح عام 1991.
قاد صدام المعارضة العربية لتفاهمات كامب ديفيد بين مصر
وإسرائيل عام 1979. وفي 1975 تفاوض على تفاهمات مع إيران
اشتملت على تنازلات بخصوص الخلاف الحدودي، وبالمقابل وافقت
إيران على التوقف عن دعم المعارضة الكردية في العراق.
يذكر أنه كان على العراق منذ تأسيسه كدولة حديثة عام 1920،
التعامل مع الإنفاصاليين الأكراد في الأجزاء الشمالية من
البلاد. وكان صدام قد تفاوض ووصل إلى إتفاق في 1970 مع
القادة الإنفصاليين الأكراد، معطيا إياهم حكما ذاتيا، ولكن
الإتفاق إنهار. وكانت النتيجة قتالا قاسيا بين الحكومة
والجماعات الكردية وصل لحد قصف العراق لقرى كردية في إيران
مما جعل العلاقات العراقية الإيرانية تسوء وجاء اتفاق 1975
لينهى هذا الخلاف .
أطلق صدام مشروع التقدم النووي العراقي في الثمانينات من
القرن الماضي، وذلك بدعم فرنسي. وأسمى الفرنسيون أول مفاعل
نووي عراقي بإسم أوسيراك، إله الموت المصري القديم. وتم
تدمير المفاعل بضربة جوية إسرائيلية، بحجة ان إسرائيل شكت
في أن العراق كان سيبدأ إنتاج مواد نووية تسلحية.
الحرب العراقية الإيرانية
في 1979 قامت الثورة الإيرانية وتم الإطاحة بالشاه محمد
رضا بهلوي، وتم إقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية
بقيادة آية الله الخميني. تنامى تأثير التوجه الثوري
الإسلامي الشيعي في المنطقة، وخاصة في الدول ذات النسب
العالية من السكان الشيعة، وخاصة العراق. فخشي صدام من
إنتشار الأفكار الإسلامية الراديكالية-المعادية لنظام حكمه
العلماني- بين أكثرية السكان الشيعة.
وكان هناك أيضا عداء بين صدام والخميني منذ السبعينات وذلك
لان الخميني عندما كان مبعدا من إيران منذ 1964، أقام في
العراق في مدينة النجف المقدسة لدى الشيعة وتحت ضغوط من
الشاه، الذي وافق على تقارب بين العراق وإيران في 1975،
وافق صدام على إبعاد الخميني عام 1978.
ولذا بعد وصول الخميني للسلطة، بدأت المناوشات بين العراق
و إيران الثورية لعشرة أشهر حول الأحقية بمعبر شط العرب
المائي المختلف عليه، والذي يفصل بين البلدين. فإجتاح
العراق إيران بالهجوم على مطار ميهراباد قرب طهران ودخل
إلى المنطقة الإيرانية الغنية بالنفط خوزستان (الأهواز) في
22 سبتمبر 1980. أعلن صدام خوزستان محافظة جديدة في العراق.
وخلال الحرب، كانت الولايات المتحدة الامريكية والإتحاد
السوفييتي وكذلك معظم الدول العربية في المنطقة تقدم الدعم
لصدام.وخلال الحرب إستخدم العراق الأسلحة الكيماوية ضد
القوات الإيرانية والإنفصاليين الأكراد ، حسبما ذكرت
مصادرهم فيما بعد .
انتهت الحرب الدموية التي إستمرت 8 سنوات بمأزق، كان هناك
مئات الألوف من الضحايا. ولعل مجموع القتلى وصل إلى 1.7
مليون فرد للطرفين. وكلا الإقتصاديين، اللذان كانا قويين ،
تحولا إلى دمار. وأصبح العراق مدينا بتكاليف الحرب بدين
يقدر بحوالي 75 بليون دولار للولايات المتحدة والدول
العربية .
وبعد انتهاء الحرب ، وتحديدا في 16 مارس 1988 نظم الاكراد
انتفاضة ضد نظام صدام ، وحاولت القوات العراقية سحق تلك
الإنتفاضة فيما أطلق عليها حملة الأنفال، وادعت مصادر
كردية أن بلدة حلبجة الكردية هوجمت خلال تلك الحملة بخليط
من الغاز السام ومؤثرات الأعصاب، مما أدى إلى مقتل آلاف
الاشخاص .
غزو الكويت
هاجم صدام الكويت في أغسطس عام 1990 بعد خلافات حدودية
واستمر الاحتلال لمدة عام حتى أجبر على الانسحاب عام 1991
، بعد أن قادت الولايات المتحدة تحالفا دوليا ضده ، ومنذ
هذا الوقت ساءت علاقات صدام مع دول الخليج ودول عربية أخرى
وتعرض لعزلة دولية وتم فرض حصار اقتصادى على العراق
بالاضافة إلى فرض مناطق حظر طيران في شماله وجنوبه .
ومنذ تولى جورج بوش الابن الحكم في الولايات المتحدة ،
تصاعدت الضغوط على نظام صدام حسين بزعم امتلاكه أسلحة دمار
شامل ، وقامت امريكا وعدد من حلفائها بغزو العراق في 20
مارس 2003 .وبقيت أخبار صدام مجهولة في الأسابيع الأولى
بعد سقوط النظام وإنتهاء العمليات الرئيسية للحرب. تم
التبليغ عن عدّة مشاهدات لصدام بعد الحرب ولكن أيا منها لم
يكن مثبتا.
تم وضع صدام على قمة لائحة المطلوبين، وتم إعتقال العديد
من أفراد النظام العراقي السابق، ولكن الجهود الحثيثة
للعثور عليه باءت بالفشل. أبناءه وخلفاءه المتوقعون ، عدي
وقصي صدام حسين ، قتلوا في يوليو 2003 أثناء إشتباك عنيف
مع القوات الأمريكية في الموصل.
قام الحاكم المدني الامريكى في العراق بول بريمر بالإعلان
رسميا عن القبض على صدام بتاريخ 13 ديسمبر 2003 وذلك في
مزرعة قرب مدينة الدور قرب تكريت.
ظهر صدام خلال اعتقاله بلحية طويلة وشعر غير مرتب بشكل
يختلف عن مظهره المعتاد.وكان هذا بداية أفول نجم صدام الذي
عرف عنه شخصيته القوية والحازمة ، حيث أمسك العراق بقبضة
فولاذية لمدة 35 عاماً ، وتخلص من جميع خصومه السياسيين ،
حتى دانت له السلطة.
محاكمة صدام
حوكم صدام وسبعة من رموز نظامه بتهم ارتكاب جرائم ضد
الإنسانية في بلدة "الدجيل" الشيعية إثر تعرضه لمحاولة
اغتيال هناك في 8 يوليو عام 1982.
والمتهمون مع صدام في تلك القضية هم : برزان ابراهيم
التكريتي: شقيق صدام حسين وكان رئيس المخابرات العراقية في
ذلك الفترة.
طه ياسين رمضان: كان نائب رئيس الجمهورية في تلك الفترة.
عواد حمد البندر: كان يشغل منصب رئيس محكمة الثورة التي
أصدرت الأحكام في أحداث بلدة الدجيل.
عبد الله كاظم رويد و مزهر عبدالله رويد و علي الدائي و
محمد عزام: مسؤولون بارزون في حزب البعث في منطقة الدجيل
أثناء محاولة اغتيال صدام الفاشلة.
وكان صدام قد قام في 8يوليو 1982 وفي خضم حرب الخليج
الأولى بزيارة البلدة التى تقع جنوب بغداد وتضم أغلبية
شيعية واثناء مرور موكبه بالبلدة تعرض الموكب الى اطلاقات
نارية من قبل اعضاء في حزب الدعوة الاسلامية وتم تبادل
لاطلاق النيران بين اعضاء الحزب وحرس صدام .
بعد عملية الاغتيال هذه وحسب إفادة الشهود المشتكين ، قامت
قوات عسكرية وبأمر من صدام حسين بعمليات دهم واعتقال
وتفتيش واسعة النطاق في البلدة قتل واعدم على اثرها 143 من
سكان البلدة من بينهم وحسب افادة الشهود أطفال بعمر 13 سنة
كما تم اعتقال 1500 من سكان البلدة ونقلهم الى سجون
العاصمة بغداد حيث تعرضوا لكافة أنواع التعذيب .وبلغت
جلسات محاكمة صدام في تلك القضية 41 جلسة وقاطع طاقم
الدفاع جلسات محاكمة الدجيل قبيل إنتهاء المرافعات الأخيرة
في القضية في يوليو الماضى احتجاجا على تدخل الحكومة في
شئون المحكمة وتعيين قاض جديد هو الكردى رؤوف رشيد عبد
الرحمن الذي يعرف عنه العداء الشديد لصدام .
وأكد فريق الدفاع أكثر من مرة أنه لم يحصل على الوقت
الكافى لمراجعة ملفات القضية بينما أبدت منظمات مراقبة
حقوق الإنسان ومنظمة العفو الدولية ملاحظات حول معايير
المحكمة الجنائية التى تنظر قضية الدجيل لأنها حسب نظرهم
لاترتقي إلى مستوى المعايير الدولية كما أبعدت الأمم
المتحدة نفسها كليا عن إجراءات المحاكمة لنفس الأسباب
ولاحتمال صدور حكم بإعدام صدام . |