للأخبار                                                                 
P            شبكه رمضان

استراتيجية التعامل مع الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني:

حـق العـودة نمـوذجـاً

الأستاذ / منير شفيق

ثمة ثلاثة حقوق للفلسطينيين نجمت عن حرب 1948/1949 وإقامة الدولة الإسرائيليّة وتهجير حوالي تسعمائة ألف مسلم ومسيحي عربي من فلسطين.

الحق الثابت الأول هو حرمان الشعب الفلسطيني من حق تقرير مصيره ومصير فلسطين. وهذا الحق مسلّم به ويسنده ميثاق عصبة الأمم المتحدة وقرار إعطاء بريطانية حق "الانتداب على فلسطين، فالشعب الذي كان يسكن فلسطين قبل الانتداب فهو صاحب الحق وفقا للقانون الدولي بتقرير المصير. وهو ما مارسته كل شعوب المستعمرات لاحقاً. ولم يستطع أحد أن يطعن فيه أو يعترض عليه.

ولهذا اعتبر قرار 181 لعام 1947 الصادر عن هيئة الأمم المتحدة مخالفاً لميثاقها، وللقانون الدولي إذ ليس من حق أية هيئة دولية أن تسلب حق تقرير المصير من الشعب المعني فتقوم مقامه بتقرير مصير بلاده، ومن دون موافقته. بل حتى هذه اللحظة وبناء على المعاهدة الدولية لعام 1969 بخصوص حقوق شعوب المستعمرات، إلى جانب ما أشير إليه أعلاه، ما زالت دولة إسرائيل من زاوية القانون الدولي غير شرعيّة ما لم توقع معاهدة دولية بينها وبين الشعب الفلسطيني يقر لها فيها بحق إقامة دولتها على أرضه أي يتنازل لها عن ذلك الحق. وهو ما لم يحصل حتى الآن.

الحق الثابت الثاني هو حق كل من هجّر من أرضه ووطنه سواء أكان بالقوة المباشرة أم بالترهيب أو التهديد أو التضليل، أو بعبارة واحدة: من خلال كل ذلك مجتمعا. أي حق العودة إلى أرضه وبيته، مالكاً كل حقوقه التي كانت له يوم وقع تهجيره. وهذا ما أقرّ به قرار 194. ولم يخضعه للمساومة أو المفاوضة وإنما إلى رغبة المعني الفرد وحده. ومن ثم لا يجوز أن يفرض عليه التعويض، أو أية بدائل أخرى. وهو ما لا تملكه أيضاً دولته أو حكومته أو ممثلوه المنتخبون، لأنّ هذا الحق يدخل ضمن حقوق الإنسان الفرد. فكما لا تستطيع أية دولة أو برلمان أن يلغيا حقاً من حقوق الإنسان المتفق عليه دولياً فكذلك لا تستطيع أية هيئة دولية أو مجموعة دول أو الجامعة العربية أو منظمة المؤتمر الإسلامي، ولا حتى أية قيادة أو سلطة فلسطينية أن تنوب مناب المهجّر من أرضه في تحديد خياره الفردي في العودة إلى مكان سكناه الذي هجّ منه.

كما لا يجوز أن تمارس عليه الضغوط ترهيبا أو إغراء أو فرض بدائل أخرى. فكل فرض أو ابتزاز أو تحكم في حرية إرادة الاختيار يعتبر انتهاكاً لحقوق الإنسان ومخالفا للقوانين الجزائيّة التي تجرّم كل من يمارس مثل تلك الضغوط لحرمان إنسان ما من خياره الحر في مثل هذه الحالات.

ولهذا لا مفرّ من أن يُقرّ بهذا الحق لكل من هجّر من فلسطين في حرب 1948/1949 هو وورثته (وينطبق هذا على من أجبروا على النزوح في حرب حزيران/ يونيو 1967 كذلك). ومن ثم يترك لكل فرد أن يقرّر إن كان يريد ممارسة هذا الحق أو التنازل عنه.

الحق الثابت الثالث هو حق الملكية الفردية، أي الحق الذي اعتبره القانون الروماني أساس المواطنة. وتعتبره الديمقراطيات الغربية الحق "المقدس" الذي لا يجوز المساس به بالسرقة أو المصادرة أو الاغتصاب أو الاحتيال. وأقرته شرائع الأديان السماوية. ولم يتساهل به غير الذين قالوا بحق المصادرة من أجل الملكية العامة أو المصلحة العامة ضمن إطار البلد المعني وشعبه ومجتمعه فيما لم يجرأ أحد على إعطاء حق المصادرة لدولة غير الدولة المعنية التي ينتمي إليها الفرد أو لشعب غير الشعب الذي ينتسب إليه الفرد المعني. وبكلمة إنّ المساس بحقوق الملكية الفردية للفلسطيني الذي هجّر من أرضه سواء كان عن طريق المصادرة أو غيرها لا يمكن أن يكون من صلاحيات الدولة الإسرائيليّة التي هي نفسها تفتقر إلى الشرعيّة كما تقدّم أعلاه.

ولهذا إنّ الحق الثابت المتعلق بحق الملكية الفردية (وهذه من الحقوق الثابتة للورثة أيضاً)، لا يشمله حق العودة فحسب وإنما هو حق قائم بذاته. وبالمناسبة هذا الحق استندت إليه الحركة الصهيونية والدولة العبريّة في المطالبة بحقوق الملكية لليهود الذين حرموا منها لأي سبب كان. وما زالت هذه المطالبة قائمة على مستوى الأفراد كما على مستوى ممثليهم. فكيف يمكن أن يعامل هذا الحق بمعيار مزدوج. فإذا كانت الازدواجية في المواقف السياسيّة يدخلها البعض في اللعبة السياسيّة إلاّ أن من غير الممكن أن تقوم ازدواجيّة في ما يتعلق بحقوق الملكية الفردية أو بأية حقوق يقرها القانون.

من هنا فإن كل مواجهة للحقوق الفلسطينية لا تسلم بهذه الحقائق تبدأ من النقطة الخاطئة ولا تساعد على حل الإشكالات ويجب أن تثقل ضمير كل من يهمّه أن يكون منصفاً أو إلى جانب العدالة والحق. ولهذا يتناقض مع نفسه كل من يطالب الشعب الفلسطيني بقبول أي حل من الحلول المطروحة على الساحة بما فيها تلك التي تحاول تجاوز الحقوق الثابتة الثلاثة آنفة الذكر باعتبارها غير موجودة أصلاً، أو غير قائمة، أو خاضعة للتقادم ومرور الزمن، أو من خلال التعامل مع الوقائع وموازين القوى وما شابه.

هذا النهج هو المسؤول، من بين أسباب أخرى، عن فشل كل تلك الحلول. والأهم هو المسؤول عن تشجيع قيادات الدولة الإسرائيليّة بعد احتلال الضفة الغربيّة وقطاع غزّة في عام 1967 إلى عدم الاعتراف حتى بقراري 242 و238، والسعي لضم القدس وبناء المستوطنات ومصادرة المزيد من الأراضي فيها والضغط لتهجير ما أمكن من سكانها، وأخيرا وليس آخرا بناء الجدار الذي يراد له أن يثبت أمرا واقعا كالذي ثبتته خطوط هدنة 1949.

ثم نقطتان يجب الانتباه إليهما من جانب كل ما يتدخل في القضية الفلسطينية، سواء كان من الفلسطينيين أو العرب والمسلمين، أم كان من الحريصين على إيجاد حل يحقق بعض الإنصاف للفلسطينيين، ويخفف من مأساتهم وما يعانونه مباشرة أو بصورة غير مباشرة من الدولة الإسرائيليّة والاحتلال الإسرائيلي داخل فلسطين وخارجها، أم كان ممن يهمهم إطفاء بؤر الصراع وإحلال السّلام والاستقرار لأسباب عالمية وإقليمية.

النقطة الأولى: إنّ استراتيجية المشروع الصهيوني ومن بعده استراتيجية الدولة الإسرائيليّة منذ قيامها حتى اليوم لم تحددا أهدافهما بدقة، لا سيما في ما يتعلق بحدود الدولة كما في الحل الذي يقبلون به أو في الدور الذي تريد أن تلعبه أو تكون عليه في المنطقة العربية-الإسلامية، أو ما أصبح يسمى الآن بالشرق الأوسط الكبير أو بلا كبير. وبالمناسبة تسمية "الشرق الأوسط" ليست بريئة، لأنها ترمي إلى تجاهل هوية شعوب المنطقة وجعلها هوية جغرافية لا أكثر.

فقد كانت إدارة الصراع تتلخص بالآتي من جانب الاستراتيجيتين المذكورتين: نحن نبني وقائع على الأرض خطوة بعد خطوة، وبأشكال مختلفة من بينها الاستيلاء على الأرض بالقوة وترحيل الفلسطينيين ومن دون تحديد الهدف إلى أين وإلى أي حدّ؟ لكن على الآخرين، الدول الغربية والدول العربيّة والفلسطينيين وكل من يهمه الأمر، أن يقترح حلولاً فيضغط على الشعب الفلسطيني والعرب للقبول بها. وهذه دائماً تتضمن تنازلات للمشروع الصهيوني والاعتراف بما تكرّس من وقائع أو حقائق على الأرض. لكنّ القيادة الإسرائيلية لا تقوم بالمقابل بالاعتراف بأي من تلك الحلول، تحت حجة إخضاعها للمفاوضات. وهنا يمكن أن تتحول المفاوضات إلى مطالب تعجيزية أو إلى لعبة لا نهائية فيما يمضي العمل في تغيير الوقائع والحقائق على الأرض. وذلك ليطلب من جديد بحلول تراعيها وتأخذها بعين الاعتبار.

وهكذا راحت القضيّة نفسها تتكرّر منذ ما بعد الحرب العالمية الأولى حتى يومنا هذا: التنازل يقع من طرف واحد. وهو من الجميع فلسطينياً وعربياً وإسلامياً ودولياً، بما في ذلك أوروبياً وأمريكياً. أما الدولة العبرية فلا تقول ماذا تريد ولا أي حل مستعدة للقبول به، وإن قالت فالغموض والزئبقيّة بما يبقي الباب مفتوحاً لمزيد من الضم ومصادرة الأراضي وتهجير الفلسطينيين.

ولهذا يجب التوقف عن هذه اللعبة الجهنمية المدمّرة. وذلك بالامتناع عن تقديم أي تنازل، أو طرح أي حلّ، أو القبول بأي حلّ من قبل ذلكم الجميع وفي الأساس الفلسطينيون والعرب ما لم تقل الدولة العبرية ماذا تريد من فلسطين أو ماذا ستقبل أن تترك للفلسطينيين (أصحاب الحقوق الثابتة الآنفة الذكر) من فلسطين. وذلك بلا غموض ولا اختباء وراء تقرير ذلك من خلال المفاوضات حيث أثبتت التجربة العملية عبثيتها ولا نهائيتها حتى الآن.

النقطة الثانية إدراك الواقع الذي يجري فرضه ويراد أن تدور الحلول والمفاوضات انطلاقاً منه، وبلا تحديد إلى أين؟.

لم يعد وارداً من وجهة النظر الإسرائيليّة، وتم انتزاع تأييد أمريكي صريح لها. والآن يصار إلى ترويض الاتحاد الأوروبي للقبول بها. وهي ابتلاع خطة شارون المسماة خطة الفصل من جانب واحد، أي فرض الأمر الواقع الذي يكرسه الجدار: أي عدم الانسحاب إلى خطوط الهدنة 1949 كما يقضي القرار 242 و 338 والتسليم بضم المستوطنات الكبرى الأساسية وهي التي يحددها مسار الجدار الذي يبتلع بالإضافة إليها حوالي 60 في المائة من الأراضي، وضم المستوطنات وضم القدس إلى جانب مشروع اقتسام المسجد الأقصى كخطوة أولى تمهيداً لهدمه، أو الاستيلاء عليه بالكامل. أما سمته الثانية فهي تقطيع أوصال ما تبقى من الضفة الغربيّة بحيث تتحول حياة مئات الألوف من الفلسطينيين إلى جحيم، مما يؤدي إلى هجرتهم أو في الأصح تهجيرهم. مما يجعل من يطالبون بحق العودة ، وحق الملكية الفردية من الفلسطينيين يتضخمون باستمرار. أي ستُضاف مئات ألوف جديدة إلى عالم الهجرة. ولهذا يجب ألا يركز على وصف الجدار بالجدار العنصري بالرغم مما يتسم به من عنصريّة، لأنّ سمتيه الأساسيتين الأهم هما مصادرة المزيد من الأراضي وتقطيع أوصال الفلسطينيين لإجبار مئات الألوف على الهجرة، فهي عنصرية اغتصابية تهجيريّة وليس مجرّد ميز عنصري.

ومن ثم أرى أن يحمل هذا اللقاء إلى جانب تشديده على حق العودة لمن هجّروا من بلادهم ومواطن سكناهم في فلسكين عام 1949 وعام 1967 شعارات راهنة تردّ على ما يجري الآن من فرض وقائع إسرائيليّة جديدة في فلسطين وهي: أوقفوا تهويد القدس الشرقيّة. امنعوا الاعتداء على المسجد الأقصى واقتسامه. أزيلوا الجدار الذي يصادر الأرض ويهجّر مئات الألوف من الفلسطينيين، ويجعل من قراري 242 و338 ومن أية دولة فلسطينية أضحوكة.

أعيدوا النظر في كل النهج الذي تعاطت به أوروبا وأمريكا ومازالتا مع القضيّة الفلسطينيّة والصراع العربي الإسرائيلي، لأنّ هذا النهج أوصل  الوضع إلى خطة شارون وبناء الجدار وإعادة توليد المزيد من التجيير وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه حتى في الضفة الغربية والقدس والمسجد الأقصى.

هذه المراجعة لهذا النهج يجب أن تشمل مراجعة فلسطينية وعربيّة، بحيث يتوقف مسلسل التنازلات. ومن ثم لا تشجع إسرائيل على المزيد من التطرّف، ومفاقمة الصراع، وتهديد الأمن والسّلام العالميين. حقاً لم يخطئ الرأي العام الأوروبي حين اعتبر 59 في المائة منه أنّ دولة إسرائيل أخطر دولة على الأمن والسّلام في العالم.

وختاماً لتتوقف الضغوط الدولية على الفلسطينيين والعرب، وليُطلب من قادة الدولة الإسرائيليّة أن يحددوا بلا غموض أو مواربة ماذا تريدون وإلى أين تريد "دولتكم" أن تصل؟ وما الحلّ الذي تقبلون به؟.

أعلى الصفحة
لآعلى

 


 

 

كلمات أخرى بالمؤتمر
""""""""""

الشيخ تيسير التميمي: قاضي

الأب الدكتور عطا الله حنّا

الأستاذة حياة المسيمي

الدكتور رائد نعيرات

الأستاذ رشاد أبو شاور

الأستاذ عبد الله حوراني

الأستاذ منير شفيق

 الأستاذ ماجد الزير

 الأستاذ عـادل عـبد الله
( أبوالبراء )

 

 

جميع الحقوق محفوظه لشبكه رمضان