كلمة سماحة الشيخ تيسير رجب التميمي
- قاضي قضاة فلسطين، رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي -
يقول الله
سبحانه وتعالى "لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ
يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ
أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ
قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ
وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ
يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ" الممتحنة 8-9.
تعارض معظم
الأحزاب الإسرائيلية من اليسار واليمين عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى
أراضيهم وبيوتهم التي طردوا منها عام 1948، بحجة أنّ عودتهم ستُحدِث
خللاً سكانياً لصالح الفلسطينيين، وينهي عملياً وجود إسرائيل كدولة
يهودية، علماً أنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين في الشتات يبلغ الآن حوالي
خمسة ملايين لاجئ.
وتتبنى
كثير من المنظمات اليهودية والصهيونية الفاعلة في المجتمع الأمريكي
ودوائر الكونجرس فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين في عدة مناطق عربية
أو غير عربية، وتعمل على الترويج له أيضاً في العالم العربي بل وفي
فلسطين نفسها.
إنّ دافع
الرفض الإسرائيلي المتزمِّت لعودة اللاجئين الفلسطينيين، هو نفس الدافع
الذي أنشأ مشكلتهم أساساً، فقد قام جيش الاحتلال ورجال العصابات من
المستوطنين والغزاة بارتكاب العديد من المذابح والمجازر الرهيبة، مثل
دير ياسين والدوايمة وغيرها بهدف ترويع السكان الفلسطينيين وإرهابهم
وتشريدهم من أراضيهم وبيوتهم، لإحداث الخلل السكاني الذي يمكن هؤلاء
الصهاينة من إقامة دولتهم ذات الأغلبية اليهودية، فهم الذين أحدثوا
الخلل السكاني في الماضي وهم الذين يتذرَّعون به الآن لمنع اللاجئين من
حق العودة إلى بيوتهم وأراضيهم.
وبهذا
يتبيّن أنّ الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين هو احتلال استيطاني استئصالي
إحلاليّ، يعمل على استئصال أصحاب البلاد الأصليين وطردهم من أراضيهم
واستقدام اليهود من شتى بقاع الأرض لإحلالهم مكانهم، مثلما فعلت مع
يهود الفلاشا ويهود الاتحاد السوفييتي السابق، وهذا دأب سلطات الاحتلال
منذ العزم على اغتصاب فلسطين في المؤتمر الصهيوني عام 1897. وهو دأبها
كذلك في مدينة القدس بما تمارسه فيها منذ احتلالها عام 1967، حيث
تتَّبع كل الإجراءات لتهويدها وتفريغها من سكانها العرب بشتى الوسائل
والأساليب، وأقدمت في السنوات الأخيرة على سحب هويات أكثر من ستة آلاف
عائلة مقدسية، وتبنَّت أيضاً سياسة الإبعاد القسري ضد المواطنين
الفلسطينيين الذين يقاومون الاحتلال خارج فلسطين منذ احتلال عام 1967.
ومن أكبر
الأدلة والبراهين على السياسة الاحتلالية الرامية إلى تفريغ الأرض
الفلسطينية من أهلها؛ ما تمارسه ضد إخواننا داخل فلسطين المحتلة عام
1948 من مضايقات في العمل والسكن والبناء، ومن تمييز في الحقوق
والامتيازات والتي يُحرمون منها بينما يتمتع بها اليهود.
ولنفس
الهدف أيضاً أقدمت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مؤخراً على بناء جدار
الفصل العنصري، الذي يمثل صورة جديدة لاغتصاب الأرض وتضييق كل سبل
الحياة على أهلها لإجبارهم على مغادرتها. فهو يجعل إقامة الدولة
الفلسطينية أمراً مستحيلاً، ويلتهم نسبة كبيرة من الأراضي الفلسطينية
في الضفة الغربية، خاصة الأراضي الزراعية منها، والتي يعتمد عليها
المواطنون كمصدر رزق لهم، فهو يمسّ حياة الشعب الفلسطيني بشكل خطير
جداً، ويشكل تهديداً للبنيان الاجتماعي في الأسرة، إذ أنه يفصل أبناء
الأسرة الواحدة، ويؤثر كذلك على الاقتصاد الفلسطيني المتدهور أصلاً
بصورة سلبية مضاعفة، فبسببه لا يتمكن العامل من الوصول إلى مركز عمله،
ويُمنع المزارع من الوصول إلى مزرعته أو قطف محصوله الزراعي الذي
ينتظره عاماً كاملاً، وتتأثر الخدمات الصحية التي يجب تقديمها
للمواطنين بسبب عدم تمكنهم من الوصول إلى المشافي وإعاقة سيارات
الإسعاف والطواقم الطبية من أداء مهامها العلاجية، ويعرقل وصول الطلاب
إلى مدارسهم وجامعاتهم. وهكذا تحولت المدن والقرى والمخيمات والتجمعات
السكانية إلى سجون ومعتقلات كبيرة، بحيث لا يتمكن أحد من الخروج أو
الدخول إلاَّ عبر بوابات الذل والإهانة وبتصريح من سلطات الاحتلال
الإسرائيلي.
ولا تزال
هذه السلطات تواصل بناءه في تحد صارخ لقرار محكمة العدل الدولية في
لاهاي، الذي أشار إلى أنّ بناء الجدار مخالف للاتفاقيات والمواثيق
والمعاهدات الدولية، ودعا إلى إزالته وتعويض المواطنين عن الأضرار التي
ترتبت على إقامته.
وأما حق
العودة فالمشاهد على مستوى العالم وفي جميع الحروب التي كانت تنشب بين
الدول، أنه ينتج عنها لجوء قسري مؤقت للسكان، حيث يفرون من مناطق
الصراع لينجوا بأنفسهم وأهليهم إلى مناطق آمنة، ويقيمون في مخيمات
مؤقتة وتقدم لهم مواد الإغاثة من الأمم المتحدة ومنظماتها، وتأتيها
المعونات من جهات إنسانية عديدة، فإذا ما انتهت الحروب عاد السكان
المشرّدون إلى وطنهم وأراضيهم وبيوتهم بإشراف الأمم المتحدة أو الدول
أطراف النزاع، وهذا ما حصل من قريب في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا
وكرواتيا وأفغانستان وفي جميع الحالات المشابهة في العالم بلا استثناء،
فلماذا يُحرم الفلسطينيون وحدهم من هذا الحق؟ السبب الوحيد لذلك هو
رغبة الإسرائيليين بالمحافظة على الأغلبية اليهودية، فيسقطون في سبيل
تحقيق هذا الهدف حقاً شرعياً وأصيلاً وثابتاً للشعب الفلسطيني، وهذا
إجراء عنصري يتنافى مع الشرائع الإلهية والقرارات الدولية التي تعتبر
تهجير المدنيين الجبري إلى خارج الأراضي المحتلة انتهاكاً جسيماً لحقوق
الإنسان في حالات الحرب أو الاحتلال، وتفرض العقوبات على الدول وسلطات
الاحتلال التي تقترف هذه الانتهاكات.
يمثل حق
عودة اللاجئين من الشتات إلى أراضيهم وديارهم وبيوتهم جوهر القضية
العادلة للشعب الفلسطيني، وركناً أساسياً أصيلاً من أركان السيادة
الفلسطينية، بل هو أصل القضية وأساسها، لأنها في الأصل قضية شعب شُرِّد
بالحديد والنار من أرضه ووطنه، فهو حق مقدس يستمد شرعيته من القرار رقم
194 الصادر عن مجلس الأمن الدولي، بل إنّ هذا القرار وغيره لا قيمة له
إذا أُلغي حق العودة، لأنّ الأغلبية العظمى من الشعب الفلسطيني لن
تتمكن عندئذ من ممارسة حقوقها الكاملة التي نصت عليها هذه القرارات.
أما أبناء
شعبنا وقيادتنا فهم متمسكون بهذا الحق ولا يتنازلون عنه رغم المساومات
والإغراءات، ويعتبرونه من الثوابت الوطنية التي لا يمكن التفريط فيها
أبداً، ويرفضون كل مؤامرات ومخططات التوطين التي تحاك ضد هذا الحق
وتثار بين الحين والآخر وتهدف إلى شطبه وإلغائه، سواء في ذلك التوطين
في العراق أو لبنان أو كندا أو مستوطنات غزة بعد إخلائها، لأنهم يرون
التفريط فيه أو قبول التعويض عنه تصفية للقضية الفلسطينية، واستسلاماً
لإرادة الكيان الصهيوني في التلاشي والاضمحلال، ولا يسمحون لأي طرف
خارجي كائناً من كان أن يقرر إلغاءه، فإنّ أحداً لا يملك أبداً التنازل
عنه باسم الشعب الفلسطيني أو نيابة عنه، ويرون أن التوطين مخطط قديم
انهار في الماضي وانقضى أمام صمود الشعب الفلسطيني وإصراره على حقه في
العودة، ولا يمكن اليوم إعادة الحياة إليه من جديد، لأنهم لا يرضون
لوطنهم الحبيب وأرضهم التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم عبر مئات القرون
بديلاً ولو كان فردوس الدنيا.
لقد كان
تمسّك الرئيس الراحل ياسر عرفات - رحمه الله - بهذا الحق رغم الضغوط
الأمريكية والإسرائيلية الهائلة سبباً في سقوط كامب ديفيد. وأعلن
الرئيس أبو مازن منذ اليوم الأول لتوليه المسؤولية تمسكه بهذا الحق
الشرعي.
وإذا كانت
الحكومة الإسرائيلية جادة في السلام؛ فهذا هو سبيل السلام الحقيقي،
عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وأوطانهم التي طردوا منها ظلماً
وعدواناً عام 1948.
لقد علّمنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ حب الوطن من الدين، فقد تآمر
المشركون للقضاء عليه والخلاص من دينه ودعوته ورسالته قال تعالى
"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ" الأنفال 30، فلما خرج وقف مخاطباً مكة
حزيناً لفراقها "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله؛
ولولا أني أُخْرِجْتُ منكِ ما خرجت" رواه الترمذي. ومع ذلك استمر صلى
الله عليه وسلم في دار هجرته عاملاً مجاهداً، فما هي إلاَّ بضع سنين
حتى رجع إليها فدخلها من جديد فاتحاًً في السنة الثامنة للهجرة، واندحر
الشرك والمشركون، وظلت مكة المكرمة المشرفة وعاد إليها محمد صلى الله
عليه وسلم وأصحابه ممن أُخرجوا منها بغير حق، عادوا إلى وطنهم وديارهم
وأولادهم وأهليهم، فتحقق وعد الله تعالى الذي حذّر قريش من إخراج رسول
الله وصحبه، لكنها كابرت واستكبرت فأخرجتهم ظانَّة أنها بمأمن من
العقوبة قال تعالى "وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ
قَلِيلاً" الإسراء 76، وهذه نهاية عروش الظلم والطغيان فهي إلى زوال.
إنّ أرض
فلسطين ليست ملكاً لليهود، بل هي أرض عربية إسلامية، قرّر ذلك رب
العالمين سبحانه بقوله تعالى "سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ
لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى
الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" الإسراء 1، وسيبقى أبناؤها متمسِّكين بها
مدافعين عن عروبتها وإسلاميتها بالمُهَج والأرواح.