الأربعاء , 23 أكتوبر 2019

شعارهما «لا للهيمنة الأمريكية».. الصين وروسيا ترسخان تحالفاً للقرن الـ21 – تقرير

فيما كان الحلفاء الغربيون يجتمعون هذا الأسبوع في بريطانيا وفرنسا لإحياء الذكرى السنوية لأكبر عملية هجوم بحري في التاريخ. كان هناك اجتماع مهم آخر يهدف إلى ترسيخ تحالف جديد لهذا القرن.

التقى زعماء من دول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا، يوم الأربعاء 5 يونيو/حزيران 2019، في مدينة بورتسموث بإنجلترا، للاحتفال بذكرى مرور 75 عاماً على يوم الإنزال البحري، حيث غزت قوات الحلفاء شواطئ نورماندي خلال الحرب العالمية الثانية. وتوجَّه هؤلاء القادة، الخميس 6 يونيو/حزيران، إلى نورماندي للاحتفال بذكرى الهجوم على فرنسا التي كان يحتلَّها النازيون في يونيو/حزيران 1944.

كان من المقرر حضور ممثلين عن جميع الدول، التي شكَّلت تحالف الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى مبعوثين من ألمانيا.

لن يحضر زعيما روسيا والصين

وهما دولتان قدَّمتا تضحيات خاصة للمجهود الحربي لدول الحلفاء. ويجتمع قائدا الدولتين بمفردهما، بعيداً عن الطرف الشرقي لأوروبا، بحسب تقرير لصحيفة The Washington Post الأمريكية.

رحَّب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالرئيس الصيني شي جين بينغ في موسكو يوم الأربعاء في مستهل زيارته، التي تستغرق 3 أيام، إلى روسيا. ومثَّلت زيارة يوم الأربعاء ذكرى مرور 70 عاماً على العلاقات الدبلوماسية بين موسكو وبكين، ويزعم الجانبان أنَّ علاقتهما حالياً أفضل من أي وقت مضى. وقال شي لوكالة الأنباء الحكومية الروسية «Tass» قبيل زيارته، إنَّ بوتين «هو أفضل وأقرب أصدقائي».

يقف هذان التجمّعان الدوليان على طرفي نقيض

القديم والجديد، الشرق والغرب، الديمقراطية والاستبدادية. لكن تلك التباينات لم تكن واضحة على الدوام. حضر الرئيس الروسي لأول مرة احتفالات ذكرى يوم الإنزال في عام 2004. وعلى الرغم من أنَّ موسكو لم تكن مشاركة على نحوٍ مباشر في ذلك الغزو، أدَّى الجنود السوفييت الدور الأكثر أهمية في هزيمة ألمانيا النازية على الجبهة الشرقية، وتكبّدوا خسائر فادحة جراء ذلك.

كان حضور بوتين لتلك الاحتفالات لاحقاً في عام 2014 مشوباً بالتوتر وجاء وسط محاولات زعماء العالم لعزل موسكو بعد ضمَّها شبه جزيرة القرم. لم يُدع الزعيم الروسي هذا العام، لأنَّ الدعوة كانت لرؤساء الحكومات، وليس لرؤساء الدول، وذلك وفقاً لما قاله مسؤولو قصر الإليزيه.

في الوقت نفسه، قللت متحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية هذا الأسبوع من أهمية يوم الإنزال، واصفة عمليات إنزال نورماندي بأنَّها «لم تكن العامل المُغيَّر لموازين الحرب».

لذا، نظَّم الكرملين قمته الثنائية الخاصة به. أما الضيف المُسبّب للإحراج والتوتر في نورماندي هذا العام لم يكن بوتين، بل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

إذا كانت مراسم إحياء ذكرى اليوم الإنزال تحتفل بالأمجاد السابقة لأحد التحالفات التاريخية، فإن بوتين وشي يأملان في التأكيد على تعزيز تحالف جديد. قال شي هذا الأسبوع إنَّ بوتين هو أقرب نظرائه الأجانب. ووفقاً للكرملين، التقى الثنائي 29 مرة منذ عام 2013.

يتشارك الزعيمان حالة خلاف وخصومة متزايدة مع الولايات المتحدة الأمريكية

يشير هذا اللقاء إلى بعض التغيير بالنسبة لكلتا الدولتين، اللتين كانتا على خلاف على مدار معظم القرن العشرين، بعد تفسيرات متبانية، بشأن الشيوعية أدَّت إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الصين والاتحاد السوفيتي.

ومع حقيقة كونهما جيران، تتقاسم الدولتان حدوداً ومصالح إقليمية في آسيا، وتحوَّل نظام كلتا الدولتين من شيوعية القرن العشرين إلى السلطوية المعاصرة.

أصل الخلاف: لكن الأهم من ذلك، يتشارك الزعيمان حالة خلاف وخصومة متزايدة مع الولايات المتحدة الأمريكية. تنغمس روسيا والصين بشكل متزامن في صراعات اقتصادية مع أمريكا. تجابه موسكو سيلاً من العقوبات الأمريكية، في حين تصارع بكين في خضم حرب تجارية مدمرة اقتصادياً.

وكتب برونو ماسيس، محلل مقيم في بكين لدى صحيفة «the Moscow Times»: «إذا افترضت أمريكا أنَّ روسيا والصين تشكَّلان تهديداً وقررت مواجهة الدولتين في آنٍ واحد، سيصبح إنشاء تحالف مؤقت بينهما أمراً حتمياً».

يُقدّم بوتين وشي أنفسهما باعتبارهما بطلي الدفاع عن التجارة الحرة

كما يقدمان نفسهما على انهما ابطال معارضة السياسات الحمائية، ويعتقد كلاهما أنَّ اقتصاداتهما القائمة على التصدير مُعرَّضة للخطر. وسيكون الرئيس الصيني ضيف شرف منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي في روسيا، وهو تجمّع يقاطعه السفير الأمريكي على خلفية احتجاز رجل أعمال مصرفي أمريكي.

الاستغناء عن الدولار: وقع الجانبان اتفاقاً يتعهّدان فيه بالاستغناء عن الدولار الأمريكي وإجراء المعاملات التجارية بالروبل واليوان، والمضي قدماً نحو السماح لشركة الاتصالات الصينية العملاقة «Huawei» بتطوير شبكة جيل خامس (5G) في روسيا، على الرغم من التحذيرات الأمريكية بأنَّ منتجات الشركة تشكّل تهديداً أمنياً.

كذلك، أفادت صحيفة The Financial Times البريطانية يوم الأربعاء، بأنَّ بوتين وشي من المتوقع أن يصدرا عدداً من البيانات الصحفية خلال زيارتهما، من ضمنها بيان يدين «الهيمنة المسيطرة على النظام الدولي».

يربطهما عداء واشنطن: من السهل تخمين المقصود بتلك الهيمنة. قد يكون العداء المتبادل تجاه واشنطن أكبر رابط مشترك بين بكين وموسكو. نفَّذ بوتين تحولاً واعياً باتجاه الشرق بعد أن أصبح معزولاً في الغرب عام 2014. وعلى الرغم من أنَّ هذه الحرب الباردة الجديدة تبقى في نطاق المجال الاقتصادي بصورة أولية، فقد حذَّر البنتاغون من أنَّ الولايات المتحدة بحاجة إلى الاستعداد لاحتمال نشوب صراع مع الصين وروسيا.

وبينما يأخذ الرئيس ترامب هذا الاحتمال المستقبلي بعين الاعتبار هذا الأسبوع، ينبغي له تدبّر الماضي في نورماندي. إذ غالباً ما يُتذكّر يوم الإنزال باعتباره جرأة أمريكية في المقام الأول، لكنَّه في الحقيقة كان مجهوداً دولياً، إذ شارك البريطانيون والكنديون والبولنديون والنيوزيلنديون وغيرهم في عمليات الإنزال قبل 75 عاماً.

وقد أظهر استطلاع للرأي أُجري عام 1945 أنَّ 20% فقط من الفرنسيين يعتقدون أنَّ الولايات المتحدة كان لها الدور الأكبر في الفوز بالحرب، مقابل 57% ذكروا دور روسيا.

النهج الأمريكي المضاد للعالم لن ينجح

هذا النوع من النهج المتعدد الأطراف لا يتناسب جيداً مع خطاب ترامب بشأن «أمريكا أولاً»، ولا مع عادة الرئيس الأمريكي في شن حرب كلامية واقتصادية ضد خصومه وحلفائه على حد سواء. قال المؤرخ الرئاسي جون ميشام لمراسل صحيفة  The Washington Post الأمريكية، جيمس ماكولي، هذا الأسبوع إنَّ يوم الإنزال يُمكن النظر إليه باعتباره تذكيراً بأنَّ هذا النهج الأمريكي المضاد للعالم لن ينجح، مضيفاً أنَّ شواطئ نورماندي «ينبغي أن تكون تذكيراً مستمراً بأنَّنا لا يمكننا إغفال التاريخ».

ومع ذلك، لا يزال الرئيس الأمريكي على خلاف مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ومعظم قادة أوروبا، بشأن عدد من قضايا السياسة الدولية، بدءاً من إيران إلى تغيُّر المناخ.

ترامب مازال يفضل بوتين: وبالرغم من سياسات الإدارة الأمريكية، يبدو أنَّ ترامب لا يزال يُفضّل بوتين وغيره من المستبدين أمثاله. إذ سيلتقي الرئيس الأمريكي في وقتٍ لاحق من الشهر الجاري مع الرئيس الروسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في اجتماع ثلاثي غير معتاد. وفي هذا الصدد، قال دانيال شابيرو، السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل، إنَّ روسيا قد تستخدم هذا الاجتماع للضغط من أجل تخفيف العقوبات الأمريكية في مقابل تقليص دعمها لإيران.

وبينما تخاطر إدارة ترامب بإبعاد حلفائها أو في أسوأ الأحوال تحويلهم إلى خصوم بدلاً من حشدهم حولها، يدرك خصوم الولايات المتحدة أنَّ عدو عدوهم قد يكون صديقهم.

شاهد أيضاً

بعد تهديد آبي أحمد مصر بالحرب.. إقراء أيهما أقوى الجيش المصري أم الإثيوبي؟

منذ تلويح رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد بإمكانية الدخول في حرب مع مصر، أصبح السؤال …