الثلاثاء , 14 يوليو 2020

«الجارديان»: كيف يكسب إسرائيليون المال من نشر «كراهية الإسلام» على «فيسبوك»؟

نشرت صحيفة «الجارديان» البريطانية تحقيقًا عن مؤامرة سرية للسيطرة على بعض أكبر صفحات اليمين المتطرف على موقع «فيسبوك» والاستثمار في «كراهية الإسلام» بهدف جني الأرباح.

ذكر المراسلون في البداية أنه «بعد ظهر يوم عادي وصلت رسالة من إسرائيل إلى بو فيلريل البالغ من العمر 36 عامًا». وفي منزل عائلته الممتد على مساحة 42 فدانًا خارج مدينة لايف أوك في الريف الشمالي لولاية فلوريدا جلس فيلريل بمفرده في غرفة نومه يبحث عن أخبار تتعلق بدونالد ترامب لمشاركتها على صفحته اليمينية على موقع «فيسبوك» التي يديرها مع والدَيْه.

طلبت صاحبة الرسالة، التي أطلقت على نفسها اسم روتشيل، من فيلريل أن يتيح لها العمل محررةً لصفحة «Pissed off Deplorables» على «فيسبوك»، وهي صفحة تصف نفسها بأنها «موالية لأمريكا» وتقدم للآلاف من متابعيها جرعة منتظمة من المحتوى المؤيد لترامب والمناهض للإسلام. وكتبَتْ إليه: «أنا أفهمك تمامًا. أنا من إسرائيل، وكم هو مهم بالنسبة لي أن أشارك الحقيقة. من فضلك أعطني فرصة ليوم واحد».

في نفس الوقت، على بعد حوالي ألف ميل شمال جزيرة ستاتن بمدينة نيويورك، كان رون ديفيتو ينقر على حاسوبه المحمول ليتواصل مع 20 ألف من متابعي صفحته، «Making America 1st»، المؤيدة لترامب على «فيسبوك»، عندما تلقى رسالة مماثلة، هذه المرة من شخص يطلق على نفسه اسم تيهيلا.

وقال ديفيتو لصحيفة «الجارديان»: «أخبرتني بأنها محررة جيدة، ويمكنها تقديم بعض المحتوى الجيد لزيادة الإعجابات والمشاهدات على الصفحة». فكَّر مليًا ثم قال: لن يضرني شيء إن منحتها فرصة وسمحت لها بنشر المحتوى الذي لديها، أليس كذلك؟ وبعد التفكير في الأمر قدّر بأن شيئًا لن يحدث إذا منحها فرصة.

مؤامرة سرية.. والبداية في إسرائيل

أوضح مراسلو «الجارديان» أن «مثل هذه الرسائل لم تصل إلى فيلريل وديفيتو وحدهما، فخلال العامين الماضيين، أرسلت مجموعة من الحسابات الغامضة من إسرائيل رسائل مماثلة إلى مديري 19 صفحة أخرى على الأقل من صفحات اليمين المتطرف على «فيسبوك» في الولايات المتحدة، وأستراليا، والمملكة المتحدة، وكندا، والنمسا، وإسرائيل، ونيجيريا».

ويخلص تحقيق «الجارديان» إلى أن هذه الرسائل كانت جزءًا من مؤامرة سرية للسيطرة على مجموعة من أكبر صفحات اليمين المتطرف على موقع «فيسبوك»، ومنها إحدى الصفحات المرتبطة بمجموعة إرهابية يمينية، وتدشين عمل تجاري يستثمر في الكراهية ضد الإسلام بهدف جني الربح.

تستخدم هذه المجموعة الآن شبكة مؤلفة من 21 صفحة لبث ما يربو على ألف منشور إخباري مزيف ومنسق أسبوعيًّا إلى أكثر من مليون متابع، بهدف توجيه الجماهير إلى مجموعة من 10 مواقع كثيفة الإعلانات، واستغلال الزيادة في الزيارات لهذه المواقع من أجل تحقيق الربح.

منشورات اليمين المتطرف تؤثر على الخارطة السياسية العالمية

يلفت تقرير «الجارديان» إلى أن هذه المنشورات أججت الكراهية العميقة ضد الإسلام في جميع أنحاء العالم الغربي، وكان لها تأثير على السياسة في أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة؛ من خلال تضخيم الأحزاب اليمينية المتطرفة مثل حزب «أمة واحدة» الأسترالي، وتشويه سمعة السياسيين المسلمين، مثل: عمدة لندن صادق خان، والنائبة بالكونجرس الأمريكي إلهان عمر.

واستهدفت الشبكة أيضًا سياسيين يساريين في مراحل حرجة من الحملات الانتخابية الوطنية. ونشرت قصصًا كاذبة زَعَمت فيها أن زعيم حزب العمال البريطاني، جيريمي كوربين، قال: إن اليهود كانوا «مصدر الإرهاب العالمي»، واتهمت رئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، بالسماح لـ«داعش بغزو كندا».

وأردف المراسلون أن «الوقائع التي تكشفت تظهر أن فيسبوك فشل في منع الفاعلين الذين يعملون تحت ستار من السرية من استخدام منصته لإدارة حملات التضليل والكراهية المنسقة. وعملت الشبكة دون أن تنال عقابًا نسبيًّا، حتى بعد اعتذار مارك زوكربيرج لمجلس الشيوخ الأمريكي في أعقاب فضيحتي «كامبريدج أناليتيكا» والتدخل الروسي في الانتخابات.

وعندما أبلغت صحيفة «الجارديان» فيسبوك بالتحقيق الذي أجرته، أزالت الشركة عدة صفحات وحسابات «بدا أنها ذات دوافع مالية»، كما ذكر متحدث باسم الشركة في بيان، أكد فيه أن «هذه الصفحات والحسابات انتهكت سياستنا ضد البريد المزعج والحسابات المزيفة؛ من خلال نشر روابط اصطياد الزوار لدفع الناس إلى الدخول على مواقع خارج المنصة الأساسية».

وأضاف: «لا نسمح للناس بتقديم صورة غير حقيقية عن أنفسهم على «فيسبوك»، وحدثنا سياسة السلوك غير الموثوق به؛ لزيادة تحسين قدرتنا على مواجهة التكتيكات الجديدة».

مستوى جديد من التنظيم والتنسيق

واستدرك التقرير «لكن هذه الإجراءات جاءت بعد فوات الأوان بالنسبة لبعض ضحايا الشبكة؛ حيث تجرعت السيناتور «مهرين فاروقي»، أول امرأة مسلمة تدخل مجلس الشيوخ الأسترالي، مرارة مواجهة القوة الكاملة للشبكة في أغسطس (آب) من العام الماضي، عندما نشرت الشبكة 10 صفحات على «فيسبوك» ضمن منشورات منسقة تحرض متابعيها البالغ عددهم 546 ألفًا على مهاجمة «مهرين» لأنها تحدثت في البرلمان ضد العنصرية. وحضَّت المنشورات على ما وصفته مهرين فاروقي بأنه «تغذية مرعبة للعنصرية والأخبار المزيفة والكراهية»، واجتذبت تعليقات بذيئة مثل «البسي برقعكِ– واخرسي أيتها اللعينة»!، و«اطردوا العاهرة المُنتَحِبَة»، «اسحبوا جنسيتها واطردوها».

وقالت مهرين فاروقي: إن هذه الشبكة تمثل «مستوى جديدًا من التنظيم والتنسيق اليميني المتطرف»، وهي تلقي باللوم على شركات التواصل الاجتماعي مباشرةً، مضيفة أنه «من خلال السماح بالمنشورات العنصرية والمضللة، تستفيد عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك.. من انتشار خطاب الكراهية والسباب».

وتابعت بأن «فيسبوك يمكنه أن يفعل المزيد، ويغلق هذه الصفحات، لكنه طالما استمروا في الاستفادة من وصول والتفاعل، يبدو أنهم لن يهتموا باتخاذ إجراء حاسم».

وقال متحدث باسم «فيسبوك» لصحيفة «الجارديان»: «لا يمكن لأحد أن يدافع عن الترويج للكراهية أو العنف على فيسبوك، ونحن بدورنا نحذف أي انتهاكات بمجرد رصدها».

إجمالي التفاعلات على المنشورات المنسقة التي نشرتها الصفحات اليمينية على «فيسبوك»

صفحة The Perfect Foot Soldiers (جنود المشاة المثاليون)

تبدأ الصفحة بمنشور واحد، برعاية مديرين للصفحة من إسرائيل. وعادةً ما يكون عنوان المنشور جاذبًا للانتباه ويتضمن روابط لمقال يحاكي أسلوب قصة إخبارية منطقية. وتستخدم مزيجًا من الأخبار المشوهة والتلفيق الكامل لتصوير المسلمين على أنهم إرهابيون يسعون إلى فرض الشريعة الإسلامية بالقوة، ويعتدون على الأطفال، ويشكل وجودهم تهديدًا للثقافة البيضاء والحضارة الغربية.

بعد ذلك يُنشَر المحتوى في وقت واحد تقريبًا على 21 صفحة من صفحات الشبكة على «فيسبوك»، يبلغ إجمالي متابعيها مليون شخص من جميع أنحاء العالم. ويمكن التنبؤ بالمحتوى بسهولة لدرجة أن ديفيتو شكا ذات مرة لنظيرته الإسرائيلية من هذا الأمر، وهو يحكي هذا الحادث قائلًا: «قلتُ لها بوضوح: أنتِ ماهرة في مجال واحد. إنه الإسلام، الإسلام، الإسلام، الإسلام والمزيد من الإسلام. جيد، هذا كافٍ بخصوص الإسلام. فهمنا ما تريدين».

تحليل «الجارديان»

أجرت صحيفة «الجارديان» تحليلًا لتأكيد مدى التنسيق عبر الشبكة، والتحقق من الصفحات التي كان محتوى المنشورات فيها متطابقًا في المحتوى وكان وقت النشر متزامنًا عبر صفحات مختلفة.

خلص التحقيق إلى أن الشبكة نشرت 5,695 منشورًا منسقًا، في ذروة النشر، خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2019، وحصلت على 846 ألفًا و424 إعجابًا أو مشاركة أو تعليقًا في ذلك الشهر وحده. وإجمالًا نشرت الشبكة ما لا يقل عن 165 ألف منشور، وجذبت 14.3 مليون إعجاب أو مشاركة أو تعليق.

وكان يجري تضخيم المحتوى على نحو أكبر من خلال الصفحات اليمينية الأخرى على «فيسبوك»، ومنها الصفحات التي يديرها حزب «استقلال المملكة المتحدة» (يوكيب) اليميني، الذي كان يشارك المنشورات دون الترويج لها بإعلانات مدفوعة. ويقود رابط المنشورات إلى واحد من عشرة مواقع شبه متطابقة تتخفى في شكل مواقع إخبارية ذات عناوين عامة مثل «السياسة عبر الإنترنت» و«جبهة حرية الصحافة». هذه المواقع كثيفة الإعلانات ورديئة التصميم تنشر «قصصًا» تجمع عادةً بين فقرات من نص منسوخ مع آراء وصور بيانية غير منسوبة إلى مصدر.

وعملت صحيفة «الجارديان» مع باحثين من مركز أبحاث الوسائط الرقمية في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا أجروا تحليلًا للترتيب الذي ظهرت به المنشورات المتطابقة على صفحات «فيسبوك» الـ21. وخلص تحليلهم إلى وجود كيان واحد يُنسِّق عملية نشر المحتوى عبر صفحات «فيسبوك»، ومن المحتمل أنه يستخدم برنامج جدولة تلقائي، وأن هناك كيانًا واحدًا يتحكم بمفرده في مواقع «الويب» التي تستقبل الزيارات التي تحيلها المنشورات.

في هذا الصدد، يقول أكسل برونز، الأستاذ في كلية الصناعات الإبداعية في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا وأحد كبار باحثي الإنترنت في أستراليا: «من الواضح جدًا أن هذه المواقع مرتبطة ببعضها البعض؛ بالنظر إلى طريقة تنظيمها واشتراكها في التصميم والرموز وإعلانات جوجل».

وأضاف أنها «مجرد مواقع يمكن تنصيبها وإدارتها بتكلفة زهيدة.. إنها ليست متطورة للغاية، بل مجرد قوة غاشمة، لبث كميات كبيرة من كل هذه الأشياء».

ويعتقد برونز وزملاؤه أن الدافع من وراء ذلك هو دافع تجاري، وأن الكراهية والانقسام والتأثير السياسي قد تكونان نتيجة ثانوية للسعي وراء الربح.

وقال تيموثي جراهام، محاضر كبير في تحليل الشبكات الاجتماعية في جامعة كوينزلاند للتكنولوجيا: إن «هناك مجموعة من الأشخاص ليسوا بأغبياء، لكنهم معرضون بدرجة كبيرة للنقر على المحتوى الذي يتوافق مع معتقداتهم، وخاصةً المحتوى الذي يثير العواطف إثارة كبيرة، ويحتوي على مواد مُستقطِبَة ومتطرفة».

وأضاف أن «هؤلاء الناس مفيدون جدًا للأعمال التجارية. وإذا دفعتهم للدخول إلى موقعك؛ فلن ينظروا عن كثب إلى المحتوى، وسينقرون على ما يصادفهم، ويستمرون في مشاركته. إنهم جنود المشاة المثاليون».

لم تكن الشبكة بهذا الاتساع طوال الوقت. إذ بدأ إرسال المحتوى المنسق في عام 2016 من خلال بضع صفحات فقط في إسرائيل والولايات المتحدة.

بدءًا من عام 2018 فصاعدًا، بدأت الشبكة في الاتصال بمسؤولي صفحات «فيسبوك» الكبيرة الموجودة مسبقًا في أستراليا، والنمسا، وكندا، والولايات المتحدة، والمملكة المتحدة؛ ومراسلتهم بشأن قدرتها على نشر محتوى واعد من شأنه أن يساعد على زيادة جماهير هذه الصفحات.

وفي مارس (آذار) 2018 تمكنت الشبكة من الوصول إلى صفحة كندية مؤيدة لإسرائيل باسم «Never Again Canada»، وتضم 232 ألف متابع. وأظهر تحقيق سابق أجراه موقع أخبار «باز فيدز نيوز» الأمريكي بشأن هذه الصفحة أنها تشارك بانتظام محتوى حول رابطة الدفاع اليهودية، التي يصنفها مكتب التحقيقات الفيدرالي على أنها جماعة إرهابية يمينية، وتنسِّق المحتوى مع صفحات أخرى.

نشر محتوى منسق على صفحات يمينية متطرفة على «فيسبوك»، حسب البلد المُستهدَف

وصل اتساع حجم أعمال الشبكة إلى ذروته في شهر أكتوبر هذا العام، من خلال التنسيق عبر 21 صفحة على «فيسبوك». وفي كل مرة يوافق مالك الصفحة المحلي على السماح لأحد المسؤولين الإسرائيليين بالدخول إلى صفحته، يصبح مشاركًا عن جهل– لكن ليس بالضرورة غير راغب – في بث الكراهية المنسق عالميًا عبر الإنترنت.

ولم يكن لدى بعض مالكي الصفحات، مثل فيلريل، الذي يدير صفحة «Pissed off Deplorables» على «فيسبوك»، أي فكرة عن أن نظرائه الإسرائيليين الجدد كانوا يكسبون المال من عدد المتابعات الذي استطاعوا تحقيقه.

ويقول فيلريل: إنه «من المحبط بعض الشيء أن أجلس هنا، وأفكر في أنني كنت أقوم بذلك لمدة عامين ولم أحقق مكاسب ولو بقيمة 10 سنتات، وسمحت لشخص بإدارة صفحتي، وبناء قناة خلفية صغيرة، لكنه يهدف إلى استخدام عملائي لكسب المال».

وأضاف: «أتعرف، يبدو الأمر وكأنني أملك المتجر، وبنيته وفعلت كل شيء من هذا القبيل، وأنت مَن يجني الربح».

ويلفت التقرير إلى أن الأشخاص الذين يقفون وراء الشبكة بذلوا جهودًا كبيرة لإخفاء هوياتهم وإخفاء المعلومات الشخصية من المواقع واستخدام حسابات شخصية مختلفة على «فيسبوك» عند الاتصال بمالكي الصفحات اليمينية المتطرفة القائمة.

لكن باقتفاء الأثر الرقمي للشبكة، توصل تحقيق «الجارديان» إلى لاعب رئيس، هو: رجل ينشط باسم المستخدم «Ariel1238a».

العثور على آرييل

وتابع مراسلو «الجارديان» أنه «في ديسمبر (كانون الأول) 2017، قدم «Ariel1238a» طلبًا ظاهره اللطف للمساعدة في إدارة منتدى غامض لتحسين الأداء على محركات البحث. وكتب: «أبحثُ عن المزيد من الطرق لاستثمار موقعي. واهتمامي يتعلق بالسياسة.

خلال العامين الماضيين ظهر اسم المستخدم نفسه بانتظام في منتديات مماثلة على «الويب». بلغة إنجليزية ركيكة أعرب «Ariel1238a» عن انزعاجه من حدوث انخفاض في معدل النقر على المحتوى الذي يقدمه، وعدم قدرته على استضافة «محتوى عنيف» إلى جانب الإعلانات التي يجري الحصول عليها من خلال إعلانات جوجل، والعائد المنخفض لكل نقرة على موقع الإعلان الأصلي تابولا. وكتب في أحد المنتديات: «لست راضيًا عن الأرباح التي أحققها من خلالهم».

كما كان يشكو من جهود «فيسبوك» في اتخاذ إجراءات صارمة ضد «الأخبار المزيفة». وعندما أعلن عملاق وسائل التواصل الاجتماعي في أبريل (نيسان) أنه سيكثف جهوده لمكافحة المعلومات الخاطئة على الموقع، كتب آرييل: «اتخذ فيسبوك خطوة أخرى في طريق نهايته، إنها مسألة وقت».

وتشير «الجارديان» إلى أن «Ariel1238a» ليس خبيرًا في الويب؛ إذ يطرح أسئلة بدائية حول أشياء مثل: كيفية إعداد نطاق البريد الإلكتروني للنشاط التجاري، وزيادة عدد الزيارات لمواقعه. ومع ذلك، فإنه يخبر المنتديات بأنه يقدم خدماته إلى «دول رائدة» مثل المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا وكندا، ويفتخر بأن «عدد مرات مشاهدة صفحته يصل إلى ما يقارب مليون مشاهدة في الشهر الواحد».

ولا تشير هذه المنشورات إلى أن «Ariel1238a» سيصبح قوة دافعة وراء موجة الكراهية المعادية للإسلام عبر «فيسبوك». لأنه في الواقع لا تعكس الصفحات الشخصية المرتبطة بـ«Ariel1238a» أي موقف سياسي أو عقائدي على الإطلاق. وبدلًا عن ذلك، تشير بصمته الرقمية إلى أنه قبل أن يلجأ إلى استغلال هوس اليمين المتطرف بالإسلام من أجل الربح، كان يعمل لعدة سنوات في عدد من المخططات غير المتطورة لجني الأموال عبر الإنترنت.

وفي نفس الوقت يرتبط «Ariel1238a» بحساب خامل على خدمة لنشر المدونات بموقعي «مواعدة جنسية مجانية»، و«مواعدة دينية» وصفحة للمعجبين بالموسم الرابع من مسلسل «Big Brother» التلفزيوني الإسرائيلي. كما أنه شارك بشكل غير منتظم في دليل الإنترنت للصالات الرياضية في تل أبيب، وحقن البوتوكس، ومتجر على الإنترنت لبيع شرائح الاتصال (SIM)، وموقع يوصف ببساطة بأنه «الجنس على الإنترنت | كاميرات الجنس Online sex | Camera sex». وباستخدام خدمات أرشفة «الويب»، ومعلومات تسجيل النطاق، تمكّنت «الجارديان» من تأكيد ارتباط اسم المستخدم «Ariel1238a» بشخص يدعى آرييل إلكاراس، وهو بائع مجوهرات ثلاثينيّ، يعمل عبر الإنترنت، ويعيش في ضواحي تل أبيب.

بعد فترة وجيزة من تواصل «الجارديان» مع إلكاراس كي يُعَلِّق، أُزيل العديد من مواقع الشبكة أو حذف الكثير من المحتوى. كما أُزيلت المنشورات العامة في صفحته الشخصية على «فيسبوك». ولم يرد إلكاراس على طلبات متعددة للتعليق عبر البريد الإلكتروني والهاتف، لكن «الجارديان» تمكنت من تعقبه.

وعندما وصل مراسلو الصحيفة إلى شقته في بلدة بالقرب من تل أبيب، فتحت امرأة مسنة الباب. ونادت على إلكاراس الذي جاء مرتديًا قميصًا وسروالًا قصيرًا. ومن خلال مترجم، نفى إلكاراس معرفته بالشبكة أو تورطه فيها، لكنه قال إنه ذات مرة «كان مدرجًا في مجموعة ما على الإنترنت، بخصوص إسرائيل». ورفض الإجابة على أسئلة حول وظيفته، ما عدا تأكيده على التعامل مع أجهزة الكمبيوتر، قائلًا: «نعم، لكن هذا ليس من شأنك»، وأضاف: «لا علاقة لي بالشبكة».

وعندما سألته «الجارديان» عن اسم المستخدم «Ariel1238a»، قال: «لا أعرفه». وأغلق الباب، لكن بعد فترة وجيزة سار خلف المراسل حتى وصل إلى الشارع وطلب أن يعرف كيف عثرت عليه «الجارديان».

كان إلكاراس هو الشخص الحقيقي الوحيد الذي استطاعت «الجارديان» التواصل معه. لكن الصحيفة لم تتمكن من التحقق مما إذا كانت روتشيل أو تيهيلا أو الأسماء الأخرى المُستخدَمة في ملفات التعريف على «فيسبوك» والتي اتصلت بمسؤولي الصفحات أسماء أشخاص حقيقيين.

وتُظهر الرسائل التي حصلت عليها «الجارديان» أن روتشيل أخبرت مسؤول صفحة محلية بأنها لا تعرف كيفية جني الأموال عبر الإنترنت، وأنها لا تعرف من الذي يدير مواقع «الويب التي تنقل المحتوى منها. وكتبت: «أنا أشارك فقط المنشورات على صفحتك لأن هذا الموضوع مهم بالنسبة لي».

وفي حين وصف ديفيتو تيهيلا ابتداءً بأنها «من نوعية باملا جيلر (ناشطة سياسية أمريكية عُرفت بانتقادها للإسلام)»، أكد فيما بعد أنه لم يرها أو يتحدث معها في الواقع. وعندما سئل كيف عرفت أنها شخصية حقيقية، أجاب: «لم أعرف ذلك، كي أكون صادقًا تمامًا».

ومن بين مسؤولي الصفحات الذين ردوا على طلبات التعليق التي وصلتهم من «الجارديان»، ادعى أحدهم أنه شاهد تيهيلا نفسها عبر برنامج «سكايب»، لكنه رفض تقديم أدلة تثبت ذلك. وعندما سئل كيف عرف أنه يتحدث إلى سيدة، قال المسؤول، الذي رفض الكشف عن هويته: «من المؤكد أنها تبدو كسيدة». ولم يكن أي من مسؤولي الصفحات الذين تحدثت معهم «الجارديان» عن هذه القصة يدرك أن المجموعة الإسرائيلية كانت تكسب المال عبر الشبكة، أو أن صفحاتهم كانت جزءًا من شبكة أكبر.

وقال مدير صفحة مؤيدة لترامب ومقرها نيجيريا لصحيفة «الجارديان»: «لم يتحدثوا بصراحة عن ذلك بناءً على ما رأيت في الرسالة.. ولم يكن هناك أي حديث عن كسب المال».

النفوذ السياسي وإخفاقات «فيسبوك»

وأشارت «الجارديان» إلى أنه: «في أبريل من العام الماضي، جلس زوكربيرج أمام مجموعة من الكاميرات واعترف بالخطأ أمام العالم. وقال زوكربيرج: إن موقع «فيسبوك»، الذي ما زال يعاني من فضيحة «كامبريدج أناليتيكا»، خذل مستخدميه. وكافحت الشركة من أجل إيقاف استخدام منصتها للتدخل السياسي المنسق ونشر المعلومات المضللة والكراهية.

وأضاف زوكربيرج: «من الواضح الآن أننا لم نفعل ما يكفي لمنع استخدام هذه الأدوات لإلحاق الضرر». معترفًا: «لم نقم بمسؤوليتنا بالشكل المأمول، وكان ذلك خطأً كبيرًا. وكان خطئي شخصيًّا».

وبعد مرور شهرين، تمكنت الشبكة التي تتخذ من إسرائيل مقرًا لها من الوصول إلى صفحتها اليمينية المتطرفة الثالثة عشرة على «فيسبوك»، لتوسيع نطاق جمهورها الكبير بالفعل الذي يستقبل معلوماتها المضللة. وعملت الشبكة دون عقاب نسبيّ لمدة عامين تقريبًا.

وقال ديفيتو عن المرأة الإسرائيلية التي شاركت في إدارة صفحته: «صدق أو لا تصدق، لم تفعل شيئًا لتورط الصفحة في أي مشاكل. ولم يصلني أي تنبيه من فيسبوك بأنني أنشر محتوى غير لائق ينتهك معايير المجتمع، أو أي شيء من هذا القبيل. وكنت محظوظًا جدًّا في هذا الصدد».

تأثير الشبكة على الناخبين

ومع نمو الشبكة، ازدادت قدرتها على التأثير في تفكير الناخبين. وبحلول الوقت الذي جرت فيه الانتخابات الأسترالية في شهر مايو (أيار)، كانت الصفحات توفر منبرًا مهمًا لمرشحي اليمين المتطرف، ومن بينهم حزب «أمة واحدة»، والسيناتور فريزر أننغ الذي أُدين على نطاق واسع بسبب دعوته إلى «حل نهائي» للهجرة.

ودعمت الشبكة فريزر أننغ وحزب «أمة واحدة» من خلال 401 منشورًا خلال الفترة التي سبقت الانتخابات، جذبت 82 ألفًا و25 إعجابًا و18 ألفًا و748 تعليقًا و33 ألفًا و730 مشاركة. وقال جيمس آشبي، المتحدث باسم حزب «أمة واحدة»: إن الشبكة لن تفيد الحزب، وأن التفاعل في الصفحة الشخصية للزعيمة بولين هانسون كان أكبر بكثير. وقال: «أود أن أشير إلى أن المنشورات الـ401 التي أشرتَ إليها اجتذبت عددًا ضئيلًا للغاية من الإعجابات والتعليقات والتفاعل مقارنةً بالصفحة الشخصية للزعيمة». وقال متحدث باسم أننغ إنه لم يكن على علم مسبق بالشبكة، ولا يعتقد أنها ساعدت حملته.

كما حدثت قصة مماثلة في كندا. ففي الفترة التي سبقت انتخابات أكتوبر، بثت الشبكة 80 منشورًا منسقًا تنتقد ترودو، ونالت 30 ألف إعجاب ومشاركة وتعليق.

وفي المملكة المتحدة، انتقدت الشبكة جيريمي كوربين بعنف؛ إذ نشرت أكثر من 510 منشورا منسقًا يهاجم زعيم حزب العمال منذ منتصف عام 2016، جذبت 15 ألفًا و384 إعجابًا و17 ألفًا و148 تعليقًا و16 ألفًا و406 مشاركة. وينص تعريف «فيسبوك» الخاص «للنشاط المنسق غير الموثوق» بأنه مثل مخطط الشبكة التي كشفت عنها «الجارديان».

وأوضح ناثانيل جليشر، رئيس سياسة الأمن في «فيسبوك»، في العام الماضي أن «السلوك المنسق غير الموثوق يتحقق عندما تعمل مجموعات من الصفحات أو الأشخاص معًا لتضليل الآخرين حول حقيقة شخصياتهم أو ماذا يفعلون. وربما نحذف شبكة ما لأنها تصور لنا وكأنها تُدار من مكان ما من العالم، بينما تُدار في الواقع من مكان آخر».

وأضاف: «يمكن أن يكون ذلك مدفوعًا بأغراض أيديولوجية أو يمكن أن يكون له دوافع مالية. على سبيل المثال، قد يسعى مرسلو البريد العشوائي إلى إقناع الأشخاص بالنقر فوق رابط لزيارة صفحتهم أو قراءة منشوراتهم».

لكن فيلريل قال: إنه لم يصله شيء من «فيسبوك» منذ أن بدأت المسؤولة الإسرائيلية في نشر المحتوى من صفحته. قائلًا: «لم تصلني أي إشعارات من فيسبوك أو أي شيء من هذا القبيل حول المحتوى الذي ينشرونه: مثل مخاطر البريد العشوائي أو حسابات مزيفة أو انتهاكات المجتمع أو أي شيء من هذا القبيل».

أخبار مزيفة.. عواقب حقيقية

وأشارت «الجارديان» إلى ما حدث في شهر مارس (آذار) من هذا العام، حينما تواصل باتريك كارلينو، من شمال ولاية نيويورك وهو من أنصار دونالد ترامب ويبلغ من العمر 55 عامًا، مع مكتب النائبة الديمقراطية عن ولاية مينيسوتا إلهان عمر. وبعد أن رد عليه أحد الموظفين، اتهم إلهان بأنها إرهابية قبل أن يقول: «لماذا تعمل من أجلها، إنها إرهابية (كلمة بذيئة). ويجب على شخص ما أن يطلق رصاصة على جمجمتها. فيما مضى، كان أجدادنا يضعون رصاصة في (كلمة بذيئة)». وسُمح لـ كارلينو، الذي أقر بأنه مذنب بخصوص المكالمة التي أجراها الشهر الماضي، لسنوات بنشر محتوى عنيف وعنصري على «فيسبوك». وفي أبريل، كشفت «الجارديان» عن كيف أنه استخدم المنصة مرارًا للتهكم على المسلمين ومهاجمتهم بالافتراءات العنصرية، وقال إنه يتمنى أن يستقبل مجموعة من السياسيين المسلمين «بدلو من دم الخنزير».

ولم تكن تلك المكالمة مجرد هجوم فرديّ. وتستشهد «الجارديان» على ذلك بحالة إلهان عمر، الصومالية – الأمريكية البالغة من العمر 37 عامًا، وواحدة من أوائل النساء المسلمات اللواتي حصلن على عضوية في الكونجرس وأول سيدة ترتدي الحجاب في مجلس النواب. ومنذ انتخابها كانت بمثابة حاجز صد ضد الهجمات التي يشنها اليمين المتطرف. وروَّج المعارضون السياسيون لنظريات المؤامرة وتبادلوا المحتوى العنيف عنها في وسائل التواصل الاجتماعي.

وفي أبريل، قالت النائبة بالكونجرس إنها واجهت زيادة في التهديدات بالقتل بعد أن اتهمها دونالد ترامب بالتهوين من شأن هجمات 11 سبتمبر (أيلول). وهي أيضًا الهدف الأكثر تكرارًا للشبكة. وفي العامين الماضيين بثت المجموعة الإسرائيلية أكثر من 1400 منشورًا يستهدف إلهان عمر عبر الشبكة المكونة من 21 صفحة، والتي بدورها «جرت مشاركتها» أكثر من 30 ألفًا مرة.

وقالت إلهان عمر لصحيفة «الجارديان»: «قلت ذلك من قبل، وسأقولها مرة أخرى: الرضا بالوضع القائم في «فيسبوك» يمثل تهديدًا لديمقراطيتنا. أصبح من الواضح أنهم لا يأخذون على محمل الجد إلى أي مدى يوفرون منصة للكراهية القومية البيضاء والتضليل الخطير في هذا البلد وحول العالم. وهناك سبب واضح لذلك: إنهم يستفيدون منه. وأعتقد أن تقاعسهم يمثل تهديدًا خطيرًا لحياة الناس وديمقراطيتنا والديمقراطية في جميع أنحاء العالم».

وفي نوفمبر (تشرين الثاني)، كشفت دراسة كبيرة عن الخوف من الإسلام (إسلاموفوبيا) أجرتها جامعة تشارلز ستورت في أستراليا عن قفزة كبيرة في عدد الهجمات العنيفة ضد المسلمين، وخاصة النساء اللائي يرتدين غطاء الرأس.

واختتم المراسلون تحقيقهم باقتباس تصريحات مهرين فاروقي، التي تعرضت مرارًا للإساءات عبر شبكة الإنترنت وخارجها، حول اعتماد اليمين المتطرف على وسائل التواصل الاجتماعي «لإضفاء الشرعية على الكراهية والتجنيد». وهي ترى أن الدور الذي تلعبه السياسيات المسلمات في تسليط الضوء على ممارسات اليمين المتطرف المعادية للمرأة والعنصرية هو الذي جعلها في نهاية المطاف هدفًا للعديد من منشوراتهم العنصرية.

وأضافت: «واجهت زيادة كبيرة في التعليقات العنصرية والمسيئة على وسائل التواصل الاجتماعي، رسائل البريد الإلكتروني والمكالمات الهاتفية وحتى الرسائل المكتوبة بخط اليد، منذ دخلت إلى مجال العمل العام. وليس لدي شك في أن العديد من الأشخاص الذين يقفون وراء هذه الرسائل الخسيسة يتلقون تشجيعًا من آخرين على وسائل التواصل الاجتماعي وصفحات فيسبوك مثل هذه».

شاهد أيضاً

السبب أو التأثير لا يسبق النتيجة دائمًا.. تعرف على عالم ميكانيكا الكم النظرية الأحدث فى العالم

نعلم جميعًا أن كل نتيجة يسبقها سبب، وأن السبب لابد أن يسبق النتيجة أو التأثير …