الاحتلال هو الاحتلال-

فى أمريكا الحجاب ينتصر على البكينى

فضائية "الحرّة" .. أهي حرّة حقاً؟

 

أعلى الصفحة
أعلى

الاحتلال هو الاحتلال-

 

بقلم: حسام شاكر (*)

 

ماذا جنينا من عملية السلام؟ كان هذا هو السؤال التقليدي الذي طرحه المواطنون الفلسطينيون على أنفسهم قبيل اندلاع انتفاضة الأقصى، والتي دخلت اليوم عامها الخامس.

فبعد تسع سنوات من انطلاق قطار التسوية السياسية في مدريد، تخللتها مفاوضات ماراثونية في أنحاء العالم؛ وإثر سبع سنوات من المصافحة التاريخية بين ياسر عرفات وإسحق رابين؛ وجد الفلسطينيون بعد كل هذه الحصيلة أنهم لم يحصلوا على الحد الأدنى مما كانوا يتوقعونه.

فالتسوية لم تدرّ لبناً ولا عسلاً، ولم تحقق شعاراتها المأمولة في الاستقلال وتقرير المصير للشعب الفلسطيني واستعادة القدس المحتلة. بل بات الفلسطينيون يشعرون أنّ الاحتلال تمكّن خلال حقبة التسوية من فرض ذاته بشراسة أكبر، مبتلعاً المزيد من الأرض، ومقطعاً أوصال الضفة الغربية وقطاع غزة، ومقيماً المزيد من المستعمرات والبؤر الاستيطانية والطرق الالتفافية المُسَخّرة لها، التي حوّلت المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية إلى جزر معزولة في بحر استيطاني.

وتحت وطأة المرحلة؛ لم يملك الشعب الفلسطيني إلاّ أن يشعر بأنه وقع مجدداً ضحيةً للغبن والإجحاف، خاصة وهو يحرِّر حساب الربح والخسارة لعملية التسوية بأشواطها المنهِكة، فهي لم تُسفِر، رغم الآمال العريضة والتنازلات المتواصلة؛ عن دولة فلسطينية موعودة، وأبقت القدس أبعد منالاً، بل وأصبحت المفاصل الجوهرية للقضية الفلسطينية في ظلها أكثر تعقيداً.

أما السياسات التي تبنّتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، بدءاً من رابين، ومروراً بورثته بيريز ونتنياهو وباراك؛ فكشفت للجميع عن تصلّب متفاوت في حدته؛ ويبدو أنّ القناعة التي كانت قائمة في رؤوس صانعي القرار في الدولة العبرية؛ هي أنّ الشعب الفلسطيني الذي حُرِم من استقلاله ودولته؛ تكفيه رموز الاستقلال وعلامات السيادة، دون جوهر الأمر.

فقد حسب بعض المسؤولين الإسرائيليين أنّ إرضاء الشعب الفلسطيني أو كبح جماح نقمته على الاحتلال؛ هما مما يتحقق عبر إجراءات شكلية وحسب؛ من ترك الأعلام الفلسطينية ترفرف في أجواء الضفة والقطاع، وإعطاء الفلسطينيين سيادة ظاهرية على المعابر الحدودية التي يديرها ضباط الاحتلال، ودغدغة آمالهم بالاستقلال المرتقب، وإطلاق الوعود بفتح مطار دولي لائق بالدول المستقلة أو ميناء مفتوح على العالم، وهي الشكليات التي لم تتحقق بحد ذاتها على أرض الواقع.

وعندما كان المسؤولون الإسرائيليون يُسألون عن القدس التي يطالب بها الفلسطينيون لتكون عاصمة لهم؛ اكتفوا بالإشارة إلى أنّ ضاحية كأبوديس ومعها العيزرية، تكفيان، "فالفلسطينيون يهتمون بالرموز كثيراً"، كما كانوا يحسبون. فقد كان التصوّر السائد هو أنّ الشعب الفلسطيني يمكنه أن يعتبر ضواحي المدينة وبضعة كيلومترات داخلها بمثابة البديل عن المطلب الكبير بأن تغدو القدس عاصمة فلسطين المستقلة وقلبها النابض.

كان واضحاً أنّ اندلاع انتفاضة الأقصى جاء تماماً في اللحظة ذاتها التي وصلت فيها التسوية السياسية إلى نقطة الإخفاق الكاملة وزيادة، أي بعد ارتطامها المدوِّي بجدار التصلّب الإسرائيلي. فالإسرائيليون أظهروا تشدّدهم في ملف القدس ولم يقدِّموا تنازلات تذكر للفلسطينيين بشأنها في مفاوضات كامب ديفيد الثانية (صيف 2000)، وكان على إعلان الدولة الفلسطينية المقرّر للمرة الثانية في 13 أيلول (سبتمبر) 2000 أن يُرجأ حتى إشعار آخر، بينما تحوّل ملف اللاجئين الجوهري إلى أحاديث خجولة عن عودة عشرات الآلاف منهم، على جرعات تخضع لمزاج المفاوضين الإسرائيليين في المزيد من الجولات الماراثونية، وبلا آفاق زمنية يمكن تقديرها.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ فقد واصلت تل أبيب تشدّدها في ملف الأسرى الفلسطينيين، رغم ما يمتاز به هذا الملف من حساسية فائقة في الشارع الفلسطيني تمسّ كل بيت، بينما لم تتحقق للمواطن الفلسطيني أدنى الوعود بـ"الممرّ الآمن" بين الضفة والقطاع، أو بتحسن الأوضاع الاقتصادية، وتحقيق حالة من الأمن له وسط اعتداءات الاحتلال والمستوطنين اليومية.

وعندما وطأ شارون بقدميه أرض المسجد الأقصى؛ فإنّ مخزون الغضب الفلسطيني الهائل كان عليه أن ينفجر، وبقوة، ليقلب الطاولة ويعيد خلط الأوراق. فالفلسطينيون الذين كانوا يسألون أنفسهم في سنة 2000 "ماذا حصدنا من التسوية؟"؛ رأوا أنّ عليهم أن يستعيدوا زمام المبادرة الذي خضع لعهد طويل لأهواء المتعاقبين على مقاعد الحكومة الإسرائيلية.

وحتى أولئك الذين شعروا بالطمأنينة لـ"مظاهر" الاستقلال الفلسطيني، وأبدوا ارتياحهم للبنية المؤسسيّة التي نجح الفلسطينيون في تشييدها خلال سنوات التسوية؛ فإنهم قد طرحوا أيضاً السؤال ذاته على أنفسهم "ماذا جنَينا؟"، خاصة بعد أن رأوا بأم أعينهم أنّ باراك وشارون وقواتهما الحربية قد نسفت "المظهر" بالكامل، ليكتشف الجميع أنّ "الجوهر" ما زال قائماً، وأنّ القضية لا تملك إلاّ أن تعود إلى مربعها الأول، طالما أنّ "الاحتلال هو الاحتلال".

 

(*) باحث وإعلامي، فيينا

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه


 

فضائية "الحرّة" .. أهي حرّة حقاً؟!

 

حسام شاكر (*)

 

إذا ما تعلق الأمر بالسياسة الأمريكية نحو الشرق الأوسط؛ فإنّ سوق المصطلحات التي تروِّجها إدارة الرئيس جورج بوش تحفل بما يشدّ الانتباه ويدغدغ الآمال في العالم العربي: الحرية والديمقراطية، وشيء من حقوق الإنسان.

وبينما تنهمك إدارة بوش في مشروعها لدمقرطة العالم العربي، وغرس الحرية فيه، على طريقتها الخاصة تماماً؛ فإنها عمدت إلى تدشين محطتها للتلفزة الفضائية الموجهة لاستلاب اهتمام مئات الملايين من المشاهدين العرب، وتحت اسم ينبع من الخطاب السياسي لبوش نحو الشرق الأوسط: إنها الفضائية "الحرّة".

 

على طريق الإعلام الموجّه

هذه المرة أيضاً اختارت واشنطن اسماً بديعاً، يبدو امتداداً للإعلام الأمريكي الموجه، كإذاعة "أوروبا الحرة/ راديو الحرية"، التي وُجِّهت إبان الحرب الباردة من جنوب ألمانيا الغربية نحو المستمعين في العالم الاشتراكي، وكنماذج الإذاعات الأمريكية الناشئة في ما بعد، كتلك الفارسية الموجهة للإيرانيين في ظل الجمهورية الإسلامية، أو العراقيين الذين كان ينبغي تهيئتهم إذاعياً عبر الأثير لحقبة الاحتلال الراهن، من خلال صوت "العراق الحرّ".

لم تفكر الولايات المتحدة حتى الآن في خيارات أخرى، من قبيل إرسال موجّه لفلسطين، لحث الفلسطينيين على مواصلة انتزاع حريتهم من بين أنياب حالة احتلالية مزمنة، وإن كان التوجه الأمريكي الراهن يضع ضمن أولوياته شرق الأوسطية؛ تحريض الفلسطينيين على قيادات السلطة الرسمية المتهمة بـ"الفساد" و"عدم الديمقراطية"، وتأليبهم على خط المقاومة الذي يحظى بالتفاف شعبي كونه "إرهاباً" في المفهوم الأمريكي الراهن.

كان يمكن لفضائية "الحرّة" أن تحمل في واقع الأمر أيّ اسم آخر، باستثناء هذا الاسم تقريباً، الذي يبرهن على فجوات هائلة في الخطاب الإعلامي الأمريكي الراهن. فثمة هالة من الشكوك يمكن أن تحيط بأية وسيلة إعلامية اتُخذ القرار بشأن قيامها وطبيعة أدائها في دوائر حكومية، وتقع تحت إشراف سلطة تابعة لوزارة الخارجية الأمريكية، بينما يتم تمويلها عبر مخصصات الكونغرس، الذي لا يتوانى في ما يتعلق بالمسائل شرق الأوسطية عن التماهي مع الرؤية العبرية في تل أبيب.

وقد بدت الصفة الرسمية لهذه المحطة الجديدة طاغية عندما كان رئيس الولايات المتحدة هو ضيفها الأول، الذي "يتكرّم" عليها بحديث خاص بثّته على يومين، الرابع عشر والخامس عشر من شباط (فبراير) 2004، مع تركيز شديد للاهتمام على تصريحاته لها، ضمن ما يشبه الطقوس الإعلامية لمحطات التلفزة العربية التقليدية، التي انصرف عنها المشاهدون إلى غير رجعة.

 

نجاحات قد تقود إلي الفشل!

العظة التي لم يستلهمها صانعو القرار الإعلامي في واشنطن هو أنّ النجاحات السابقة تغري بارتكاب أخطاء وخوض مجازفات بثقة زائدة عن الحد. فكثيراً ما سعت الولايات المتحدة في السنوات القليلة الماضية إلى أن تعيد، مع العرب والمسلمين؛ إنتاج تجربتها في الإعلام الموجه في أوروبا في ما بعد الحرب العالمية الثانية وفي حقبة الحرب الباردة.

ففي ألمانيا المهزومة، قامت سلطة الاحتلال الأمريكية في ما بعد سنة 1945، كما فعلت في أجزاء النمسا المحتلة أمريكياً؛ بإعادة تخطيط الساحة الإعلامية، على أمل تشكيل الرأي العام الألماني على أسس جديدة كلياً. وفي واقع الأمر؛ نجح المسؤولون الأمريكيون في هذا المسعى في المنطقة الناطقة بالألمانية إلى حد كبير، وكان من إنجازاتهم تأسيس صحف وتسليمها تدريجياً إلى طواقم محلية، لتتابع المسيرة ضمن مسار وطابع يتفق مع الرؤى والمطالب الأمريكية، حتى مع استقطابها لأقلام ومحررين من بقايا العهد النازي طالما أنه لم يكن من ذلك بدّ، لتبقى هذه الصحف قائمة في معظمها حتى اليوم، مشكلة قصة نجاح أمريكية، سيُصار إلى محاولة إعادة إنتاجها في بؤر مأزومة أخرى.

كان ذلك في واقع الأمر طليعة برنامج أمريكي واسع النطاق عُرف باسم "إعادة التربية" للألمان ومن والاهم، وقد تجسّد ذلك في تركيز المؤثرات الأمريكية على المجالات الثقافية والتعليمية، فضلاً عن إعادة تصميم الإعلام والسياسة والاقتصاد، كما وجد ترجمة واضحة له في ثنايا "خطة مارشال" الأمريكية لإعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب.

ثم أخذ المسؤولون الأمريكيون في السنوات الأخيرة يُكثرون من استعادة هذه التجارب، مشدِّدين على أهميتها في التعامل مع العالم العربي والإسلامي باتجاه تحقيق التغيير الذي يبشِّر به بوش، والذي يجري اختزاله في كلمات معدودة يصعب تحمل تأويلات لا حدود لها. وفي الأشهر الأولى لاحتلال العراق كان يجري على ألسنة المتحدثين في إدارة بوش التغني بتجربة الولايات المتحدة مع ألمانيا واليابان، وهي التجربة التي كان لها مسار إعلامي أيضاً، باعتبارها ستكون الوصفة الناجعة في العراق المحتل أيضاً، وهو أمر بات أولئك المتحدثون أنفسهم يتحاشون التطرق إليه لاحقاً مع الانغماس المتزايد في المستنقع العراقي.

مع هذا التوجه الأمريكي متعدد المسارات؛ أصبح بالإمكان توفير مخصصات مالية سخية من الكونغرس لصالح برامج الإعلام الخارجي في وزارة كولن باول. ففي ظل التهيئة للهيمنة العسكرية الأمريكية على أفغانستان؛ تم إطلاق بث إذاعي موجه للمستمعين الأفغان في عهد طالبان، عندما كانت الإذاعة، ولا زالت إلى حد ما، هي وسيلة التواصل الأولى، وشبه الأخيرة؛ بين الأفغان والعالم، خاصة مع إلغاء طالبان للبث التلفزي بما كان هدية مجانية للغزاة المحدقين بالبلاد.

وقد تزامن ذلك مع إلقاء أجهزة الاستقبال الإذاعي من الطائرات العسكرية الأمريكية بكميات سخيّة على مناطق تجمّع الأفغان إبان تلك الحرب، لربطهم مع ما يقوله مذيعو أمريكا، إلى جانب استقبال بث "بي بي سي" المرغوب محلياً. كما جرى قبيل مرحلة التحول التي شهدتها أفغانستان إعداد كوادر إعلامية أفغانية في واشنطن، مع التركيز على النساء، وكان من السهولة استقطاب بعض المنتمين والمنتميات إلى الطبقة الإعلامية والثقافية المرتبطة سابقاً بالغزو السوفياتي لأفغانستان، أو من يمكن تسميتهم بـ"أفغان موسكو"، الذين باتوا اليوم، مع آخرين؛ "أفغان واشنطن" باستحقاق.

كان ذلك يجري بينما مضت "إذاعة الحرية" الأمريكية في توجيه برامجها انطلاقاً من براغ بالفارسية والعربية، في إرساليْن موجّهين نحو الإيرانيين والعراقيين.

 

التجارب الموجّهة للعالم العربي

لكنّ المجهود الإعلامي الأمريكي الموجّه نحو الجماهير العربية أخذ بالتطور والتبلور بصورة لافتة للانتباه، بصورة تتماشى مع تصاعد المجهود الحربي الأمريكي في المنطقة. وقد تم ذلك مع عناية أكبر بمخاطبة الفئات والشرائح بصورة أكثر تحديداً وانتقاء. تجلى ذلك في حالة إذاعة "سوا" الموجّهة للشباب العربي، وهي تجربة إذاعية تقوم على خلط منوعات غنائية وموسيقية غربية بأخرى عربية، مع حشوها بصورة متقنة؛ بالرواية الأمريكية لأحداث المنطقة والعالم، المتمثلة في نشرة إخبارية رشيقة مقتبسة من إذاعة "صوت أمريكا" بالعربية.

على التوازي من ذلك، وبصورة يصعب تصوّر براءتها من التساوق مع النهج الحكومي الأمريكي؛ دأبت وسائل إعلام أمريكية بارزة على التعاقد مع وكلاء في المنطقة لاستصدار نسخ عربية منها، بشكل مثير للشفقة أحياناً. فعلى صعيد الإعلام المطبوع؛ يمكن الإشارة إلى نموذج مجلة "نيوزويك" العربية التي تصدر من الكويت عن "دار الوطن" كل ثلاثاء.

تعيد حالة "نيوزويك" هذه إلى الذاكرة تجربة مجلة "المختار للقراءة" التي نُقلت إلى العربية، كما إلى العديد من اللغات الأخرى؛ عن النسخة الأم الأمريكية، ذات التوجه الليبرالي. لكنّ "نيوزويك"، المسيّسة بطبيعتها، كان عليها أن تُدخل من يقومون بإصدارها للقرّاء العرب في مواقف لا يُحسدون عليها، مثل الأزمة التي تسببت فيها في خريف 2002 عندما نشرت تقريراً لصحافي يهودي يسيء إلى أحد جدران المسجد الأقصى المبارك بوصفه "الجدار الملعون"، ويؤكد ادعاءات الاحتلال ومجموعاته الشوفينية في المسجد الأقصى بصورة فاضحة، وهو انتهاك يمثل في جوهره مخالفة لتنظيم المطبوعات الكويتي، لكنّ العدد خرج إلى الأسواق بلا مشكلات، كما خرج غيره مما يحمل مساساً بالشعائر الإسلامية.

حالة "نيوزويك" العربية، التي بقيت مجلة مغمورة لم يكترث بها القراء العرب؛ بوسعها أن تُفهِم المراقبين أسباب إخفاق التجارب الشبيهة القائمة على تعريب المضامين الإعلامية الأمريكية بما يشبه الترجمة الحرفية. ومن الواضح أنّ تجارب "سي إن إن العربية"، و"سي إن بي سي عربية" ليست ببعيدة على هذا المشهد، بينما تأتي فضائية "الحرّة"، بلا مواربة؛ في محاولة النفاذ بقوة إلى قلب التشكيلة الإعلامية الجديدة الخاصة بالعرب، التي لم يعد زمام الأمر المباشر فيها مرتبطاً بمراكز صنع القرار الدولي، وللمرة الأولى في التاريخ الإعلامي العربي الحديث.

إنها الفضائيات العربية، التي بدأت منذ أواسط التسعينيات في الخروج من قمقم السيطرة الحكومية على الإعلام التلفزي؛ هي التي أعادت قلب المشهد الإعلامي في المنطقة، فوجد العرب أنفسهم، وبصورة لافتة الانتباه، على موعد مع "الرأي والرأي الآخر"، وأصبح بالإمكان إدراك وجود شيء اسمه "الاتجاه المعاكس" أو الاعتراف بأنّ هناك "أكثر من رأي" وحوار "بلا حدود". لم ينحصر الأمر في "ظاهرة الجزيرة"، بل تعداه إلى جزر هنا وهناك أخذت تطفو على سطح المشهد الإعلامي في المنطقة المأزومة، المشهد ذاته الذي يعاني من تكامل مذهل بين حالتي الإغراق الإعلامي الرسمي المُمِلّ؛ والتدفق الإعلامي الغربي أحادي الاتجاه، وبهذا أمكن توافر نجاح موضوعي هائل لأية تجربة بث بوسعها أن تتحرك في هذا الفضاء على أسس مهنية سليمة.

 

خصوصية الحالة العربية

بدا انعتاق الإعلام العربي من قمقمه حالة مثيرة للانتباه، ليس على مستوى المنطقة وحدها؛ بل على مستوى العالم أيضاً. إنهم العرب، هذه المرة، الذين نجحوا، رغم كل ما يمكن أن يُساق من ملاحظات وانتقادات؛ في أن يشكلوا حالة إعلامية تنتمي إلى العالم الثالث؛ لكنها قادرة على المنافسة، الجزئية، مع الأقطاب الإعلامية التي تنتمي حصراً إلى العالم الأول، الغربي.

وربما كانت "لجنة ماكبرايد" التي شكلتها اليونسكو في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم؛ ستشير إلى هذا التحول، المفارقة، في تقريرها الموسع عن مشكلات الاتصال والاختلال الإخباري في العالم؛ لو أمكن لها أن تحدِّث نتائجها اليوم.

فقد أكدت اللجنة في حينه النتيجة المعلومة سلفاً: الأقلية المتنفذة القابعة في الشمال تُنتج كلّ المعلومات الإعلامية تقريباً، والأكثرية البائسة في الجنوب النامي والفقير تكتفي بالاستهلاك؛ وخمس وكالات أنباء غربية تدير السوق الإخباري الدولي برمته على أسس مجحفة ومختلة؛ وغير ذلك من الحقائق التي يدركها المعنيون.

لكنّ الأمور لا تبقى على حالها في عالم المتغيرات المتسارعة. فرغم ما بذله القطب الأوحد، الولايات المتحدة، من محاولات لتحقيق حضور إعلامي أكثر فاعلية له في المنطقة؛ جاءت المنعطفات ذاتها التي صنعتها إدارة جورج بوش على المسرح الدولي؛ لتحمل الإعلام الذي ينتمي إلى العالم العربي إلى مسرح المنافسة الدولية. تجلى ذلك في تغطية حرب أفغانستان في خريف سنة 2001، ثم في الصراع المحموم على كعكة إعلام الحرب الأخيرة على العراق، بمفارقاتها وضحاياها. ما أثار المراقبين في حينه أنّ الولايات المتحدة وحليفاتها كانت قد استعدت جيِّداً لحرب إعلامية موازية للضربات العسكرية، فتم في طيات ذلك حشد جيش الصحافيين المزروعين على ظهور الدبابات لينقلوا رواية من جانب واحد فقط من الجبهة، في سابقة لم يشهد لها تاريخ المهنة الصحافية مثالاً. والمعادلة اتضحت للكثيرين الذين رأوا "جنديِّيْن" على ظهر دبابة واحدة، أحدهما يحمل قاذفة قنابل وثانيهما يحمل كاميرا.

إلاّ أنّ هذا كله، بما في ذلك مجزرة الصحافة في بغداد عشية السقوط الكبير؛ لم يفلح في كسب الغزاة للجولة الإعلامية، فحققت وسائل إعلام عربية حضوراً متعاظماً على المسرح الدولي في طيات حرب العراق.

وإذا كان لهذه القفزة الإعلامية العربية أسبابها المفهومة؛ فإنّ الأمر يتعلق، في جانب منه، زيادة على ذلك؛ بإعلام حروب وأزمات عالمية هي في الأصل متركزة في المنطقة ومستوطنة فيها، وطالما أنّ أهل مكة أدرى بشعابها، وأنّ الممارسة المهنية حاضرة، وأنّ التغطية المالية والإرادة السياسية يمكن العثور عليهما محلياً أيضاً؛ فإنّ النجاح على هذا النحو بات ممكناً. لكنّ المثير هو ما تمكنت منه هذه القفزة العربية من اختراق حالة احتكار أسطوري، كان قد ساهم الجنوب ذاته في استدامتها على هذا النحو لصالح الشمال.

بالمقابل؛ كانت إدارة بوش التي تقف خلف "الحرّة"؛ هي أكثر من أبدى انزعاجه في السنوات الأخيرة من سقف الحرية "المرتفع" لفضائيات عربية استُهدفت بالاسم، دون أن تتطرق للفضائيات العربية الرسمية بسقوفها المعروفة، وهذه مفارقة إضافية. وفي أتون الحملة متعددة الأوجه ضد الفضائيات الإخبارية العربية، على التفاوت فيما بينها، وبخاصة "الجزيرة" و"العربية" و"المنار" و"أبوظبي"؛ تأتي مبادرات أمريكية رسمية من قبيل إطلاق "الحرّة".

 

الدولة العبرية في الميدان

إلاّ أنّ ذلك لا يبتعد بنا عمّا حاوله آرائيل شارون، عندما سعى جاهداً إلى تسويق سياسات الدولة العبرية وتجميل احتلالها ومجازرها للرأي العام العربي، بطرحه على مجلس وزرائه مقترحاً من بنات أفكاره يقضي إنشاء محطة تل

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه

فى أمريكا الحجاب ينتصر على البكينى
 
 
  كاتب المقال : عادل عبد الرحيم 
 
أثار كتاب بعنوان "فسوق المرأة الأمريكية" للكاتب الأمريكي المخضرم د.هنري مــــاكوو
 
 جدلا واسعا ، حيث أبدى الكاتب خلاله تقديرا غير محدود للحياء كصفة ملازمة للفتاه المسلمة كما لم يخف احترامه للمرأة المسلمة التي تكرس حياتها لأسرتها وإعداد النشئ وتربيتهم. وعلى الوجه الآخر يبوح بما يضمره من إستياء نتيجة للإنحطاط القيمي والهياج الجنسي الذي تعيشه الفتاة الأمريكية .

. هنري ماكوو- أستاذ جامعي ومؤلف وباحث متخصص في الشؤون النسوية والحركات التحريرية . وكتابه هذا يعكس مدى إعجاب بعض المنصفين من دعاة التحرير المنفلت في الغرب بقيمنا الإسلامية رغم إختلاف الإيدلوجيات والتوجهات . وقد أثارت آراء د.هنري ردود أفعال في الشارع الامريكي بين مؤيد ومعارض .

يقول د. هنري في كتابه : "على حائط مكتبي صورتان ، الأولى صورة إمرأه مسلمة تلبس البرقع النقاب أو الغطاء أوالحجاب وبجانبها صورة متسابقة جمال أمريكية لا تلبس شيئأ سوى البكيني ، المرأه الأولى تغطت تماماً عن العامة والأخرى مكشوفة تماماً " هكذا كانت افتتاحية الكتاب والتي تعتبر مدخلاً لعرض نموذجين مختلفين في التوجهات والسلوكيات .

ويتطرق الكاتب إلى الدوافع الخفية لحرب الغرب على الأمة العربية والإسلامية موضحاً أنها حرب ذات أبعاد سياسية وثقافية وأخلاقية، إذ أنها تستهدف في المقام الأول نهب ثروات ومدخرات الأمة، إضافة إلى سلبها من أثمن ما تملك: دينها، وكنوزها الثقافية والأخلاقية. وعلى صعيد المرأة فاستبدال البرقع وما يحمله من قيم بالبكيني كناية عن التعري والتفسخ.

يقول الكاتب في احد مواضع كتابه : " تلعب المرأة دورا رئيسيا في صميم أي ثقافة، وهدف الغرب وأمريكا دائما تقويض هذا الدور ، لذلك نلحظ انه الى جانب سرقة نفط العرب فإن الحرب في الشرق الأوسط إنما تهدف لتجريد العرب من دينهم وثقافتهم وإستبدال البرقع بالبكيني"

ويمضي الكاتب في مؤلفه لامتداح القيم الأخلاقية للحجاب أو البرقع ، أو ما يستر المرأة المسلمة فيقول : " لست خبيراً في شئون النساء المسلمات وأحب الجمال النسائي كثيراً مما لايدعوني للدفاع عن البرقع هنا ، لكني أدافع عن بعض من القيم التي يمثلها البرقع لي فهو رمز لتكريس المرأه نفسها لزوجها وعائلتها ، هم فقط يرونها وذلك تأكيداً لخصوصيتها ".

ويشيد الكاتب بمهمة ورسالة المرأة المسلمة والمتمثل في حرصها على بيتها وإهتمامها بإعداد النشئ الصالح فيوضح ان تركيز المرأة المسلمة منصب بصفة أساسية على بيتها ، العش الاجتماعي الدافيء حيث يولد أطفالها وتتم تربيتهم ، فهي الصانعة المحلية ، وهي الجذر الذي يُبقي على الحياة الروح للعائلة تربي وتدرب أطفالها تمد يد العون لزوجها وتكون ملجأ له .

وبعد الإنتهاء من شرح الصورة الأولى التي على مكتبه وهي صورة المرأة المسلمة ينتقل د. هنري إلى الصورة الثانية فيقول : " على النقيض ، ملكة الجمال الأمريكية وهي ترتدي البكيني فهي تختال عارية تقريباً أمام الملايين على شاشات التلفزة....وهي ملك للعامة... تسوق جسمها إلى المزايد الأعلى سعراً هي تبيع نفسها بالمزاد العلني كل يوم " .

ويضيف : " في أمريكا المقياس الثقافي لقيمة المرأة هو جاذبيتها ، وبهذه المعايير تنخفض قيمتها بسرعة ...هي تشغل نفسها وتهلك أعصابها للظهور " .

وينتقد د. هنري فترة المراهقة الشاذة التي تعيشها الفتاة الأمريكية حيث التعري والجنس غير الشرعي والرذيلة فيقول : " كمراهقة قدوتها هي بريتني سبيرز المطربة التي تشبه العرايا ، من شخصية بريتني تتعلم أنها ستكون محبوبة فقط إذا مارست الجنس ... هكذا تتعلم التعلق بالعواطف الفارغة بدلاً من الخطوبة والحب الحقيقي " .

ثم يستعرض الكاتب الأثار السلبية لتلك الحياة الماجنة التي تعيشها الفتاة الأمريكية فيوضح خطأ علاقاتها التي قد تمتد لعشرات الرجال الذين يعرفونها قبل زوجها، هذا اذا حدث وتزوجت، فتفقد الفتاة عذريتها ومعها براءتها التي هي جزء من جاذبيتها .. تصبح سلعة جسدية جامدة وماكرة ..غير قادرة على الحب"، كما يشير الكاتب إلى أن المرأة في المجتمع الأمريكي تجد نفسها منقادة إلى السلوك الذكوري مما يجعلها إمرأة عدوانية مضطربة لاتصلح أن تكون زوجة أو أماً إنما هي فقط للإستمتاع الجنسي وليس للمشاعر الراقية مثل الحب أو التكاثر.

وينتقد د. هنري نظام الحياة في العالم المعاصر حيث التركيز على الإنعزالية والإنفراد فيرى ان الأبوة هي قمة التطور البشري، وإنها مرحلة التخلص من الإنغماس في الشهوات حتى نصبح عباداً لله ...تربية وحياة جديدة . وأن النظام العالمي الجديد لا يريدنا أن نصل إلى هذا المستوى من الرشد .. حيث يريد بني البشر منفردين منعزلين.. جائعين جنسياً ويقدم لنا الصور الفاضحة بديلاً للزواج "

أكذوبة تحرير المرأة ويكشف د. هنري زيف إدعاءات تحرير المرأة التي سوق لها الغرب وأمريكا، ويصفها بالخدعة القاسية عندما يعلن ان تحرير المرأه خدعة قاسية من خدع النظام العالمي الجديد ، أذهبت عقول النساء الأمريكيات وخربت الحضارة الغربية " .

ومن هذا المفهوم يؤكد الكاتب أن تحرير المرأه بهذه الايحاءات يمثل تهديداً خطيرا للمسلمين فقد دمرت الملايين وشكلت تهديداً كبيراً للمسلمين .

ويختتم د. هنري مؤلفه بتوضيح انه لا يدافع عن البرقع أو النقاب أو الحجاب لكن إلى حد ما عن بعض القيم النبيلة التي يمثلها ، بصفة خاصة عندما تهب المرأه نفسها لزوجها وعائلتها والتواضع والوقار يستلزم هذه الوقفة.

أضف تعليق

أقراء الأراء الأخرى

الصفحه الرائيسيه