1020C454FEBC5F6C3C48280AF3870CE3

بالصور معالم من قلب فيينا القديم … مقهى ليوبولد هافلكا.. يحكي تاريخ عاصمة النور فيينا

Cafe-Hawelka

 

أذا كان لكل مدينة مقهاها الأقدم والأشهر الذي يحظى بمكانة تاريخية عريقة لا ينافسه فيها مقهى آخر فإن مقهى هافيلكا في العاصمة النمساوية فيينا الذي تأسس عام 1939 ، يعدّ المقهى الذي يزينه تاج يفوق كل التيجان التي تزين رؤوس المقاهي الأخرى فى فيينا وصاحب المكانة الأبرز بين الرواد ، بالرغم من شهرة الكثير من المقاهى الأخرى .

قبل أيام احتفل مقهى هافيلكا العريق البسيط  ، بمرور ستة أعوام على وفاة مؤسسة ليوبولد هافيلكا ، حيث عبرت الأسرة عن حزنها، مؤكدة أن تأبين ليوبولد مختصر وخاصة، وأن المقهى لن يتسع لباقات الورود ولن يغلق حدادا وسيتواصل العمل دون أي تغييرات تنفيذا لتعليمات الراحل  ليوبولد هافلكا المولود فى أبريل من العام 1911 والمتوفى فى يناير 2011 عن عمر يقترب من المائة عام .

Café-Hawlaka

.فوفقاّ لمعلومات نشرتها الصحف النمساوية في لقاءات صحفى سابقة أجرتها مع أمير هافلكا 45 سنة، الذي يعتبر مع غونثر، 75 سنة، وابناه ميخائيل 45 سنة، بالإضافة لخمسة أشخاص آخرين فقط هم كل القوى العاملة الذي تدير المقهى بعد جدهم وجدتهم التى توفيت فى العام 2005 ، فإن المقهى لم يغلق أبوابه طوال تلك السنوات إلا أثناء سنوات الحرب العالمية الثانية، عندما أجبر جدهما ليوبولد على العمل مع قوات هتلر بعد غزوه للنمسا.

بنهاية الحرب عاد الجد والجدة للعمل في مقهاهما الذي، في ما يشبه المعجزة، كان من المباني القليلة التي لم تتأثر بالخراب الذي حاق بالعاصمة النمساوية فيينا، بل كان من المباني المعدودة التي ظل زجاج نافذتيها الخارجيتين سليما لم يتهشم. كما نعم المقهى حينها بالتيار الكهربائي، مما سهل عودته للعمل على الرغم من شح المواد التي كان العثور عليها صعبا حتى في السوق السوداء التي تحكمت فيها قوات الحلفاء من روس وفرنسيين وأميركيين وإنجليز حتى عام 1955 عندما انتهى احتلال النمسا.

Cafe-Hawelka2

لسنوات قليلة مضت ظل ليوبولد هافلكا يدير مقهاه بنفسه محافظا على هيئته البسيطة المميزة التي لم يزد أثاثها على بضعة مقاعد جلدية وعدد من الطاولات غطيت بنوع محلي من الرخام، داخل حجرة لا تتسع لأكثر من 80 زبونا يخدمهم عدد محدود جدا من «الغرسونات»، بالإضافة لزوجته التي فارقته بوفاتها عام 2005.

يقع مقهى هافلكا في دوروثيير قاسه “Dorotheergasse 6” ، وهو شارع صغير وضيق (كمعظم شوارع فيينا الإمبراطورية القديمة) بالحى الأول على بعد خطوات فقط من قلب المدينة النابض أرقى وأغلى مواقعها، أي مثلث القرابين وساحة القديس إشتيفانز وشارع كيرتن السياحي، التي تزخر وتفيض بالمحال التجارية ذات الأسماء المعروفة والماركات العالمية، بالإضافة لعدد ضخم من المطاعم والمقاهي النمساوية والأجنبية. وعلى الرغم من ذلك ظل مقهى هافلكا، ببساطته، مزارا لا بد منه للسائح الذي يبحث عن مقهى نمساوي مميز، متلمسا حقبة من تاريخ المدينة المغرمة بتاريخها.

زار مقهى هافلكا معظم كبار ضيوف المدينة من الرسميين، على الرغم من ازدحام برامج عملهم، وكان المقهى المفضل للرئيس التشيكي الأسبق فاتسلاف هافل، الذي جذبه المقهى بتاريخه كموقع مفضل لعدد كبير من الكتاب والأدباء والمؤلفين. وكان هافل نفسه كاتبا مسرحيا مميزا ورئيسا مثقفا، كما حظي هافلكا بزيارة من الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون، هذا بالإضافة لمئات الفنانين والأدباء والمغنين والممثلين، وملايين السياح، بجانب النمساويين الذين كثيرا ما ينتقل إعجابهم بهافلكا من الجد للابن للحفيد بحثا عن مقهى يتمتع بذاتيته وأجوائه العريقة.

Cafe-Hawelka1

وعلى الرغم من الحداثة والتوسيعات التي طغت على غيره من مقاهٍ قديمة قدر عددها بنحو 584 من مجموع ما يزيد على 2600 مقهى بفيينا نجح هافلكا في الاستمرار بالنمط المتواضع ذاته الذي أنشئ عليه، عدا تغييرين اثنين فقط، وذلك عندما تم استبدال ماكينات حديثة لصنع القهوة بالفرن الخشبي القديم، وأيضا عندما رفضت السلطات النمساوية في يونيو (حزيران) 2010 استثناء المقهى من قرارها في أن تختار المقاهي الصغيرة التي لا تزيد مساحتها على 75 مترا من قرار التدخين وأن يكون بين المقاهي الكبيرة التي وفرت مساحة تخصص جزءا من مساحتها للمدخنين.

من جانبها، كانت أسرة هافلكا قد أرفقت طلبها بشفاعة كونها مقهى أصبح بمثابة إرث نمساوي ثقافي، إلا أن السلطات تمسكت، على الرغم من احترامها للمقهى، بحرفية القرار وضرورة تطبيقه على الجميع دون استثناءات.

التزم ليوبولد هافلكا بتطبيق القرار، مفضلا أن يكون مقهاه لغير المدخنين، وإن احتفظ بطفاياته على الطاولات كجزء من تاريخ قديم حين كان الدخان يلف سماءه، مما أثر على لون جدرانه المزينة بلوحات ورسومات وصور لبعض المشاهير ممن زاروه. وكثيرا ما رحب ليوبولد شخصيا بزواره العاديين بابتسامة واستقبلهم وهو يرتدي رابطة عنقه حتى عندما بلغ التسعين حين كان يجلس كل صباح لبضع ساعات يراقب سير العمل بالمقهى.

كان ليوبولد، كما قال حفيده أمير، هو الجنرال أو المايسترو حتى عندما قلت ساعات حضوره، موضحا أن جده وضع أسلوبا مميزا للتعامل مع الزبائن بحيث يُشعر كلا منهم أنه المفضل، مما أكسب المقهى سمعة التميز والخصوصية، بالإضافة لما ظل يوفره من أنواع مختلفة من قهوة نمساوية نكهة وأسلوبا، 100%، على الرغم من العولمة، في مقدمتها «الكلاينر شفارتسر»، أو السوداء الصغيرة، وهي كمية صغيرة من القهوة المركزة، لا تزيد على جرعتين أو ثلاث تقدم كغيرها بصحبة كوب ماء لا يقدم من المياه المعدنية، وهذا أيضا مما تمتاز به فيينا التي تشتهر بعذوبة ونظافة مياه صنابيرها الصالحة للشرب.

ومن أشهر أنواع القهوة بالمحل: «الميلانش»، وهي خليط من البن مع كمية أقل من المياه وأخرى أكبر من الحليب تقدم وعلى وجهها رغوة لبن مخفوق تزينه رشات من البن.

تقليديا يشرب النمساويون الميلانش محلاة بالسكر، مبتدئين بتناول رشفة أو اثنتين عن طريق الملعقة، لتقليل الرغوة من على السطح وحتى لا ترسم شاربا أبيض على وجه الشارب، خاصة إن كانت سيدة أنيقة. ومن ثم تتم إضافة قطعة من السكر، ليتواصل احتساؤها من الكوب ولمزيد من المتعة، ما بين جرعة وأخرى يتم ارتشاف جرعة من الماء، مما يجدد الإحساس بمذاق القهوة. هذه بعض الطقوس التي يميل إليها أهل النمسا في شرب قهوتهم.

هذا كما تتوافر بهافلكا أنواع أخرى من الأصناف، بعضها يعود وصفاته وطريقة عمله للعهد الإمبراطوري.

Café-Hawlaka3

ويلاحظ أن النمساويين عموما يستمتعون بجلساتهم لشرب القهوة؛ إذ كثيرا ما يطيلون الجلوس والأنس مع كتبهم أو يقرأون الصحف التي توفرها المقاهي ولا تزال مع خدمة الإنترنت التي هي مجانية في معظم، إن لم نقل جميع، المقاهي.

ومعلوم أن أول مقهى تم افتتاحه بفيينا يعود لمخلفات البن التي حصل عليها الجيش النمساوي من الجيوش التركية التي ظلت محاصرة لفيينا دون أن تتمكن من غزوها.

بعد دحر الأتراك كافأ الإمبراطور جاسوسا بولنديا اسمه جورج كولتشيسكي بمنحه تلك الحبيبات التي طلبها دون غيرها. وكان كولتشيسكي قد نجح في التغلغل وسط الجنود الأتراك كواحد منهم متنكرا بطربوش ومظهر كمظهرهم، مما مكنه من الوقوف على استراتيجيتهم للهجوم على المدينة، فانسحب مقدما ما حصل عليه من معلومات غالية للإمبراطور. وكما تقول المصادر التاريخية فإن كولتشيسكي، الذي تم إطلاق اسمه على شارع بالمنطقة الرابعة من فيينا، المواجه لمحطة قطار الأنفاق الكبيرة، سودتيرولربلاتز، قد شاهد الأتراك يحمصون البن ثم يطحنونه ويخلطونه مع الماء الساخن ويشربونه. وقد افتتح أول مقهى بالمدينة سماه «الزجاجة الزرقاء» عام 1683.

بجانب ما يوفر مقهى هافلكا من أنواع مختلفة من القهوة اشتهر كذلك بفطيرة يسمونها «البوختل»، التي اكتسبت سمعة لا تضاهى على الرغم من سهولة مكوناتها التي لا تزيد على دقيق وخميرة وماء، وتقدم ساخنة مع كمية وافرة من الخوخ. هذه الفطيرة بالذات كانت رفيقة عمر زوجة ليبولد، جوزفين، التي كانت تحرص على خبزها بنفسها كل يوم وكانت بمثابة غذاء دسم لرواد المقهى إبان السنوات الصعبة بعد الحرب عندما لم يتوافر غير القليل جدا من المواد الغذائية.

ولجوزفين، كما شهد زوجها، يعود الفضل في استمرارية ونجاح مسيرة مقهى هافلكا؛ إذ سبق أن قال إنها كانت رفيقته في أحلك السنوات عندما كان يخرج لساعات غائبا في غابات فيينا بحثا عن حطب لتشغيل فرن المقهى، وكانت جوزفين تسد مكانه حتى لا يغلق المقهى، وشيئا فشيئا تقاسما ساعات العمل في ما بينهما، تتسلم فيها جوزفين العمل كاملا في الفترة المسائية، بما في ذلك جرد الحساب نهاية اليوم وتنظيم الملفات المالية، مستعينة بحاستها النسائية كخير معين لتدبير المال والعناية به وتوظيفه لمصلحة الأسرة.

بلطف وحذر عبرت الأسرة عن حزنها، مؤكدة أن الجنازة ومراسم الدفن مختصرة وخاصة، وأن المقهى لن يتسع لباقات الورود ولن يغلق حدادا وسيتواصل العمل دون أي تغييرات تنفيذا لتعليمات الراحل.

ولم تغفل الأسرة أن تنبه الأحباب والزبائن الأعزاء إلى وجود صفحة إلكترونية لمن يرغب في تقديم العزاء للراحل، الذي نقلت خبر وفاته محطة التلفزيون الرسمية «أو آر إف»، والذي نعته كلوديا شميدت، وزيرة الثقافة فى ذلك الوقت، واصفة إياه بـ«المعلم في عالم ثقافة القهوة بالنمسا»، هو ليوبولد هافلكا (11 – 4 – 1911 – 29 – 1 – 2011)، صاحب أشهر مقهى بل وأقدم مقهى نمساوي، الذي تأسس عام 1939.

 

 

 

شاهد أيضاً

وزير الدفاع التركي: تطور علاقاتنا مع مصر يرعب البعض ويخيفهم

قال وزير الدفاع التركي خلوصي أكار، إن العلاقات بين تركيا ومصر، في تطور، وستصل مستويات …

%d مدونون معجبون بهذه: