الثلاثاء , 10 ديسمبر 2019

بالصور والفيديو – علياء تموت مقيدة بالسلاسل والسرطان في دولة السعادة

«أشعر بضيق شديد في صدري. إنهم يتعمدون استفزازي، لا يريدون إلا المشاكل، أريد فقط أن أتصل بكم»، هذه الجملة قالتها بصعوبة بالغة المعتقلة الإمارتية علياء عبدالنور خلال اتصال محدود بعائلتها. البكاء والحزن الشديد كانا يطغيان على كل شيء في المكالمة، التي حاولت علياء فيها أن توصل لأهلها بعض معاناتها، كي يحكوا للعالم حجم الانتهاكات التي تعيش فيها داخل «سجن الوثبة» في الإمارات

«محبوسة في غرفة لمدة سنة، لا خروج ولا هواء، من حقي أطمئن على أمي وأبي، وأتواصل معكما» *علياء عبد النور خلال مكالمة هاتفية مع واديها

أمس انتهت معاناة علياء داخل هذا السجن؛ إذ أبي التعذيب داخل سجون الإمارات المصاحب لمرض السرطان، إلا أن يقضى على جسد علياء النحيل، لترحل كما أرادات السلطات الإماراتية والقيود في جسدها.

اعتقال فإخفاءٌ قسري فحكمٌ بالسجن 10 سنوات

في التاسع من يوليو (تموز) عام 2015 داهمت قوات أمنية إماراتية مدججة بالسلاح والكلاب البوليسية منزل المواطنة علياء عبد النور (42 عامًا) الكائن في إمارة عجمان. ثم قامت بضرب علياء وتكبيلها واصطحابها دون أن تسمح  لها بارتداء الحجاب.

بعد هذا اليوم بقيت علياء أربعة أشهر في حالة إخفاء قسري، ليكتشف لاحقًا أنها تعرضت لتعذيب شديد؛ إذ احتجزت في زنزانة انفرادية وحرمت من وجود فراش أو غطاء، وتم تجريدها من ملابسها الخارجية مع تقييدها بسلاسل حديدية بشكل مستمر، كما أنها تعرضت فيما بعد إلى أشكال أخرى من التعذيب، مثل تقييد الأطراف، إضافة إلى إجبارها على الوقوف ساعات طويلة، وقالت لأفراد عائلتها إنها منعت من النوم أو الصلاة، وحدد لها مواعيد لدخول الحمام، وتعرضت لضغط نفسي كالتهديد بالاغتصاب وقتل شقيقتها ووالديها.

 واستمرت وضع علياء هكذا دون أن توجه لها تهمة معنية حتى عام 2016، حين  أبلغتها نيابة أمن الدولة بالتهم الموجهة ضدها للمرة الأولى في الخامس من سبتمبر (أيلول) 2016، أي بعد مرور أكثر من عام على اعتقالها، وحكمت عليها محكمة إماراتية بالسجن 10 سنوات بتهم «تمويل بالإرهاب والتواصل مع جهات إرهابية خارجية».

فعلى الرغم من أن المحكمة لم تستطع إثبات أن لعلياء أي نشاط سياسي كما يؤكد الحقوقيون، إلا أنها رأت في جهد علياء بجمع تبرعات للمتضررين من الحرب في سوريا وبعض الأسر المحتاجة المقيمة في الإمارات «جريمة كبيرة»، وردًا على هذه التهم، قالت علياء في رسالة مسربة من داخل السجن «كنت أساعد الفقراء».

نقلت علياء بعد الحكم عليها إلى واحد من أسوأ سجون الإمارات سمعة، «سجن الوثبة»، وهو سجن يحتجز في المحكومون في قضايا قتل وسرقة ومخدرات، وفيه تواصل تعرضها إلى معاملة مهينة،  ولم يسمح لذويها بزيارتها إلا في نطاق ضيق للغاية، كما  تم حرمانها من التواصل مع المحامي.

وحسب ما جاء في تقرير لموقع «معتقلي الإمارات» فإنه: «على مدار تسع جلسات أمام القضاء في القضية رقم 150 لسنة 2015 أمن الدولة، حرمت علياء من التمثيل القانوني؛ إذ كان يتم تهديد أي محامي يتولى الدفاع عنها. ولم تواجه علياء بأي دليل إدانة مادي، سوى سجل المواقع الإليكترونية التي كانت تتصفحها، واتهمت أنها على علاقة بالأشخاص الذين كانت ترد أسماؤهم في تلك المواقع، ومنهم متهمون بالإرهاب في الإمارات».

ويضيف التقرير: «كذلك اتهمت بتمويل بعض الجماعات الإرهابية، على الرغم من أن علياء لم يكن لها أي نشاط سياسي، بل كان نشاطًا اجتماعيًا تتولى فيه جمع تبرعات ومساعدات مالية وإرسالها للنساء والأطفال من الفقراء والمتضررين من الحرب في سوريا وبعض الأسر المحتاجة المقيمة في الإمارات، لتحكم عليها المحكمة بالسجن لمدة 10 سنوات، ثم تم تأييد الحكم بصورة نهائية بتاريخ 15 مايو (أيار) 2017».

علياء تموت مقيدة بالسلاسل والسرطان

لم يكن هم علياء محصورًا فيما نالته من صنوف التعذيب على يد مسئولي «سجن الوثبة» سيئ الصيت، بل كان لها هم كبير آخر، تمثل في عودة مرض السرطان لجسدها الضعيف، بعد أن كانت قد تعافت منه في عام 2008، إثر رحلة علاج طويلة في ألمانيا.

فقد عاد المرض لجسدها الذي تعرض للتعذيب، وظهرت تورمات بالغدد الليمفاوية وتكيس وتليف بالكبد، وأصيبت بهشاشة في العظام نتيجة احتجازها مدة كبيرة بغرفة شديدة البرودة دون غطاء، وقد ساهمت ظروف الاعتقال السيئة المستمرة منذ أربع سنوات والإهمال الصحي المتعمد الذي مارسته في حقها سلطات الإمارات إلى وصول حالتها لمراحل متأخرة جدًا، حتى أنها فقدت أكثر من 10 كيلوجرامات من وزنها بسبب سوء الرعاية الصحية والغذائية في السجن.

بل لم تكتف السلطات الإماراتية بإهمال الوضع الصحي لعلياء، بل ادعت السلطات – بحسب منظمات حقوقية – أن علياء رفضت تلقي العلاج الكيميائي، بعدما أجبرتها على توقيع وثيقة تشير إلى رفضها للعلاج الكيميائي.

فبحسب منظمة «هيومن رايتس ووتش» الحقوقية، فإن التقرير الطبي الصادر عن مستشفى المفرق في أبريل (نيسان) 2017 يشير إلى أن علياء احتاجت إلى بدء العلاج الكيميائي في أعقاب عملية جراحية، لكنهم زعموا رفضها العلاج، وقد أكدت المنظمة أن عائلة علياء أكدت أن ابنتهم أخبرتهم، خلال إحدى زياراتهم إلى مستشفى المفرق، أن حارسة السجن أجبرتها على التوقيع على وثيقة تفيد برفضها العلاج.

ونقلت علياء في  10 يناير (كانون الثاني) 2018 إلى مستشفى توام للحصول على رعاية مسكّنة للألم، وبعد نحو 10 أيام من نقلها تمكنت عائلتها من زيارتها، وقالوا إنها كانت مقيدة بالسلاسل وتحت حراسة مشددة، فطالبوا الحارس بإزالة القيود التي تسبب آلامها، فرد بالقول: «القيود لن تُزال إلا عند وفاتها».

وأعلنت أمها آنذاك: «ابنتي تواجه الموت، ومرض السرطان انتشر في جسدها، وأصبح جسدها وكأنه قطعة بلاستيك سُكبت عليه مادة كاوية. انتقل الورم الخبيث للجلد والغدد، وأصيب نظرها بضعف، ولم تعد قادرة على الوقوف بشكل طبيعي، وتستمر في السقوط خلال استعمالها دورة المياه».

حاولت عائلة علياء فعل أي شيء للتخفيف عن ابنتهم، فتوسلت أمها لمسئولين إماراتيين أن يخلوا سبيلها كي تعيش أيامها الأخيرة في بيتها، «ولكنهم يستمرون في إخباري: ستموت في الحجز»، بحسب ما أعلنته الأم.

وكانت واحدة من أكثر تفاصيل معاناة علياء ألمًا هي المكالمة المؤثرة بين علياء ووالدها الذي كان يواسيها في أيامها الأخيرة، وهي على سرير الموت، حين خاطبها والدها بصوت ضعيف يحاول منع البكاء: «لا تبكين يا علياء لا تبكين، الله يردك إلي».

وتوفت علياء يوم أمس، الموافق الرابع من مايو 2019 داخل غرفة العناية المركزة بمستشفى العين توام، تحت حراسة شديدة والقيد بجوار رأسها بغرفة العناية، واتهمت «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» ببريطانيا النظامَ الإماراتي بالوحشية، وقالت إن: «حالة علياء عبد النور تثبت وحشية النظام الإماراتي، وتجاوزه لكل الخطوط الحمراء في الملف الحقوقي الداخلي، ويدق ناقوس الخطر على حالات أخرى تعاني من أمراض خطيرة، كما يثبت نفاق المجتمع الدولي وعدم رغبته في الضغط على النظام الإماراتي لإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات».

علياء ليست المرأة الوحيدة في غيابات سجون الإمارات

«ليست المرأة الوحيدة (علياء) التي تعتقل في الإمارات على خلفية سياسية وتتعرض للاختفاء القسري والتعذيب، إنما هناك حالات أخرى في مشهد يؤكد أن هذه السلطات لا تقيم وزنًا للعادات والتقاليد التي تسود المجتمع الإماراتي»، يجمل هذا الجزء المعلن في بيان «المنظمة العربية لحقوق الإنسان» حالة وضع النساء المعتقلات في السجون الإماراتية.

فهناك أيضًا حالة المعتقلة أمينة محمد العبدولي (36 عامًا)، المرأة التي تحتجز في الحبس الانفرادي في «سجن الوثبة» في أبوظبي، والتي تعيش ظروف سيئة للغاية لم ينقذها منها إضرابها عن الطعام لمدة ثلاثة أسابيع. فقد تدهورت صحتها حتى فقدت البصر تقريبًا في إحدى عينيها، وينقل حقوقيين عن أمنية تأكيدها أن من صنوف التعذيب الذي تعرضت له إغراقها في الماء، وتقييد يديها ورجليها وتعصيب عيناها لساعات متتالية، ووصل الأمر إجبار عمها على توقيع أوراق تدلي بأنه غير مسؤول عنها.

وتجدى الإشارة إلى أن الإمارات شهدت بعد ثورات الربيع العربي ازدياد في حالات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، وزيادة في نطاق القمع ضد مواطنيها، حتى أن التعذيب في السجون الإماراتية أصبح أمرًا شائعًا، ويمارس في السجون وأماكن الاحتجاز بشكل منتظم – بحسب منظمات حقوقية – وذلك منذ بدأت السلطات الإماراتية حملة اعتقالات لعدد من الأكاديميين والحقوقيين، فيما عُرف إعلاميًا بقضية «الإمارات 94» التي طالت 13 امرأة آنذاك.

وعلى وجه التحديد، تتعرض النساء في سجون الإمارات إلى التحرش الجنسي من قبل الحراس، ويحرمن من الماء ومواد الغذاء الأساسية، ويحرمن من وجود المكيفات في بيئة شديدة الحرارة منعدمة النظافة، وتعاني المريضات منهن الإهمال الصحي حتى المصابات بأمراض خطيرة كالسرطان. وقد وصلت الأمور لحد وجود حالات بين المعتقلين والمعتقلات في «سجن الرزين» الذي يطلق عليه اسم «خليج جوانتانامو»، قد حاولوا الانتحار للتخلص من التعذيب في هذا السجن.

ويؤكد تقرير مركز الإمارات لحقوق الإنسان أن سلطات الإمارات: «لم تكتف بحبس نساء إماراتيات وإخفائهن قسريًا، بل تعمّدت فضلًا عن ذلك تحميلهن وزر غيرهن وتجريدهن من جنسيتهن الإماراتية تعسفيًا بعد سجن الأب أو الزوج»، ويضرب التقرير مثالًا على ما حدث مع أسماء ودعاء ابنتي الشيخ محمد عبد الرزاق محمد الصديق المعتقل حاليًا في «سجن الرزين» على خلفية حكم بالسجن لمدة 10 سنوات صدر بحقّه في إطار قضية «الإمارات 94».

فقد ذكر التقرير أنهن «جردن من جواز السفر وخلاصة القيد وبطاقة الهوية ورخصة القيادة والبطاقة الصحيّة. وحرما فوق ذلك من الاطلاع على المرسوم القاضي بتجريدهن من الجنسية ومن حقهن في التظلم إداريًا وقضائيًا ضد التجريد التعسفي للجنسية وللوثائق الثبوتية».

وأضاف التقرير أيضًا أن «زوجات المعتقلين من السياسيين والنشطاء الحقوقيين والمدونين وأمهاتهم وبناتهم وأخواتهم يتعرضن إلى سوء المعاملة باستمرار خلال زيارة السجون، مثل المنع من الزيارة دون سابق إبلاغ بحيث تقطع الأسرة مسافة لا تقل عن ساعتين ونصف وتمكث لساعات أمام بوابات السجن، وقد تخضع بعدها لتفتيش مهين وحاط من الكرامة ليتم إبلاغهن بعدها بالمنع».

شاهد أيضاً

بالفيديو – الأمطار تغرق لبنان.. والمواطنون في زوارق!

مرة أخرى غرق اللبنانيون في مياه أمطارهم، وبات الوضع يوصف بالمضحك المبكي. فقد تداولت مواقع …