عاد للاعتصام فقتله العسكر.. قصة الشهيد المنقذ لمصابى الثورة مجتبى صلاح

في الزاوية خيمة أضرمت فيها النيران، أمامها جنود يحاصرون معتصمًا أعزل ويجلدونه بالسياط فتغلي في قلب مجتبى عبارته البسيطة والدائمة:«الثورة دي حقتنا.. والثورة دي ثورتنا نحن». يبدّد مجتبى مشهد الموت من أمامه ويتقدم مسرعًا نحو فتاة أطاحت بها إصابتها ليحملها عن الأرض ويهرب بها ليضعها في سيارة خارج منطقة الاعتصام لتخرج منه بأمان، ويعود لثورته تاركًا لنا قصته. قصة مجتبى صلاح، وننقلها هنا كما رواها لنا أهله.

أحلام السودان تتجسد في مجتبى صلاح

مجتبى صلاح أحمد، عشرينيّ بدأ حياته كشابٍ حلمه الخروج من السودان لينتهي مسعاه مدافعًا عن أحلام الحرية والثورة بقلب بلاده في مقر اعتصام القيادة العامّة في الخرطوم.

عاشَ مجتبى في منطقة الصحافة، في الخرطوم عاصمة السودان، يتصف بذكاءٍ حاد و«عبقريّ» كما يصفه أخوه، وطموحٍ علميّ كبير، أنهى دراسته الثانوية ليبدأ البحث عن منح دراسية في الخارج، محاولًا الخروج من السودان من خلال مصر وتركيا وحتّى ليبيا، ولم يستطع.

كان الخروج من السودان للتعلم ولتأمين مستقبل ماديّ أفضل حلمًا مهمًا لمجتبى، ولكن بعيد المنال «بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة» كما يروي لنا أخوه. والآن انتهى هذا الحلم تمامًا، وللأبد. ولما فشلت محاولات مجتبى، تَركَ الهندسة وبدأ بتجهيز نفسه ليدرس الطب، كيفما تيسر له ذلك، وقد كان هذا طموحه الأول.

ودونَ سابق إنذار، هزّت الثورة حياة مجتبى وقلبتها، وتحوَّلت عيونه نحو الداخل، نحو السودان والسودانيين. كان ذلك باندلاع أحداث السودان التي بدأت نهاية العام الماضي التي شارك مجتبى فيها منذ ديسمبر (كانون الأول) 2018.

يقول أخوه إنه والشباب الذين كانوا معه «اكتشفوا ثقافتهم» من جديد، اكتشفوا السودان كوطن يحبونه، لا كنظامٍ أو دولة قمعية. مجتبى «آمن جدًا بالسودانيّة كهوية تجمعنا. وأن السودان لكل السودانيين». وبطريقة ما خلقت هذه الثورة في قلب مجتبى وأمثاله حب الناس والإيمان بالسودانيين.

نفثةٌ من الحرية والأمل أحيَت السودان في قلب مجتبى. علَّق أعلام السودان على المنزل وداخله، وصارت الأغاني الشعبية والوطنية مسموعةً في البيت بعد أن كان يدندن «أغنية الخلاص»:«ألن تغني معي أغاني الحرية؟ لا أحد سواك سيحررك». من قبعة بوب مارلي إلى الجلابية والعمامة، الملابس الشعبية السودانيّة، وللقمصان الأفريقية الملوّنة.

تركَ مجتبى وراءه الثورة، وجيتاره، وأغاني الجاز ومحاولاته للعزف في الأمسيات الفنية والموسيقية في الخرطوم. وترك مكتبةً صغيرة كان يقرأ منها كثيرًا. ما الدولة المدنية؟ وسؤال الدولة والدين، وقراءات كثيرة عن الأديان، وقراءات في التصوف، ويروي أخوه إن المتصوّف الشهير مُحيي الدين ابن عربي نالَ إعجاب مجتبى الشديد. هذا الارتباط بالتصوّف دفع مجتبى ليشارك في الزوايا الصوفية ويحضر جلسات الذكر فيها، وكان على اتصال بالدراويش من الطريقة البرهانيّة على وجه الخصوص. تركيبة مجتبى المميزة تعكسُ تميّز وخصوصية الثورة السودانية وسياقها.

«عاوزين نوري العساكر ديل درس».. بيت في الاعتصام

من الماضي والإحباط ومن أحلام الهروب إلى مُعتصمٍ برتبة «مقيم دائم» في الميدان، أمام قيادة القوات المسلحة.  صارَ الاعتصام بيت مجتبى الجديد. وعلى وجه التحديد داخلَ جامعة الخرطوم، وهي جزءٌ من منطقة الاعتصام، حيث سمح له هو ومجموعة من أصدقائه بالنوم داخل إحدى قاعات الجامعة، التي تحوّلت لمكان مفضّل للشهيد مجتبى، ويقول أخوه: «ما كان يرجعَ البيت» مُصرًّا على البقاء في الاعتصام.

منشور للشهيد مجتبى صلاح صوّر فيه مكان نومه في الاعتصام. داخلَ قاعة في جامعة الخرطوم. المنشور من حسابه على «فيسبوك».

ركّز مجتى جهوده في الاعتصام على إسعاف المصابين الذين كثر عددهم في التاسع من رمضان، 14 مايو (أيّار). ويروي شقيق مجتبى أن اسمه وردَ في لوائح المصابين، فاتصل به للاطمئنان وجاءه رد مجتبى: أنا بخير وباقٍ في الاعتصام. «ما أفطر معنا يومًا»، ولكنه تغيّر بعد هذا التاريخ، وصار مبتسمًا دائمًا ولا يتحدث إلا عن الدولة المدنية: «مدنية مدنية!.. حتى أسلوب حديثه اختلف».

وفي تلك الفترة تلقّى مجتبى أخيرًا فرصة كان ينتظرها طويلًا: تواصلت السفارة اليابانية مع العائلة لإبلاغهم بحصوله على منحة. لم يعرها مجتبى أدنى اهتمام وظلّ على صموده في الاعتصام. فالثورة قد لا يصيبها الحُر في العمر إلا مرةً واحدة. رأى مجتبى الاعتصام «كطوق النجاة للحرية والديمقراطية» في السودان، ولم يُفلته حتى النهاية.

تحت أعين «الدعم السريع».. صلاح يلفظ انفاسه الأخيرة

يشرحُ أخو مجتبى الوضع ليلة الفَض: انفجرت شائعات عن إمكانية وقوع فضٍ عسكري، ووصلت أخبار عن حشد قوات استعدادًا لذلك. وفورًا «تواصلنا معه وقلنا: له احتَط». بدأ الأمر بمناوشات بالرصاص الحي، أصيب على إثرها كثيرون. اليوم 29 رمضان، يوم الفض والمجزرة، 3 يونيو (حزيران) 2019. «قيل لنا إنهم صلّوا الفجر، وبعدها دخلت عربات أمن محمّلة بالسلاح والعسكر» لمحيط الاعتصام.

العملية تمّت كالآتي، وفقًا للشهادات التي سمعها وتوثق منها شقيق مجتبى: بدأ اجتياح المنطقة، وضربُ النار والهجوم في المنطقة الغربية، من ناحية الجامعة. المشهد ببساطة: قوات عسكريّة تطلق النار ويواجهها شبّان كمجتبى قرّروا حماية الاعتصام «ما بيدهم شيء سوى أحلامهم وطموحاتهم».

الشهيد السوداني مجتبى صلاح عند أحد متاريس الاعتصام، الموجود فى الوسط

وفي معمعة الفض أُصيبت فتاة وسقطت بجرحها على الأرض؛ ليتجه مجتبى نحوها لحمايتها ونقلها، كما يروي أصدقاؤه الذين كانوا معه في الاعتصام. والنجدة في هذه اللحظة تطوي كلفة الموت، فالتحرك في الاعتصام كان كمراقصة الرصاص. حملَ مجتبى الفتاة المصابة وخرجَ بها من الاعتصام وسلّمها لسيارة كانت تنقل الجرحى ليعود فورًا إلى مكانه، مخبرًا أخاه: «اعتصام شنو البفضوهو وفينا روح»، أيّ اعتصام سيفضونه ونحن أحياء؟

كفجأة الثورة فاجأت رصاصةٌ مجتبى فور عودته للمنطقة، «رصاصة غريبة ما عرفنا ما هي»، يقولُ أخوه: استقرّت الرصاصة في كليته اليسرى. وبنبرةٍ هادئة فاجأنا شقيقه: تطلب الأمر «40 دقيقة من لحظة الإصابة وحتى الاستشهاد». لم يمت مجتبى برصاصة مباشرة. لم يمت لحظةَ إصابته. حملَ الرصاصة في جسمه 40 دقيقة. أخذه رفاقه وهرعوا به إلى مستشفى الزيتونة، في الزاوية الأخرى من محيط الاعتصام الذي غادره مجتبى هائجًا بصوت الرصاص والجنود يصرخون:«مدنية ولا عسكرية؟».

ومع دخوله المستشفى تركه رفاقه وخرجوا هربًا من بطش قوات «الدعم السريع» التي طوّقت المستشفى واقتحمته: «حتى ما استطاعوا تسجيل اسمه مع المصابين. أدخلوه للمستشفى وخرجوا». وينقلُ أُبَيّ رواية طبيبة مناوبةٍ في المشفى، إذ رأت مجتبى منذ وصوله، وتنقلُ في شهادتها أنّ قوات «الدعم السريع» منعتهم كأطباء من معالجة المصابين القادمين من فضّ الاعتصام.

40 دقيقة بين الإصابة والاستشهاد، منها 20 على الأقل كانَ يمكنُ أن تحفظ حياة مجتبى، ذهبت هدرًا وقوات «الدعم السريع» تحرسُ الجرحى وتمنعهم من العلاج. تُوفي الشهيد وحيدًا ينادي «ألن تغني معي أغاني الحرية؟»، لم يكن معه أحدٌ من معارفه، وكان «يتلفتُ يمينًا ويسارًا وينظر فيمن حوله» حتى فارق الحياة، بنزيفٍ داخليّ سبّبته رصاصةٌ استقرّت داخل جسده في كُليَته اليسرى.

لم يصل الخبر إلا بصورةٍ نشرتها طبيبةً على حسابها في «تويتر» طالبةً من الناس نشرها ليتعرف عليه أقاربه. استشهد مجتبى، الذي كانت آخر قراراته، أو أحلامه، قبل أيامٍ من مقتله: أن يدخل الجيش السودانيّ الذي لم يحمه ولم يحمِ الناس في نظر مجتبى، وقرر أن يكون جزءًا منه ليحميَ المدنيين مستقبلًا.

مع انتشار خبر الفض، وقبيل انقطاع الإنترنت على نطاقٍ واسع، خرجَ كثير من الناس من بيوتهم للحارات ليتفقدوا الأوضاع، ويروي لنا شقيق مجتبى وصول خبر استشهاده: في الحي «جاء نحوي صديق لي وقال إن مجتبى مُصاب. في تلك اللحظات جاءني إحساس أنه استشهد، فسألته مباشرة: استشهد أم أُصيب؟» فأراه صديقه التغريدة التي تذكر استشهاد أخيه. وعلى الفور انطلقت العائلة للمستشفى حيث تعرفت هناك على الشهيد وأخذت جثمانه للتشريح.

صورة تعبيرية – لوحة سيارة مأخوذة من مركبة لقوات «الدعم السريع»، ولوح مكتوب عليه الدم قصاد الدم ما نقبل الدية- هتاف مشهور، ومصحف فوق اللوح مع قميص عليه دم مكتوب عليها «Sudan Roots»

مات وحيدًا لا يعرفُ أحدًا حوله ولا يعرفه أحد. وبعد وفاته بأيام تدخل البيت سيدة من أهل الحي تبيع الطعام في سوق قريب، وتسأل: أين مجتبى؟ «قالو ليها: المرحوم؟». جاءت لتتأكد من خبره، «مجتبى كان كثير التردد عندها. وحكت انه كان بيترك باقي الحساب ويتعلل بانو سيأتي المرة القادمة لأخذه». سألته قبل رحيله: لماذا تقضي كل هذا الوقت في الاعتصام، وجاوبها ببساطة: «عشان الزيك يا أمي ما يشتغل في السوق».

شاهد أيضاً

فيينا – جلسة عزاء فى وفاة المغفور له صلاح الكوش بمسجد الفتح

ببالغ الحزن والأسى والتسليم بقضاء الله وقدره تلقينا اليوم الجمعة مساءّ الموافق 18 من أكتوبر …