الدول الفاسدة والتمرد المسلح.. الصداقة السرية

يُشَكِّل الفساد تهديدًا كبيرًا في جميع أنحاء العالم، وأسهم في العديد من الأزمات التي مرت بها الاقتصادات والديمقراطيات على مدار العقد الماضي. وعندما تتدهور الديمقراطية فمن شبه المؤكد أن نتوقع زيادة معدلات الفساد بسبب تآكل الضوابط والتوازنات المؤسسية، واختلال استقلال المحاكم، وفرض قيود على المجتمع المدني، وانتهاك الحقوق السياسية للمواطنين، كما ورد في تقرير منظمة الشفافية الدولية الصادر بتاريخ السادس من مارس 2019.

بيدَ أن هناك أبعادًا مُهمَلة للفساد السياسي – كما يلفت الباحث دانييل كوفمان في تحليل نشره معهد بروكنجز – مثل: «الاستيلاء على الدولة»؛ إذ تقوم الشركات القوية (أو الأفراد ذوي النفوذ) باستغلال مؤسسات الدولة التنظيمية والسياسية والقانونية لمصلحتها الخاصة، ويتم ذلك عادةً من خلال الرشوة على المستويات العليا، أو ممارسة الضغط، أو استغلال النفوذ.

ثمة جوانب أخرى للفساد تحظى بالقليل من الاهتمام مثل: العلاقة بين الفساد والتمرد؛ حسبما يرصد تقرير أعده الباحثان ناريل جيلكريست ونورمان أيزن. فبينما حظيت العلاقة بين الفساد والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بنصيب وافر من النقاش، يشير بيتر كونز، المؤسس المشارك لمنظمة الشفافية الدولية ونائب رئيس مجلس الشفافية الدولية في ألمانيا، إلى أن النقاش حول تأثير الفساد على استقرار الدول أو هشاشتها لا يزال حديث عهدٍ بطاولات النقاش.

الفساد أكبر العقبات في طريق مكافحة التمرُّد

أظهر تحليل نشره معهد بروكنجز أن مستويات الفساد المرتفعة تزيد من وتيرة نشاطات التمرد التي يتعرض لها البلد. وقد تجسد هذا التأثير في ساحات القتال الرئيسة ضد التمرد المسلح، بما في ذلك أفغانستان، ونيجيريا، والعراق، وكينيا؛ مما أدى في بعض الأحيان إلى عرقلة الجهود لهزيمة التمرُّد.

وخلص تقرير أصدره مركز السياسة الدولية في سبتمبر 2018 إلى أن «الفساد هو أحد أهم العقبات التي تقف في طريق جهود الولايات المتحدة للتصدي للإرهاب في جميع أنحاء العالم»، بحسبه.

واعترف الجنرال جون ألين، القائد السابق لـ«القوة الدولية للمساعدة الأمنية (أيساف)» التابعة لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»، وللقوات الأمريكية في أفغانستان، في أبريل 2014 أمام اللجنة الفرعية لمجلس الشيوخ: «ركزنا اهتمامنا لفترة أطول من اللازم على طالبان فقط باعتبارها التهديد الوجودي لأفغانستان، لكنها تمثل مصدر إزعاج فقط مقارنة بنطاق الفساد وحجمه».

وفي تقرير نُشِر في سبتمبر 2017، أكد المفتش العام الأمريكي الخاص بعمليات إعادة إعمار أفغانستان تورط قوات الأمن والجيش الأفغانية في ممارسات فساد شملت تجارة المخدرات، والابتزاز، والرشوة، والاستيلاء على الأراضي وبيع المعدات التي توفرها الولايات المتحدة وحلف الناتو، وبيعها في بعض الأحيان للمتمردين؛ وهو ما أثر على جهود مكافحة التمرد.

وتؤكد الدراسة التي أجرتها منظمة الشفافية الدولية في المملكة المتحدة وألمانيا أن الفساد يعوق الاستقرار في دول ما بعد الصراع ويقوض السلام في جميع أنحاء العالم، وتشدد على وجود صلة قوية بين مخاطر الفساد والصراع العنيف، مستدلة بحالات أفغانستان وكوسوفو وغرب أفريقيا.

بل يذهب ماثيو بون (2009) إلى حد القول إن «للفساد إسهام حاسم وغير معترف به في الانتشار النووي. وباستثناء محتمل لكوريا الشمالية، كان الفساد عاملًا أساسيًا في جميع برامج الأسلحة النووية لكل الدول والجماعات المتمردة خلال العقدين الماضيين»، بحسب وصفه.

هكذا تفقد الجيوش وقوات الأمن فعاليتها

من السنة المالية 2002 إلى السنة المالية 2016، خصصت الولايات المتحدة حوالي 265 مليار دولار من المساعدات الأمنية الأمريكية لأكثر من 180 دولة، ركز مبلغ 125 مليار دولار منها على بناء قدرة القوات العسكرية وقوات الشرطة الأجنبية لمواجهة ما تسميه بـ«الإرهاب».

لكن ممارسات الفساد كانت في كثير من الأحيان عائقًا كبيرًا أمام الجهود المبذولة للحد من الجماعات المسلحة، وفي بعض الحالات ساهمت بالفعل في زيادتها. وفي العراق، ومالي، ونيجيريا، واليمن، كان الفساد هو السبب الرئيس وراء عدم تمكن القوات العسكرية والأمنية المدعومة من الولايات المتحدة من الاستجابة بفعالية للتهديدات التي يشكلها المتمردون، كما يؤكد التقرير الذي أعده كولبي جودمان وكريستينا أرابيا.

ووفقًا لتقرير صادر عن «منظمة الشفافية الدولية» تسبب الفساد في أحد أكبر الهزائم المذهلة في القرن الحادي والعشرين: استطاع 1300 مقاتل فقط من «تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)» في مدينة الموصل شمال العراق تشتيت 25 ألف جندي وشرطي عراقي في يونيو 2014.

وبدلًا عن إنشاء جيش يضم مختلف شرائح السكان، سعى رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى «تعزيز سيطرته على المؤسسات السياسية والعسكرية العراقية؛ من خلال تعيين مسؤولين موالين له. وكان كثير من هؤلاء القادة العسكريين مهتمين بـجمع ثرواتهم الشخصية من خلال ممارسات فاسدة، بما في ذلك اختلاس الموارد العامة وابتزاز من هم تحت قيادتهم، أكثر من اهتمامهم بالحفاظ على قوة قتالية فعالة وتقييم الاستخبارات بدقة».

نتيجة لذلك عجز الجيش العراقي وقوات الأمن عن الدفاع عن مواطنيها في الموصل، وتحولت أسلحة ومعدات أمريكية تبلغ قيمتها ملايين الدولارات إلى السوداء، أو انتهى بها المطاف في أيدي «تنظيم الدولة».

الفساد في قطاع الدفاع.. كيف إذا كان رب البيت بالدف ضاربٌ

حين ينخر سوس الفساد في قطاع الدفاع، تعاني الديمقراطية والأمن البشري، وتزدهر الجريمة المنظمة وعدم الاستقرار، ويُعاد توجيه الموارد العامة أو تُسرَق، وفي نهاية المطاف تصبح القوات المسلحة غير فعالة، كما رصدت منظمة الشفافية الدولية.

بسبب هذه العوامل يؤكد تقرير مركز السياسة الدولية فيما يشبه التحذير لخطط الولايات المتحدة أن أمريكا ستواجه عقبات في العثور على أفراد عسكريين مؤهلين ومتحمسين لقيادة مهام مكافحة التمرد في أفغانستان وبوروندي والكاميرون وتشاد ومصر.

في جميع هذه البلدان، كانت هناك مستويات عالية من المحسوبية في عملية التجنيد والترقية العسكرية بالإضافة إلى نوعين، أو ثلاثة أنواع أخرى من أنشطة الفساد في قطاع الدفاع.

هناك أيضًا مخاطر التشرذم داخل المؤسسات الحكومية، واستيلاء النخبة على بعض وظائف الدولة، والانقلابات العسكرية الماضية، واتهامات التورط في انتهاكات حقوق الإنسان. ويعد الفساد في قطاع الدفاع محركًا كبيرًا للانقسامات بين الفصائل في الجيش، وقوات الأمن، التي يمكن أن تغذي التمرد، والانقلابات العسكرية، وتضعف الروح المعنوية، وتحد من فعالية العمليات المعقدة.

وتشير التقارير إلى أن بعض الجيوش الشريكة في مكافحة التمرد كانت تشارك أيضًا في أنشطة التهريب والرشوة على نطاق واسع. هذا المزيج من الممارسات الفاسدة يمكن أن يؤدي إلى مخاطر واضحة لجهود تعزيز أمن الحدود؛ حيث يقبل بعض الجنود من ذوي الرتب المنخفضة الرشاوى للسماح للمقاتلين بتهريب الأموال والأشخاص والسلع عبر الحدود. ويرجح التقرير أن يستمر الفساد في تغذية الجماعات المتمردة العنيفة، بينما تغذي الجماعات المتمردة الفساد داخل الحكومات للمساعدة في تمويل أنشطتها، واستغلال المظالم الشعبية في استقطاب الأعضاء.

وتسعى بعض الجماعات المتمردة في بنجلاديش لاستغلال الاستياء في صفوف بعض الجنود الذين يشعرون بأنهم مهمشون. ويحدث المثل في الرسائل الترويجية للجماعات المتمردة الهادفة إلى تجنيد الأفراد في أفغانستان، والعراق، وليبيا، ومالي، ونيجيريا، والصومال.

تمويل التمرُّد من خزائن الفساد.. كينيا ليست بِدْعًا من الدول

لتوضيح الطرق التي يمكن أن يؤثر بها الفساد في حملة مكافحة التمرد وتشويهها، يستعرض ناريل جيلكريست ونورمان أيزن حالة كينيا، وهي متلقٍ رئيس لمساعدات «مكافحة الإرهاب» الأمريكية، لكنها تعاني من فساد شديد، بحسب بيانات منظمة الشفافية الدولية.

والنتيجة: أدى انتشار الفساد إلى جعل الجهود الكينية لمكافحة التمرد والتي تمولها الولايات المتحدة غير فعالة، وفشلت مرارًا وتكرارًا. إذ يعزز الفساد التمرُّد من خلال تقويض تدابير المكافحة وتزويد المتمردين بالتمويل والتحفيز، ويتيح لهم إمكانية الوصول إلى أهدافهم عن طريق رشوة رجال الأمن.

بل إن الضباط في قوات الدفاع الكينية المكلفين بقتال حركة الشباب في الصومال كانوا في الماضي يتعاونون معهم لتهريب السكر عبر الحدود؛ مما وفر 200 مليون دولار على الأقل لتمويل الحركة، بحسب تقرير نشرته دورية الإيكونوميست البريطانية في 23 نوفمبر 2015.

وفي حالات أخرى كان ضباط الشرطة الكينية يحتجزون أموال الكينيين الصوماليين الأبرياء، أو يبتزونهم بذريعة أنهم متعاطفون مع الشباب، وهي الانتهاكات التي تسهم في خلق دافع (على الأقل جزئيًا) للانضمام إلى صفوف المتمردين.

مخاطر الفساد على الأمن الدولي

يساهم الفساد في مخاطر أخرى على الأمن الدولي، مثل: العلاقات التعاضدية بين الدول وشبكات الجريمة المنظّمة العابرة للحدود القومية، والتسهيلات التي تقدّم إلى المنظمات المتمردة، ونظم الأمن الدولية القابلة للاختراق، والاضطرابات الاقتصادية الحادّة، وفق البيانات التي جمعتها دراسة نشرها مركز كارنيجي للشرق الأوسط في السادس من يونيو 2014.

ولا يؤجّج الفساد هذه التهديدات فقط، بل يتضافر مع عوامل خطر أخرى – مثل: الخلافات العرقية، أو الدينية، أو اللغوية، لدى قطاع معيّن من السكان، أو التفاوت الاقتصادي الحادّ – لزيادة احتمال حدوث تحدّيات أمنية.

وغالبًا ما يرتبط الفساد واسع النطاق الذي تديره الحكومة بصناعات النفط والغاز والصناعات الاستخراجية الأخرى، وهي ظاهرة تُعرف باسم «لعنة الموارد»، حسب تقرير جاي برانيجان في مركز لوجار.

وتكشف دراسة المؤشّرات الشهيرة التي تقتفي أثر الفساد من جهة والعنف أو عدم الاستقرار من جهة أخرى عن تطابق واضح. فالبلدان التي تتميّز بالفساد الشديد تعاني أيضًا من الصراع أو فشل الدولة، وهناك 12 من البلدان الـ15 التي تحتل المراتب الأدنى على مؤشر مدركات الفساد لعام 2013 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، على سبيل المثال، تعتبر مسرحًا لحركات التمرد وتؤوي جماعات متطرّفة، أو تشكل تهديدات خطيرة أخرى على الأمن الدولي.

بالرغم من ذلك «يصعب على واضعي السياسات ومسؤولي الأمن القومي في كثير من الأحيان استيعاب العلاقات بين الفساد المستشري، الذي غالبًا ما تكون غير مرئي، والعواقب الحقيقية لهذا الفساد»، على حد قول سارة تشايس، وهي مستشارة عسكرية أمريكية سابقة في أفغانستان ومؤلفة كتاب «لصوص الدولة: لماذا يهدد الفساد الأمن العالمي».

وتضيف المستشارة العسكرية الأمريكية: «التطرف الديني هو رد فعل على الفساد الذي يعاني منه الناس. لقد بدأت سوريا كثورة ضد الفساد. والهجرة هي ببساطة ناتجة عن أشخاص يفرون من عواقب الفساد النظامي».

لذلك يرى مركز لوجار أن أهم خطوة لمعالجة هذه الإشكالية ربما تكون جعل السياسيين وصناع السياسات يضعون الفساد العالمي على رأس قائمة أولوياتهم بسبب تهديده للأمن القومي، وبذل الجهد السياسي لإحداث تغيير حقيقي.

شاهد أيضاً

وقف الشيخوخة والعودة إلى الشباب.. هل هذا ممكن؟

عكس عمل الخلايا البشرية والحفاظ على الشباب الدائم، هل هذا ممكن؟ قد يبدو هذا حلما …