الثلاثاء , 4 أغسطس 2020

القوة الناعمة

د هادي التونسي –  طبيب وسفير سابق —-

هل مر شريط حياتك بإحدى هذه المحطات ؛ والد صارم لا يقبل النقاش ، والدة تخنقك بحبها الجارف المتملك ، مدرس يعتقلك فى نظام حديدي ، مرشد أو رجل دين يرى فى كل خروج عن تفسيراته حراما أوتهلكة ، مدير عصبي قاسى يريدك خائفا ممتثلا لأوامره ، شريك حياة لا تستقيم علاقة معه  الا لو قبلته متسلطا غيورا وربما متلصصا ، قائد دولة يلهيك عن دكتاتوريته وطموحاتك بالمغامرات العسكرية المقنعة بتبريرات وطنية ؟ 0

 هى ممارسات القوة الخشنة على الغير التى تمنح صاحبها شعورا بالسيطرة أو الثقة الظاهرية أو الأمان أوالنجاح أو الزهو و العظمة  ، وهى ممارسات تورث التوتر والصراعات  ، ولا توفر ضمانا لاستمرار فاعليتها 0 النجاح فيها على حساب الغير ، ينتج ضحايا يحلمون بالانتقام أوبتكرار التجربة  مع غيرهم فى الأسرة أو العمل أو الشارع بشرط أن يكونوا هم الجناة على ضحايا آخرين ، سيكون عليهم أن يقبلوا نفس مشاعر القهر والخوف فى تلك الدائرة المفرغة 0

لكن ماذا عن ” الطرف الأقوى ” ؟ وهل تخفى القوة الغاشمة خوفا من الفشل أو توترا و قلقا أو قلة حيلة وتناقضات داخلية أو عجزا عن فهم النفس والآخرين أو الافتقار لاحترام كرامة ومشاعر وحرية الغير  ؟ وهل تكفل بافتراض فاعليتها سلاما أو سكينة للفرد ؟ وكيف يقوم مجتمع على سيادة القوة دون تضامن ، دون قواعد، دون حقوق ، دون محبة واحترام وتسامح وحرية وسلام ؟

قد تكون شعرت فى محطات حياتك بكراهية أو نفور من تلك الأمثلة  ، ولكن هؤلاء قد يكونوا بدورهم ضحايا لاخرين فى تجارب مسيرتهم  ، دون أن يستوعبوا الدرس أو تنضجهم المعاناة  ، فجعلوا تبادل الأدوار لاحقا تعويضا عن كرامة وحرية افتقدوها بعد أن داستها أقدام القهر  والجهل أو الظلم والهوان  أو الخوف و اليأس  ، وكأنهم لاينتصرون لمعني أو لقيمة بل لطموحات شخصية ضيقة ، يرضون ان تحققت  ، وينقلبون على أنفسهم ان أفشلها آخرون 0

هل دار بخلد ” الجناة ” أن السيطرة على الآخر بديل للسيطرة على متناقضات النفس وسلبياتها  ودليل على ضعف الثقة والافتقار للصدق مع النفس والآخر ولاحترام قيم الحرية والكرامة  ؟ وهل يستطيع الجانى أن يحلم بأن يمتلك يوما ما قوة منبعها الفطرة الصافية  والمنطق المتماسك  وسيادة العقل والقيم الأصيلة النابعة من الذات والمشاعر الصادقة واحترام الحرية والكرامة  والقانون والحقوق ؟  ؛ حين يحقق صفاء النفس  سلام المجتمع  وأهداف الفرد  ، حين تكون القدوة محرك النجاح والتقدم والسعادة  ، حين يؤدى التجرد والصدق الى شمول الرؤية والانتصار للمعنى  ، حين تكفل المعاملات مصالح الكل الحقيقية  ، حين يقود فهم حقيقة النفس  والآخرين الى عمق الاخوة  والاحترام والتضامن  و محبة الكل فى واحد  0

 تلك هى القوة الناعمة  ، فهل نريدها لانفسنا  ؟ وهل تستحق مخاطر التجربة  ؟ وهل نمتلك الايمان بنبل الهدف  والأمل والمثابرة لتحقيقه  ؟0

 الاجابة هى اختيارك  وعلى مسؤليتك

  طبيب وسفير سابق د هادي التونسي

شاهد أيضاً

تخفيض أسعار اختبار فيروس كورونا فى مطار فيينا من 190 إلى 120 إيرو

نشرت صحيفة الكورير النمساوية اليوم الأثنين الموافق 3 من أغسطس 2020 ، أن سلطات مطار …