تعرف على جيش تيراكوتا الصيني المدفون مع الإمبراطور الأول لحمايته!

حوالي 8 آلاف جندي صيني بسلاحهم، لا يشبه واحدٌ فيهم الآخر، كلّ هذا لحماية الإمبراطور الميّت! ماذا بعد في هذا الاكتشاف الأثري الذي اكتشفه فلاحون عام 1974

في ضريحٍ قُربَ جبلٍ مقدّس شمال شرقي الصين، تقف جحافل من المحاربين متأهبةً للحرب. وبعيون مسلطة نحو الشرق وفي صفوفٍ منظَّمةٍ بدقةٍ عسكريةٍ متناهية، يقف هؤلاء الجنود الجادون في أماكنهم منذ ألفي عام يحرسون مثوى الإمبراطور الصيني الأول تشين شي هوانغ.

وتُعرَف تماثيل هؤلاء الحرَّاس- وهم بالحجم الطبيعي- باسم “جيش تيراكوتا”، بسبب مزيج الطين الحراري المصنوع منه كل تمثال. وقد اكتشف مزارعون يحفرون في حقل موقع هذا الجيش الطيني في عام 1974، وأبلغوا السلطات التي بدأت استخراجه وترميمه.

وهكذا أصبح إحدى أشهر عجائب الصين اليوم، يلي في ذلك سور الصين العظيم مباشرةً، وفقاً لما ذكرته مجلة Discover الأمريكية.

وبالطبع يأسر منظر تلك القوة المحاربة الأبدية العيون، فليس هناك جندي يشبه الآخر في تلك التماثيل.

لكنّ المبهر أيضاً بشأن جيش تيراكوتا هو ما يمثله؛ وهو كفاح آلاف العمال لبناء المقبرة التي يقف فيها المحاربون، ومشاركة اقتصادٍ بالكامل من حرفيين وورش في صنع آلاف التماثيل التي يتألف منها هذا الجيش.

جيش تيراكوتا 

وكانت النتيجة تحفةً فنية استثنائية، وصورةً مثالية عن قوةٍ حربية من الصين القديمة مُسلَّحة وجاهزة للمعركة. وربما لن نجد أي مكان آخر يمنحنا مثل هذه اللمحة التاريخية؛ فهو شهادة على مدى السلطة والثراء اللذين تمتع بهما إمبراطور الصين الأول، وهو الرجل الذي بُنِيَ له هذا الموقع.

تشين شي هوانغ.. إمبراطور الصين الأوّل

كانت الصين تحت حكم سلالة زو لقرابة ألف عام، فقد استمرّ حكمهم من عام 1122 ق.م. إلى عام 256 ق.م. وتعتبر أطول سلالة حكمت الصين. وفي أواخر عهدها أصبحت دولةً ضعيفة متآكلة. وأصبحت السلطة متنازعاً عليها بين سبع ولايات متحاربة.

وهكذا ظلّ الأمر لفترة طويلة متنازعاً عليه بين تلك الممالك السبع، أو الدويلات، حتّى بدأت حروب تشين للتوحيد. وهي سلسلة حروب قادها ملك مملكة تشين “أو جين” في الغرب الصيني، وخلال هذه الحروب التي استمرّت قرابة عشر سنوات، استطاع قائد مملكة تشين واسمه “ينغ زينغ” توحيد هذه الممالك تحت سلطته المطلقة، وأعلن نفسه الإمبراطور الأوّل للصين الموحّدة، تحت اسم “تشين شي هوانغ”.

وهكذا كان تشين شي هوانغ ملكاً لمملكة تشين من سنة 246 ق.م وحتّى إعلانه توحيد الممالك السبع عام 221 ق.م، وأصبح إمبراطوراً لكامل الصين منذ 221 ق.م وحتّى وفاته عام 210 ق.م. وهكذا كان إجمالي سنين حكم تشين شي هوانغ 36 عاماً.

وما إن أعلن نفسه إمبراطوراً حتّى بدأ في تطوير البلاد، ومن ضمن هذا التطوير أنّه أكمل بناء سور الصين العظيم، ليحمي بلاده من هجمات القبائل التترية والمغولية القادمة من الشمال والشمال الغربي.

تشين شي هوانغ.. أول إمبراطور للصين

ويبدو أنّ تشين شي هوانغ بدأ يشعر بالزهو بما حقّقه، وآمن بالخلود، ولهذا بدأ في بناء جيش تيراكوتا، وهكذا حين وفاة هذا الإمبراطور، الذي يعتبر إمبراطور الصين الأول، كان قد ترك للعالم هذا الجيش المثير للاتباه وسور الصين العظيم، إضافةً إلى مجموعة قوانين نظّمت شكل الإمبراطورية التي بناها.

ولكنّ الأمر لم يأتِ على هوا تشين شي هوانغ، فلم تستمرّ سلالته أكثر من 15 عاماً، إذ كان ابنه ووريثه ضعيفاً، وبدأت الممالك التي ضمها بالقوة في الانفصال، إلى أن انتهت سلالته بعد وفاته بسنوات قليلة، لتبرز بعدها سلالة هان على يد الإمبراطور غاوزو.

عودة إلى جيش الطين

أمّا جيش تيراكوتا فيُعتقَد أنَّه يضم نحو 7000 جندي، بالإضافة إلى تماثيل فنانين وموسيقيين ومسؤولين وغيرهم.

يُصوِّب الجميع أنظارهم باتجاه الشرق نحو الأراضي المُحتلَّة من إمبراطورية تشين، ربما لصد الغزاة المحتملين بعد وفاة الإمبراطور. كما جُهِّز الجيش، بأسلحة حقيقية مصنوعة من البرونز، بالإضافة إلى عربات ومئات الخيول المصنوعة من الطين المحروق (التيراكوتا).

وقد استُخرِج من القبر حوالي 40 ألف رأس سهم، بالإضافة إلى سيوفٍ برونزية ورماحٍ وفؤوس قتال وأقواس ونِشاب ودروع وغيرها.

وعُثِر على الأسلحة محفوظةً في حالةٍ جيدة؛ مما دفع بعض الباحثين إلى التكهُن بأنَّ الحرفيين في الصين القديمة اكتشفوا طلاءً معدنياً خاصاً للحفاظ على أدواتهم على مر العصور.

واستندت هذه التخمينات إلى آثار عنصر الكروم- الموجود أيضاً في الفولاذ المُقاوِم للصدأ- الموجود في الأسلحة البرونزية. لكن الأبحاث الحديثة نفت صحة هذه النظرية. ويعتقد العلماء الآن أنَّ الكروم جاء على الأرجح من طلاء التماثيل بالورنيش، وحُفِظَت الأسلحة بفضل التربة القلوية الفريدة.

وتختلف أشكال التماثيل في أحجامها ولباسها، إذ تجد الضباط أطول وأعلى تجهيزاً من المشاة العاديين، ويكتسون بمجموعاتٍ من الدروع وشارات الرتب العسكرية. ويختلف وجه كل جندي عن الآخر؛ مما يضفي على المحاربين لمسةً أخرى من الواقعية.

ويبدو أنّ تماثيل الجنود كانت مُزيَّنة في الأصل بلوحةٍ غنيةٍ من الألوان بما في ذلك الأبيض والأحمر والأخضر والأزرق والأسود، على الرغم من أنَّ طلاءها قد تلاشى منذ ذلك الحين.

وتُشكِّل تماثيل المحاربين جزءاً من مُجمَّع ضريحٍ أكبر بكثير يمتد على مساحة تزيد عن 20 ميلاً مربعاً (32 كيلومتراً). وإلى جانب جيشه، تحتوي مقبرة تشين شي هوانغ على عرباتٍ برونزية وتماثيل موسيقيين من الطين وأنهارٍ صناعية تعجُّ بالطيور البرونزية.

ويقال إنَّ الأنهار كانت تتدفق ذات مرة بالزئبق السائل، وهو تأكيد تدعمه مستويات الزئبق المرتفعة في التربة القريبة. ولم يُفتَح قبر الإمبراطور نفسه، الذي تميزه تلة ترابية كبيرة، خوفاً من تعرُّض المحتويات للتلف بسبب التعرض للهواء.

وقد عُثِر على المحاربين في مجموعة من الحُفَر تقع شرق مُجمَّع الدفن الرئيسي. وتحتوي الحفرة الأكبر على ما يُقدَّر بنحو 6000 جندي (لم يُنقَّب عن بعضهم بعد حتّى الآن) منظمين في مجموعاتٍ دقيقة تضم مشاة ورمُاة أسهم وقائدي عربات حربية ورُماة نِشاب، يشرف عليها الضباط.

وتحتوي الحفرة الثانية على قوةٍ أصغر من سلاح الفرسان وجنودٍ آخرين، بينما تحتوي الحفرة الثالثة على وحدة قيادة مكونة من 68 ضابطاً رفيع المستوى.

وعندما بدأ علماء الآثار في الكشف عن محاربي وجيش التيراكوتا لأول مرة، كان من الواضح أنَّ بعض الكوارث قد حلَّت بهم منذ فترة طويلة. إذ تحطَّمت العديد من التماثيل، وظهرت آثار حريقٍ في القبر.

أحد مقاتلي جيش تيراكوتا

ويُنسَب هذا الدمار عادةً إلى شيانغ يو، أحد أمراء الحرب الذين تنافسوا على العرش بعد وفاة تشين شي هوانغ. ويُقَال إنه ورجاله نهبوا قبر الإمبراطور، بما في ذلك الأسلحة الموجودة بداخله، وتركوه يحترق. ونتيجة لذلك، عُثِر على تماثيل المحاربين مُهشَّمة في التراب في انتظار عملية ترميم مُضنِية من علماء الآثار.

30 عاماً لبناء جيش تيراكوتا

استغرق بناء قبر الإمبراطور، والتماثيل التي تملؤه، أكثر من ثلاثة عقود بين عامي 246 و210 ق.م، حين توفي الإمبراطور تشين شي هوانغ.

وتشير بعض التقديرات التاريخية إلى أنَّ عدد العمال المشاركين في البناء بلغ نحو 700 ألف عامل، على الرغم من أنَّ التقديرات الأكثر حداثةً توحي بأنَّ العملية قد تنطوي على عددٍ أقل بكثير من ذلك.

تذكر السجلات التاريخية أيضاً أنَّ الإمبراطور أنشأ مدينةً بأكملها، تسمى ليوي، لإيواء العمال الذين يبنون قبره، وبعضهم لم يغادرها قط. وتضمُّ مقبرةً بالقرب من الموقع رفات عمَّالٍ ماتوا إما أثناء أعمال البناء الشاقة، أو قُتِلوا بعد ذلك بوقتٍ قصير.

وكانت عملية إنشاء جيش الطين نفسه قد تضمَّنت قدراً كبيراً من التنظيم والدقة الصناعية أيضاً. فقد نُظِم العمال على الأرجح في ما يسمى بالخلايا التي كانت مسؤولة عن عدد من الخطوات المختلفة في العملية، على عكس ترتيب الإنتاج الشبيه بخط التجميع. وفق ما ذكرت مجلة Discover الأمريكية.

وعلى الرغم من عدم العثور على دليل على وجود وِرَش بالقرب من القبر، يبدو من غير المحتمل أنَّ تماثيل المحاربين صُنِّعَت على مسافة بعيدة؛ نظراً للصعوبات اللوجستية لنقل أكثر من 7000 شكل ثقيل قابل للكسر لمسافاتٍ طويلة.

ومُزِج الطين نفسه بعناية، على الأرجَّح بأيدي فريق متخصص من العمال. وتشير تحليلات العينات المأخوذة من المقبرة إلى استخدام تركيبات مختلفة من الطين لأغراضٍ مختلفة: على سبيل المثال، أضيف رمل إلى الطين المُستخدَّم لصناعة تماثيل المحاربين، وربما استُخدِم للتحكم في مدى لزوجته. وبمجرد تشكيلها، وُضِعَت التماثيل في أفران لإكسابها صلابة.

وصُنِع المحاربون باستخدام عددٍ من القوالب المعيارية للرؤوس والأطراف وغير ذلك، ثم جُمِعَت هذه المكونات لاحقاً قبل إضافة ملامح الوجه والورنيش. وبالمثل، يبدو أنَّ الأسلحة أُنتِجَت بكمياتٍ كبيرة في متاجر متخصصة. على سبيل المثال، نُقِش على جميع الرماح والمطارد سنة صنعها، واسم المسؤول عن إنتاجها، والورشة والعامل الذي صنعها.

وامتدت أعمال إنشاء آلاف التماثيل بالحجم الطبيعي وتركيبها على أرض مقبرةٍ ضخمة لعقودٍ من الزمن. كما قدَّم العديد من العمال أرواحهم ليخرج هذا الجيش غير المتحرِّك إلى “الحياة”، وضخ الإمبراطور مبالغ كبيرة من خزائنه الضخمة إلى المشروع. لكن بالنظر إلى ما حققه تشين شي هوانغ، في حياته بأن أصبح أول إمبراطور صيني، فإنَّ هذا المشروع منطقي.

وسيطرت فكرة الموت الوشيك بقوة على الإمبراطور، ويُشاَع أنه مات نتيجة لشرب ما يُفترَض أنه إكسير الحياة الذي تبيَّن أنه يحتوي على الزئبق السام. وفي مواجهة أجله المحتوم، ربما استمد الراحة من فكرة جيشه الخالد الذي ينتظره.

شاهد أيضاً

الحكومة النمساوية تحدد من لهم الأولوية فى تطعيم لقاح كورونا المرتقب

وسط سباق محموم من قبل المعاهد البحثية، وشركات الادوية العالمية، توالت فجأة الأخبار المبشرة، بلقاحات …