1020C454FEBC5F6C3C48280AF3870CE3

مقال – لماذا تتحرك القطع البيضاء أولًا في لعبة الشطرنج؟ هل هذا الفعل عنصرية؟

في ضوء الأحداث الأخيرة التي يمر بها العالم والتي تعج بالمشاعر العنصرية ومحاولة إخمادها والتغلب عليها، كتب دايم شباز، أستاذ مشارك في مجال الأعمال الدولية بجامعة فلوريدا الزراعية والميكانيكية وصحافي الشطرنج، مقالًا نشره موقع «ذا كونفرسيشن» الأسترالي حول السبب الذي يقف وراء أن الحركة الأولى في لعبة الشطرنج تكون للاعب صاحب القِطَع البيضاء، وما إذا كان لذلك أي ارتباط بتوجه عنصري ترسَّخ في اللعبة منذ أمَدٍ بعيد.

ويقول المحرر إن الاحتجاجات الأخيرة المُناهِضة للعنصرية أدَّت إلى إعادة إحياء نقاش طويل الأمد حول ما إذا كان الشطرنج يعزز امتياز البيض من خلال قاعدة أن الحركة الأولى دائمًا من حق اللاعب صاحب القِطَع البيضاء. وفي هذه الأسئلة والأجوبة يقدم شباز نظرة ثاقبة حول ما إذا كان هناك أي وجود لفكرة أن الهدف من هذه القاعدة هو دعم امتياز البيض.

مَنْ الذي قرر أن اللون الأبيض في الشطرنج يجب أن يبدأ أولًا؟

طرح يوهان لوفينثال، الأستاذ البريطاني في لعبة الشطرنج، أحد المقترحات الأولى المسجلة لإعطاء الأبيض الحركة الأولى الإلزامية. وفي أول مؤتمر أمريكي للشطرنج، والذي عُقِد في نيويورك عام 1857، أرسل لوفينثال رسالتين إلى سكرتير نادي نيويورك للشطرنج، فريدريك بيرين.

وفي الصفحة 84 من محضر جلسة المؤتمر هناك إشارة إلى إحدى الرسائل من خلال الاستشهاد «باستصواب فكرة إعطاء الحركة الأولى دائمًا في الألعاب المنشورة للاعب صاحب القِطَع البيضاء…». ولم تُعتَمد هذه القاعدة على الفور، وحافظ منظمو البطولة على المرونة فيما يتعلق بالخطوة الأولى. وفي المؤتمر الأمريكي الخامس للشطرنج عام 1880 كُتِب في الصفحة 164 من قوانين لعبة الشطرنج: «يجب تحديد حق الحركة الأولى بالقرعة. ويجب أن يلعب اللاعب (الذي فاز بالقرعة) دائمًا بالقِطَع البيضاء».

وكرر ويلهايم شتاينتز، بطل العالم الأول، هذه الفكرة في كتابه الصادر عام 1889 تحت عنوان: مدرب الشطرنج الحديث (The Modern Chess Instructor)، حيث كتب في الصفحة الثانية عشرة: «يُجرِي اللاعبون القرعة من أجل الحركة واختيار اللون. غير أنه في جميع المباريات والبطولات الدولية والعامة في الشطرنج، فإن القاعدة هي أن أول حركة تكون لصاحب القِطَع البيضاء».

وبذلك كان هناك إجماع متزايد على أن الأبيض يجب أن يتحرك أولًا.

هل كان هذا القرار متجذرًا في العنصرية؟

ينفي الكاتب عِلْمه بأي دليل مباشر على ذلك. غير أن لاعبي الشطرنج لم يكونوا جزءًا من طبقة المثقفين فحسب، بل كانوا أيضًا من رجال عصرهم البارزين. وفي الصفحة العاشرة من محضر جلسة المؤتمر الأمريكي السادس للشطرنج في عام 1889، أشاد شتاينتز بشاعرية بفضائل الشطرنج باعتباره من بين «سبُل التسلية الفكرية للأمم المتحضرة». وكان الأوروبيون عمومًا في هذا الوقت لم يَعدُّوا أفريقيا موئلًا للحضارة. على سبيل المثال، قبل ذلك التاريخ بخمس سنوات وفي مؤتمر برلين لعام 1884، بدأ الأوروبيون في تنفيذ خطتهم الاستعمارية و«استهداف تعليم السكان الأصليين وجلب بركات الحضارة إليهم».

علاوةً على ذلك، في القرن التاسع عشر كانت هناك حقبة مروِّعة من السخرية من السود وتجريدهم من إنسانيتهم من خلال الرسوم الكاريكاتورية الكوميدية المُعتِمة. وكان هناك تصور بأن الأبيض يرتبط بكل ما هو إيجابي، أما الأسود فيرتبط بكل ما هو سلبي. وتُظهر أبحاث العلوم الاجتماعية الحديثة أن هذا التصور ما زال قائمًا حتى الآن.

هل تعطي القاعدة ميزة للأبيض؟

يرى الكاتب أن لاعبي الشطرنج، بما في ذلك الأساتذة الكبار، يبالغون في ميزة إعطاء الحركة الأولى للأبيض. وصرح الأستاذ الروسي الكبير يفجيني سفيشنيكوف في عام 1994 أن اللاعب يجب أن يفوز عندما يلعب بالقِطَع ذات اللون الأبيض وأن يكون قانعًا بالتعادل عندما يلعب بالقِطَع ذات اللون الأسود.

وفي وقت مبكر يعود إلى عام 1939، ادَّعى الأستاذ الأمريكي ويفر آدامز أن الأبيض يفوز بعد الخطوة الأولى، على الأقل عندما تتمثل تلك الخطوة الأولى في نقل البيدق إلى مربع e4 – أي المربع الواقع بعد ثلاث مربعات أمام الملك الأبيض. ولكن انتهى به الأمر إلى خسارة مباراة أمام آي. هورويتز، الذي أراد إثبات خطأ هذه النظرية من خلال اختيار اللون الأسود في كل مباراة يلعبها.

ومنذ عام 1475 بلغت نسبة فوز الأبيض الإجمالية حوالي 55٪ فيما يقرب من مليون لعبة. ويتضمن هذا النسبة المئوية من إجمالي الانتصارات بالإضافة إلى نصف النسبة المئوية للمباريات التي انتهت بالتعادل. فهل تعود هذه النتيجة إلى الحركة الأولى نفسها؟ بدا أن شتاينتز يشير إلى غير ذلك عندما ذكر في الصفحة الثانية والثلاثين من كتابه الكلاسيكي مدرب الشطرنج الحديث: «من خلال اللعب الجيد على كلا الجانبين، يجب أن يكون التعادل هو النتيجة المشروعة».

كيف ستتغير الأمور إذا تحركت القِطَع السوداء أولًا؟

يشير الكاتب إلى أنه في عام 2019، روَّج ماجنوس كارلسن وأنيش جيري – اللذان كانا في يوليو (تموز) اللاعبان رقم 1 ورقم 10 في العالم على الترتيب – لحملة «الحركة من أجل المساواة – MoveforEquality#» باعتبارها وسيلة للاعتراف بانعدام المساواة الاجتماعية. وفي مباراتهما تحرك الأسود أولًا وكان العنوان: «كسرنا قاعدة في الشطرنج اليوم، لكي نغير الآراء غدًا». ووُصِفت هذه الحركة بأنها بيان مناهض للعنصرية، لكن البعض عدَّها اقتراحًا لتغيير قواعد الشطرنج لإعطاء الخطوة الأولى للقِطَع السوداء.

وإذا تحرَّكت القِطَع ذات اللون الأسود أولًا، فسيستغرق الأمر بعض الوقت لكي يتعود اللاعبون على ذلك لأنهم اعتادوا على أن تكون الحركة الأولى للقِطَع ذات اللون الأبيض. وسيكون هذا صحيحًا على نحو خاص بالنسبة للحركات الافتتاحية، حيث يصطف جيوش الشطرنج البيضاء والسوداء على نحو مختلف قليلًا. على سبيل المثال، في القِطَع البيضاء يكون الملك على الجانب الأيسر من رقعة الشطرنج وفي القطع السوداء يكون الملك على الجانب الأيمن منها.

وكما هو معمول به الآن، يتحرك اللون الأبيض دائمًا أولًا. ويرى البعض أن هذا مشابه للامتيازات العِرقية في المجتمع. وأجْرَت الراحلة فرانسيس كريس ويلسينج، وهي طبيبة نفسية، محاكاة في لعبة الشطرنج في مقالتها «نظرية كريس في مواجهة الألوان»، مشيرة إلى أن نفسية الأبيض الذي يتحرك أولًا كان بمثابة المعتدي الطبيعي على القوى السوداء.

ومن الناحية الاجتماعية، سيكون الحل المثالي هو منح كلا اللونين فرصة التحرك أولًا بنسبة 50٪ لكل منهما. وهكذا كان الأمر في الشطرنج القديم، الذي سبق شطرنج العصر الحديث. وبدلًا عن اختيار اللاعب الذي يحصل على اللون المفضل، فإن شيئًا مثل قرعة العملة سيحدد اللون الذي يجب أن يتحرك أولًا. وبالطبع سيكون هذا نوعًا من «تكافؤ الفرص» ولكن سينتج عنه نهج مختلف تمامًا في لعبة الشطرنج.

ما هي الآثار النفسية لتحرك اللون الأبيض أولًا؟

هناك عديد من العوامل النفسية التي يتعين أخذها في الاعتبار. يتعلم المبتدئ في لعبة الشطرنج قوة «الأبيض أولًا» بسرعة كبيرة. ويرى أن الخصم سيُفضل القِطَع البيضاء إذا مُنِح متعة الاختيار. إنه يشعر بإحساس التمكين حتى عندما يلعب مع خصم أقوى. ولهذا السبب قد يكون اللاعب الذي يلعب باللون الأبيض أكثر حماسًا للفوز. وعلى العكس من ذلك، اعتدنا على الاعتقاد بأن الأسود يجب أن يكون قانعًا بتحقيق التعادل.

وفكرة أن الأسود في منزلة أدنى من الأبيض قد تعززت بعدة طرق. إذ ركَّزت كتب الشطرنج المبكرة على كيفية استغلال ميزة الأبيض على الأسود. وكانت هذه محاولة لإظهار قوة امتياز الحركة الأولى.

وعندما ينظر المرء في كتب الشطرنج، يجد أن الخطط تُوضع بوجه عام من منظور الجيش الأبيض. وينطبق هذا أيضًا على الكتب التي تركِّز على الأنظمة الإستراتيجية للأسود. غير أن سلسلة كتب «الأسود على ما يرام» التي كتبها الأستاذ المجري الكبير أندراس أدورجان يوجد بها مخططات من منظور الأسود وتوفر إطارًا نظريًّا لسبب امتلاك الأسود للأدوَات الكافية للفوز.

وفي عدد من ألغاز الشطرنج، كان من الشائع رؤية كل مشكلة يجرى تقديمها على أن الأبيض هو الذي يتجه نحو تحقيق الفوز. وفي الواقع، ألَّف ثيوفيلوس طومسون (1855-1881)، أول لاعب أسود ذو شهرة، مثل هذا الكتاب لألغاز الشطرنج.

وإلى حد كبير، لم تزال الكتب تُنشَر بهذه الطريقة. وأعتقد أن الأدبيات الإستراتيجية لرد فعل اللون الأسود سوف تستمر في الازدياد، وستقترب اللعبة من نتيجة 50-50 في صيغة «الأبيض أولًا». وهناك عديد من الأنظمة التي يسعى فيها الأسود لأن يقوم بالهجوم.

واختتم الكاتب مقاله موضحًا أن الشطرنج عبارة عن محادثة ينخرط فيها الطرفان في معركة أفكار. ويجب على شخص ما أن يبدأ المحادثة، ولكن خلال سيْر اللعبة، تتكشَّف قصة فريدة. ومن وجهة نظري، لا يتعلق الأمر بمن يبدأ الحركة أولًا، ولكن ما الذي تصل إليه القصة في نهاية المطاف.

شاهد أيضاً

توجهات أردوغان الجديدة .. من المواجهة إلى التنسيق!

مع بداية العام الجديد، يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى اتباع توجه …