1020C454FEBC5F6C3C48280AF3870CE3

حين التقينا أنا وابني ونابليون على الرصيف!

فيينا – عبد السلام حيدر —–

بسبب إجراءات الإغلاق النصفي التي نعيشها قامت المدارس عندنا بتغيير جداول حضور التلاميذ؛ حيث يحضر تلاميذ السنوات المختلفة بالتبادل أو التناوب. ولأن لدي ولدين أحدهما في المرحلة التمهيدية والآخر في المرحلة المتوسطة فهما يذهبان لمدرستيهما بالتبادل أيضاً، وبالتالي يذهب كل منهما ليوم ويبقى في البيت في اليوم التالي. أما أنا فلا راحة لي بالطبع، إذ لابد أن أصطحب أو أصاحب كلاً منهما بمفرده إلى محطة باص مدرسته.

واليوم مع أكبر الولدين وجاء موقفنا أمام شباك عرض (فاترينة) شركة (أوكسفام) وهي شركة غير ربحية وظيفتها الأساسية جمع ما يفيض عن الناس هنا من ملابس وأحذية وألعاب وكتب وأجهزة. وفحص كل هذا ثم عرض المناسب منه في فروعها المختلفة لبيعه مرة أخرى ولكن بأسعار زهيدة، تجمعها وترسلها كإعانات للدول الإفريقية الفقيرة. وأحياناً ترسل إليها أيضاً ما يفيض عن فروعها من هذه الأشياء المستعملة. ومؤخراً بدأت الشركة نفسها تستورد البضائع الإفريقية ذات الجودة العالية، كالقهوة التي أشربها هنا، لتبيعها في فروعها العديدة.

عندما عرفت كل هذا قلت لنفسي إن هذا شيء طيب بالفعل. على الأقل الشركة تصنع نوعاً من التوازن غير الممكن أساساً؛ فالحكومات الغربية تسرق الموارد الإفريقية من الذهب وحتى اليورانيوم وهذه الشركة ومثيلاتها تبعث لإفريقيا الأشياء المستعملة وبعض الفكة، فلها الشكر يعني. فعلى الأقل وجدت لنفسها دوراً كمرهم مرطب للجروح الإفريقية النازفة دوماً.

المهم أن أتوبيس الولد أبلغنا أنه سيتاخر قليلاً، فوقفنا نتطلع حولنا، فنظر الولد لصور (الفاترينة) وما إن وصل لكتاب عليه صورة لنابليون حتى قال دون أن ينظر إليّ: “يا سلام! نابليون! هذا هو بطلي وقدوتي!”. فقلت وأنا شبه مصدوم: نابليون؟! فقال: نعم. منذ أن درسته وأنا أعتبره بطلي المفضل في التاريخ!

طبعاً أنا لا أريد له أن يرسب في الامتحان فقلت له بحذر: هل تدرسه هذا العام؟ فقال: لا درسته في العام الماضي ونجحت ولله الحمد. فقلت لنفسي: هذه فرصة لتعديل أفكار الولد حتى لا يعتبر مجرماً استعمارياً مثل نابليون بطلاً له وإلا أكون قد فشلت في تربيته، ويصدق فيّ المثل القائل بأن باب النجار مخلع!

وأنا للحقيقة أعتبر نابليون مجرماً استعمارياً لا يقل عن هتلر في شيء بل يزيد عليه كثيراً خاصة بالنسبة لنا كمصريين. وكان هذا موقفي حتى قبل أن أقرأ الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر، وهو في رأيي أول من قارن بين نابليون وهتلر وساوى بينهما.

وكان هيدجر في حادث شاذ قد انضم سنة 1933 للحزب النازي؛ لأنه كان يرى خيراً في هتلر، وأنه سيحمى ألمانيا من المؤامرات الخارجية حتى لا تصبح مثل المجر وتركيا.

وبعد هزيمة النازية الساحقة والدمار الهائل الذي تسبب فيه هتلر لألمانيا وغيرها سُئل هيدجر كيف له وهو العقل الكبير أن يخطئ مثل هذا الخطأ ويسير وراء حاكم عسكري جاهل مثل هتلر. فاعترف هيدجر بخطئه الكبير، وقال بأن العقول الكبيرة قد تنساق أيضاً خلف ضجة الجهلاء والمنافقين، وقال إن هذا لم يحدث فقط معه بل حدث أيضاً لعقل كبير جداً هو الفيلسوف الألماني هيجل الذي فُتن أيضاً بعسكري ديكتاتوري جاهل هو نابليون.

الحقيقة بعد أن قرأت هذه الجملة استعدت احترامي لهيدجر؛ لأن العقول الكبيرة فقط هي التي تقوم بمثل هذه المقارنة بين مجرمين عتيدين رغم اختلاف عصريهما.

وهيدجر يشير بهذا إلى حدث تاريخي شهير وهو حدث احتلال نابليون لألمانيا. وكان هيجل معجباً بل مفتوناً بنابليون. وحتى بعد أن هزم نابليون بلاد هيجل كان ما زال معجباً به. وحتى بعد أن هاجم نابليون مدينة هيجل (يينا) ظل معجباً به. وبعد أن اجتاح نابليون المدينة ونهب جنوده بيت هيجل واضطر هيجل للفرار من المدينة ظل هيجل معجباً بنابليون، بل كتب يصف دخول نابليون لمدينة (يينا) دخول المنتصرين: “رأيت القيصر- روح العالم- وهو يمر في المدينة على حصانه. إنه لشعور رائع رؤية مثل هذه الشخص المتفرد. يركز على هدف. يجلس على حصانه. يلقي بظله على العالم ويسيطر عليه”.

فإذا كان هيجل نفسه مرمط عقله ونفسه بهذا الشكل أمام سطوة مستعمر دموي استعمر حتى حجرة نومه، فهيدجر معذور لأنه أيَّد حاكماً لألمانيا جاء بانتخابات حرة وانضم إلى حزبه مباشرة بعد فوزه بالانتخابات ولم يكُن يخطر ببال هيدجر أن هتلر سيصبح هذا النازي الدموي الذي نعرفه الآن.

وظلت ألمانيا تشعر قومياً بنوع من المهانة أمام فرنسا حتى جاء هتلر ورد الصاع لفرنسا فاحتلها ونهبها كما فعل نابليون مع ألمانيا قديماً. زد على ذلك أن كلا الرجلين- نابليون وهتلر- حاولا احتلال روسيا وفشلا في ذلك، فكانت بداية نهايتهما كما نعرف الآن. وربما لهذا كله قارن هيدجر بين الرجلين وحتى يقول أيضاً أن خطأه أخف وطأة من خطأ هيجل. ولكن الخبث هنا أيضاً في أن هيدجر لم يقارن نفسه إلا بهيجل رغم أنه وُجد فلاسفة آخرون كانوا معجبين بنابليون أيضاً.

أما بالنسبة لنا كمصريين فالوضع مختلف؛ نعم كلا الرجلين (نابليون وهتلر) مجرم حرب استعماري، ولكن إجرام هتلر كان أوروبياً بالأساس، لذا يكرهه الأوروبيون أكثر من نابليون، أما إجرام نابليون فكان أوروبياً أيضاً ولكنه توسع حتى طال مصر فاحتلها وفتك بأهلها. عندما ثاروا عليه، عرف أن الأزهر يمثل مركز المقاومة فاقتحم الأزهر بخيله وحوله لإسطبل! بالضبط كما فعل أجداده الصليبيون بالمسجد الأقصى، وأعدم عدداً كبيراً من شيوخ الأزهر وطلابه بالضبط كما فعل أجداده الصليبيون بشيوخ المسجد الأقصى وطلابه.

ورغم أنني كنت تائهاً في استطراداتي فقد شعرت أن ابني يراقب حركة عيني وينتظر أوبتي فقلت له وأنا أشير لكتاب نابليون: لماذا لا يؤلفون كتباً مثل هذا عن هتلر أيضاً؟ فقال: لأن هتلر مجرم نازي عتيد. فانتهزت الفرصة وقلت له: هل تشعر في داخلك بأنك مصري أم أوروبي؟

طبعاً نحن نتكلم بالعربية، بل بالعامية القاهرية لأنه لا يريد تعلم الفصحى! وسبب ذلك أننا في إحدى المرات، قبل كورونا، عندما كنا نزور أهلي في مصر، ضحك أولاد أخي وأولاد أختي منه مرة لأنه تكلم بالنحوي! وقالوا له: أبوك علمك العربية غلط. ولازم تتكلم مثلنا حتى لا يضحك عليك أحد، لأن هذه الطريقة في الكلام لا توجد إلا في خطب الجمعة وفي الأفلام والمسلسلات التاريخية.

منهم لله لأنهم أفسدوا عليّ الولد، مع أنني كنت مبسوطاً جداً وأنا أعلمه القرآن والشعر الجاهلي هنا في فيينا، وأوهمه أن هذه هي لغتنا الجميلة التي نتحدثها في مصر وغيرها من البلاد العربية، وأنها لغة الجنة أيضاً، ولذا فهي أسهل لغة في العالم.

ومنذ أن اكتشف الولد هذه الكذبة الأبوية البيضاء وهو لا يثق فيّ كثيراً. وكلما شرحت له شيئاً جديداً في اللغة العربية يسألني: هل هذه عامية أم فصحى؟ فلو قلت له فصيحة يقول لي: وكيف نقول بالعامية؟ فكنت أعلمه عامية مفصحة مثلما أتحدث عادة، فكان يقول لي: حتى عاميتك يا بابا غير عامية عمي وعمتي والأولاد في مصر. فأقول له ضاحكاً “لأنهم لم يدرسوا في دار العلوم” وأسكت.

المهم الولد نظر إليّ باستغراب وقال: طبعاً مصري. كل أصحابي وزملائي وأساتذتي يعرفون هذا. والولد فعلاً روحه مصرية ويحب الهلس والمقالب مثلي تماماً بعكس أخيه الصغير فيلسوف العائلة كما نسميه. فقلت له: طيب جميل. بالنسبة لنا كمصريين أيهما أكثر إجراماً: هتلر الذي لم يحتل مصر أم نابليون الذي احتلها وفتك بأهلها وعلمائها؟

فقال: طبعاً نابليون أكثر إجراماً بالنسبة لمصر. فقلت له: طيب لماذا تعتبره بطلاً لك. لماذا تكون مثل الأولاد المصريين الذين يذهبون لمدارس فرنسية بالشيء الفلاني فتعلمهم مناهج غير مصرية وتشوه لهم معرفتهم ببلدهم وتقنعهم أن مجرماً مثل نابليون يستحق أن يكون بطلاً لهم، وأنه كان يريد الخير لمصر باحتلالها ونهبها.

فقال لي الخبيث: يا بابا أنا في القسم الفرنسي من المدرسة الأوروبية.. وعلى العموم أتوبيس المدرسة وصل ولازم أمشي. فقلت بسرعة: ولكننا لم نكمل حديثنا. سنكمله عندما تعود إن شاء الله، لا بد أن ترى الإعلان الاستعماري للجامعة الفرنسية في مصر. فقال: يا بابا أكملنا هذا الحوار مئة مرة من قبل، ورأيت الإعلان معك عندما نزل. وأنا أعرف رأيك تماماً ولم أكتبه في الامتحان حتى لا أسقط كما قلت لي ساعتها. معقول نسيت كل هذا؟!

شعرت بحرج كبير من الجملة الأخيرة فتلفت حولي وقلت الحمد لله أن لا أحد هنا يفهم العامية المصرية. وحركت يدي مودعاً، وعدت أدراجي وأنا أؤنب نفسي على هذا النسيان الذي يستغله الجميع حتى ابني الصغير! وأن هذا الأمر لا بد أن يتوقف حالاً ومنذ هذه اللحظة. واستمر هذا التأنيب حتى وصلت إلى مسكني ووقفت أمام الباب أبحث عن المفتاح في جيوبي التي قلبتها دون جدوى وفي النهاية اضطررت آسفاً لضرب جرس الباب. وقلت لزوجتي: نسيت المفتاح للأسف. فقالت: الحمد لله أنك ما زلت تتذكر البيت.

شاهد أيضاً

توجهات أردوغان الجديدة .. من المواجهة إلى التنسيق!

مع بداية العام الجديد، يبدو أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يسعى إلى اتباع توجه …