1020C454FEBC5F6C3C48280AF3870CE3

مجلة فورين بوليسي : هل يفرج بايدن عن تقرير المخابرات الأمريكية من قتل خاشقجي؟

نشرت مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية تحليلًا للكاتب مايكل آيزنر، المستشار السابق في وزارة الخارجية الأمريكية والمستشار العام لمنظمة الديمقراطية في العالم العربي (DAWN)، والكاتب جاك ستيل، المحامي والباحث في المنظمة نفسها التي أسسها الصحفي السعودي المعارض جمال خاشقجي قبل وفاته، طالبًا فيه الرئيس الأمريكي المنتخب جو بايدن بالإفراج عن تقرير وكالة المخابرات المركزية (سي آي إيه) الصادر في أعقاب اغتيال خاشقجي، مُؤكدَيْن على حقيقة أن الاغتيال نُفِّذ بأوامر من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والجهود التي بذلها ترامب لمساعدة الجاني الرئيس في الإفلات من العدالة وحمايته من الملاحقة القضائية.

هل يفي بايدن بما وعد به؟

يستهل الكاتبان التحليل قائلَيْن إنه بعد ستة أسابيع من قتل عملاء سعوديين للصحفي جمال خاشقجي بمنتهى الوحشية في القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول في تركيا في شهر أكتوبر (تشرين الأول) عام 2018، سرَّبت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية استنتاجها الذي يفيد بأن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان هو الذي أمر بتنفيذ عملية الاغتيال. ومنذ ذلك الحين، حاول الكونجرس الأمريكي دون جدوى إجبار إدارة ترامب على الكشف عن النتائج التي توصَّل إليها جهاز المخابرات الأمريكية المتعلقة بالجُناة.

ويرى الكاتبان أنه آن الأوان للرئيس المنتخب جو بايدن ليُفصح عن هذه المعلومات عندما يتولى منصبه في العشرين من شهر يناير (كانون الثاني) الحالي؛ إذ إن الإعلان عن تقرير وكالة المخابرات المركزية سيُعَد وفاءً بالوعد الذي قطعه بايدن بمحاسبة المسؤولين عن اغتيال رجل كان مقيمًا في الولايات المتحدة الأمريكية. وإذا لم تتحرك إدارة بايدن طواعية للقيام بذلك، فربما تبسط محكمة أمريكية يدها على الأمر وتتخذ قرارها، خاصة بعد أن رفعت منظمة الديمقراطية في العالم العربي (DAWN) دعوى في محكمة فيدرالية أمريكية بالتضامن مع المدَّعية خديجة جنكيز، خطيبة خاشقجي، في شهر أكتوبر عام 2020 تطالب بمحاسبة المسئولين عن مقتله.

ترامب يوفر الحماية للجناة

يلفت الكاتبان إلى أنه منذ مقتل خاشقجي في الثاني من شهر أكتوبر عام 2018، بذل الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب وإدارته كل ما في وسعهم لحماية محمد بن سلمان من أي صلة تربطه بارتكاب الجريمة. لكن جهود إدارة ترامب لإسقاط ما جرى في الماضي في هوة النسيان واجهت مقاومة كبيرة من داخل الحكومة الأمريكية. وعقد الكونجرس جلسات استماع وأصدر قرارات تدين عملية القتل وتحمِّل ولي العهد السعودي المسؤولية عنها.

وصعَّد المشرِّعون مطالبهم في شهر مارس (آذار) عام 2019 ثم مرةً أخرى في شهر يوليو (تمّوز) عام 2019، فأصدروا تشريعًا لمنع تقديم المساعدة العسكرية الأمريكية للمملكة العربية السعودية. واستخدم ترامب على الفور ودون إبطاء حق النقض (الفيتو) ضد كلا الإجراءين، وأبقى على تدفق الأسلحة إلى النظام السعودي الاستبدادي.

وردًا على ذلك، وبالتحديد في شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2019، أدخل الكونجرس بنودًا (إضافية) في القانون الذي صدر لذلك العام المعروف بقانون إقرار الدفاع الوطني (National Defense Authorization Act)،‏ مطالبًا الإدارة بتقديم تقرير غير سري يحدِّد الأفراد المتورطين في مقتل خاشقجي. ومثَّل تمرير مشروع القانون حالةً من الإجماع النادر بين الحزبين على أن للشعب الأمريكي الحق في معرفة هويات القتلة.

وبغض النظر عن جهود الكونجرس، لم يكن لدى ترامب وأتباعه أي نية للتخلي عن محمد بن سلمان. وفي شهر فبراير (شباط) عام 2020، أي بعد مضي شهر من الموعد النهائي التشريعي، قدَّم مكتب مدير المخابرات الوطنية (ODNI) إلى الكونجرس تقريرًا عن مقتل خاشقجي، والذي ورد أنه تضمن معلومات استخباراتية لوكالة المخابرات المركزية حول الدور المحوري لولي العهد في عملية الاغتيال. لكن مكتب مدير الاستخبارات الوطنية رفض التفويض الذي أتاحَه التشريع الخاص بتقديم تقرير غير سري، زاعمًا أن القيام بذلك من شأنه أن يعرض مصادر الاستخبارات وأساليبها للخطر.

العدالة تحاول أن تأخذ مجراها

يرى كاتبا المقال أنه في الوقت الذي تحدَّت فيه إدارة ترامب الكونجرس، رفَعَت مبادرة عدالة المجتمع المفتوح (Open Society Justice Initiative) دعوى قضائية ضد مكتب مدير المخابرات الوطنية في شهر أغسطس (آب) عام 2020 بموجب قانون حرية المعلومات (Freedom of Information Act)، في مسعى من جانبها إلى الكشف العلني عن التقرير. (كانت هذه في الواقع الدعوى الثانية التي رفعتها المبادرة والمتعلقة بقتل خاشقجي.

ذ ركزت الدعوى الأولى، التي رُفِعَت في شهر يناير عام 2019، بوجه عام، على مطالبة وكالة المخابرات المركزية وست وكالات فيدرالية أخرى بالكشف عن «جميع التسجيلات المتعلقة بمقتل جمال خاشقجي المقيم في الولايات المتحدة». وتبنَّت إدارة ترامب الموقف القانوني نفسه في المحكمة كما فعلت مع الكونجرس، مُدَّعية أن نشر معلومات عن قتلة خاشقجي سيكشف معلومات استخبارية سرية ويضر بالأمن القومي للولايات المتحدة.

هل تبرر مصالح الأمن القومي التستر على الانتهاكات الجسيمة؟

يشير الكاتبان إلى أن حجة الأمن القومي التي تتذرع بها الحكومة حجة معيبة في الأساس لأسباب متعددة. إذ يمكن للحكومة تنقيح أجزاء مناسبة من تقاريرها وإعدادها للنشر للكشف عن هويات القتلة مع إخفاء كيفية التوصُّل إلى استنتاجاتها. وفي الواقع، ألمح ترامب نفسه بالفعل إلى دور ولي العهد في عملية القتل، متفاخرًا أنه «أنقذَ حياته (أي حياة ولي العهد السعودي)».

بالإضافة إلى ذلك، فإن اعتبارات الأمن القومي القوية -بما في ذلك أمن سكان الولايات المتحدة المُستهدَفين من جانب الحكومات الأجنبية– تصب في مصلحة الكشف عن قتلة خاشقجي. إن حجب الأدلة التي تكشف عن دور محمد بن سلمان والنظام السعودي في قتل أحد المقيمين في الولايات المتحدة لن يؤدِ إلا إلى تشجيع هؤلاء وغيرهم من المستبدين على الاعتقاد بأن الحكومة الأمريكية سوف تتستر عليهم.

علاوةً على ذلك، هناك أيضًا تكلفة أمنية طويلة الأمد تنجم عن الوقوف مع الطغاة الوحشيين الذين يمثلون مصادر رئيسة لعدم الاستقرار الإقليمي، خاصة وأنهم ضعفاء بطبيعتهم، لأنهم يسعون باستمرار لخنق المعارضة وسحقها. ومن ثم، لا يُسْهِم المسؤولون الأمريكيون في انتهاكاتهم فحسب من خلال حمايتهم من المساءلة والمحاسبة، ولكن تتحمل واشنطن أيضًا العواقب السيئة واللوم عندما يواجهون حتمًا مقاومة شعبية.

ويخلُص الكاتبان إلى أن الادِّعاءات الواهية وغير المؤصَّلة الخاصة بمصلحة الأمن القومي يجب ألا تعفي الحكومة الأمريكية من واجبها في الكشف عن المعلومات التي تتعلق بالصالح العام، وقد وافق قاضٍ فيدرالي على هذا الرأي. وفي الثامن من شهر ديسمبر عام 2020، أمر قاضي المحكمة الجزئية الأمريكية بول إنجلماير وكالة المخابرات المركزية ومكتب مدير المخابرات الوطنية بالكشف عن وجود عنصرين، بل وشرح أساس حجبهما: وهما الشريط الصوتي لمقتل خاشقجي وتقرير وكالة المخابرات المركزية المتعلق بهذه المسألة.

ووبَّخ إنجلماير الحكومة لإخفاقها في تقديم أي مبرر لادِّعاءاتها المتعلقة بالأمن القومي، إذ قال: «لا يوجد في ملفاتهم العلنية أو السرية أي ادِّعاءات تُفسِّر على الإطلاق لماذا يؤدي الإفصاح عن معلومات محدودة إلى الكشف عن المصادر وأساليب العمل الاستخباراتية». وأوضح إنجلماير أن الاحتجاج بالأمن القومي لا يمكن أن يمثِّل بمفرده سببًا مقنعًا. إذ يجب أن يكون هذا الادِّعاء قادرًا على الصمود في وجه أي نوع من التدقيق.

ويختم الكاتبان بالقول: وفي نهاية المطاف، سيكون للسلطة القضائية الأمريكية الكلمة الفاصلة إذا حاولت السلطة التنفيذية إخفاء المعلومات عن الشعب الأمريكي – والتي طالب الكونجرس بإعلانها – لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وبغض النظر عن ما سيؤول إليه الأمر، يجب على إدارة بايدن أن تفي بوعدها بمحاسبة المسؤولين عن مقتل خاشقجي وأن تزيح الستار عن المعلومات ذات الصلة، سواء كان ذلك بسبب احتمال رَفْع دعوى قضائية لإجبارها على ذلك أو لا.

 

 

 

شاهد أيضاً

كيف أعادني فيلسوف نمساوي للإيمان من جديد

بقلم الكاتب – محمد خالد عبدالوكيل —–  في سنين الشباب الأولى كان عقلي يضج بالأفكار، …

%d مدونون معجبون بهذه: