الإثنين , 26 سبتمبر 2022

إسرائيل تستلم قيادة الشرق الأوسط وتحقق أحلامها-ولماذا تموّل إسرائيل منتدى النقب؟

كان سيذهل دافيد بن غوريون، أول زعيم لدولة إسرائيل، الذي دُفن في مكان قريب من الموقع الأول لـ”قمة النقب”، بلا شك من الطريق الذي وصلت إليه العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، التي كانت في حالة حرب مع دولته.

في مارس 2022 وصلت زمرة من كبار الدبلوماسيين من مصر والمغرب والبحرين والإمارات والولايات المتحدة إلى إسرائيل، بدعوة من وزير الخارجية الإسرائيلي آنذاك ورئيس الوزراء الحالي، يائير لابيد، لحضور ما أطلقوا عليه “قمة النقب”.
أعلنت القمة بشكل فج عن التحول الدبلوماسي الجذري الذي كان يخطط له في الغرف المغلقة منذ مدة ليست بالقصيرة.
قدمت القمة فرصة على طبق من ذهب لإسرائيل لتوطيد علاقاتها مع الدول المطبعة، ولإبراز أهمية الدور الإسرائيلي الأمني في المنطقة في حضرة الولايات المتحدة.

“قمة النقب” هي أولاً وقبل كل شيء، مساهمة مهمة للأمن القومي الإسرائيلى؛ لأن التحول العلني لإسرائيل إلى جزء من النسيج الإقليمي العربي، وكقائد لمحور مركزي يضم الدول العربية السنية، يعزز موقف إسرائيل في مواجهة العناصر المعادية، لوجودها في المنطقة وحالة الرفض الرسمي والشعبي لها منذ تأسيسها.

يوم الأحد الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي إن حكومته تعتزم المصادقة على قرار لتخصيص ميزانية كبيرة لمجموعات العمل المنبثقة عن “قمة النقب” التي تحولت إلى “منتدى”، ونشر لابيد تغريدة على حسابه الرسمي في “تويتر”، أكد من خلالها أن “منتدى النقب” سيتم تخصيص ميزانية إسرائيلية له، كما أكد في مستهل الجلسة الأسبوعية لحكومته، أن “منتدى النقب” يخلق علاقات اقتصادية وأمنية لم تستطع بلاده قبل عدة سنوات حتى أن تحلم بها، وأن هذا المنتدى التطبيعي يعمل على دفع مشاريع في مجالات مختلفة، من بينها تكنولوجيا الغذاء والمياه والطاقة والسياحة والمناخ، وأضاف أن إسرائيل ستعمل على تعميق وتعزيز رقعة التجارة مع دول منتدى النقب، وتجري حواراً يعزز أمن إسرائيل.

قمة النقب وشراكات إسرائيل الإقليمية الجديدة

“قمة النقب”، في العيون الإسرائيلية، كانت وسيلة لتعزيز التعاون الإقليمي ضد إيران وزيادة التواصل مع إدارة الرئيس جو بايدن وسط مخاوف من انسحاب الولايات المتحدة من المنطقة، على الرغم من أن معظم المشاركين في القمة التي تمت في مارس الماضي لم يصرحوا ذلك بشكل مباشر، لكن هناك استراتيجية واضحة لإشراك إسرائيل في جميع القضايا الرئيسية، وتقديم إسرائيل كلاعب أساسي أو قائد للإقليم.

في “قمة النقب” الأولى قال يائير لابيد إن قمة الشرق الأوسط اليوم ستصبح ركيزة سنوية للحوار بين إسرائيل والدول العربية في إطار سعيهم لبناء “هيكل إقليمي جديد” لردع “الأعداء المشتركين”، وعلى رأسهم إيران بالتأكيد. قال لابيد أيضاً إن المنتدى صنع التاريخ؛ حيث تواصل إسرائيل والدول العربية “بناء هيكل إقليمي جديد قائم على التقدم والتكنولوجيا والتسامح الديني والتعاون الأمني ​​والاستخباراتي”.

لقد عكست “قمة النقب” مخاوف إسرائيل وبعض الدول المشاركة كالإمارات والبحرين من رفع إدارة بايدن بعض العقوبات المفروضة على إيران، مما يجعل “الحرس الثوري” أكثر قدرة على تمويل برامج أسلحته وحلفائه الإقليميين في لبنان واليمن وسوريا والعراق.

أما بالنسبة للمكانة الدبلوماسية لإسرائيل في المنطقة، فبعد 55 عاماً من “اللاءات الثلاث” الشهيرة في قمة الخرطوم لجامعة الدول العربية “لا اعتراف بإسرائيل، لا مفاوضات مع إسرائيل، لا سلام مع إسرائيل”، يأتي “منتدى النقب” بمزيد من التعاون والتنسيق العربي-الإسرائيلي، وهذه إشارة مفادها أن إسرائيل لا تحاول أن تكون مقبولة من قِبل الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط فحسب، بل تجعل نفسها الفاعل الرئيسي في المنطقة بمشاركة حلفائها.

لماذا تهتم إسرائيل بـ”قمة النقب” لهذه الدرجة؟ 

وهنا يأتي السؤال الملّح: لماذا تهتم إسرائيل بقمة النقب لدرجة تخصيص ميزانية مستقلة لها؟

بعد سنوات من المقاطعة العربية الرسمية لها كمشارك رئيسي للتحالفات الإقليمية، وتفضيل الأنظمة العربية للعلاقات السرية مع تل أبيب، وجدت إسرائيل نفسها أمام فرصة لا تعوض لتقوية نفوذها وسيطرتها على قرار الدول العربية خصوصاً بعد توقيع “اتفاق أبراهام” مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين.

وقد كان “اتفاق أبراهام” نقطة الانطلاق الإسرائيلية لعقد تحالفات جديدة، والعديد من المحاولات على مدى عام ونصف لعقد مؤتمر عربي تكون راعية له، حتى تفاجأ الجميع بالإعلان السريع عن “قمة النقب” في مارس 2022 في صحراء النقب، وتلاها قمة أخرى في يونيو 2022 في البحرين تحت مسمى “مؤتمر النقب”، حيث كانت البداية لإعلان إسرائيل أنها من الفاعلين والمؤثرين في القرار العربي، لذلك من الطبيعي أن تكون إسرائيل الراعي الرسمي لقمة النقب، وأن تعلن عن تخصيص ميزانية لهذا المؤتمر، والذي حولته لـ”منتدى النقب”.

مصر تنضم إلى محور أبراهام

كانت مصر آخر دولة أكدت مشاركتها في “قمة النقب”، وهذا ليس مصادفة، لأنها – أي قمة النقب- لم تتناسب مع أسلوب القاهرة في التعامل مع إسرائيل، خاصة أن القمة تمنح مكانة إقليمية رائدة لإسرائيل كمضيف للقمة مع تغييب لفلسطين وقضيتها.

رحبت مصر بـ”اتفاق أبراهام” بعد إعلانه، لكنها اعترضت على روح الاتفاق ولم تحتفي به، حيث أرسلت القاهرة ممثلاً منخفض المستوى إلى المؤتمر الإقليمي على مستوى الوزراء الذي عقد في الإمارات العربية المتحدة في أكتوبر 2020، وبشكل عام كانت تتجنب تعبيراتها عن التطبيع متعدد الأطراف الذي يتجاوز أعرافها السابقة.

اختلفت مشاركة مصر في “قمة النقب” عن الخط المصري الدبلوماسي تجاه إيران وممارساتها في المنطقة، والتي كانت محور القمة، لكن في الواقع يرى قصر الاتحادية أن دور إيران ووكلائها يشكل تهديداً لاستقرار المنطقة، ويتابع بقلق ما تعتبره تقويضاً من واشنطن لالتزامها تجاه حلفائها الإقليميين، كما حرصت القاهرة على إدانة هجمات الحوثيين على السعودية، وأعلنت مراراً أن أمن دول الخليج جزء من الأمن القومي العربي، ورغم ذلك لا تشارك مصر نفس شعور دول الخليج وإسرائيل بالخوف من امتلاك إيران للسلاح النووي.

لكن وقع تغيير مؤخراً في سياسة مصر تجاه إيران، حيث انضمت إلى محور “أبراهام” ووضعت نفسها في قلب التحالف الإقليمي الناشئ. قرب شهر مارس 2022 قبل قمة النقب بأيام استضافت مصر “القمة الثلاثية” في شرم الشيخ بمشاركة السيسي ورئيس الوزراء الاسرائيلي بينيت وولي العهد الإماراتي حينها محمد بن زايد، ثم قبلت لاحقاً دعوة إسرائيل لحضور قمة وزراء الخارجية في النقب وإن كان ذلك بعد مداولات وتردد.

وراء خطوات القاهرة مصالح استراتيجية كبيرة خاصة طلب المساعدة من الولايات المتحدة ودول الخليج وإسرائيل للتعامل مع التحديات الاقتصادية التي تواجهها مصر.

إلى جانب الأهمية الرمزية لحضور مصر “قمة النقب” والتواجد في التحالف الجديد، تعتقد إسرائيل أن مصر قادرة على تقييد دور إيران في قطاع غزة.

يمكننا القول إن وجود مصر في “تحالف النقب” سيعزز من مكانة إسرائيل الأمنية والاقتصادية، وسيعطي للتحالف الجديد الذي تقوده إسرائيل أدواراً أكثر وأهمية أكبر.

“تحالف النقب” قد يعتبر من أخطر التحالفات التي نشأت في المنطقة على الأمن القومي المصري والعربي حيث سيجعل من إسرائيل ثقلاً سياسياً يصعب السيطرة عليه أو تقييده في المستقبل المنظور.

هل ستصبح إسرائيل بديلاً للولايات المتحدة في المنطقة؟

كانت رسالة الولايات المتحدة من “قمة النقب” واضحة، إسرائيل هي القائد الجديد للمنطقة، وهي المفتاح لأمن وبقاء الأنظمة الاستبدادية العربية، وأنها ستكون مندوبها الدائم في الشرق الأوسط بعد إتمام الانسحاب من المنطقة.

الرسالة الأمريكية تحمل الوعد لحلفائها الإقليميين بأن الحليف الضامن هو الكيان الصهيوني، وأنها لن تغادر المنطقة إلا بعد أن تعيد تنظيم البنية الأمنية للمنطقة.

الإمارات العربية المتحدة، والتي وصفها وزير الدفاع الأمريكي الأسبق، جيم ماتيس، بأنها “سبارتا الصغيرة” بسبب أذرعها الممتدة في عواصم العالم، غير قادرة على الدفاع عن نفسها ضد التهديدات الخارجية على الرغم من كونها من أكثر دول العالم شراء للأسلحة المتطورة، لكنها، مثل المملكة العربية السعودية، لم تطلق بعد مشروعاً عسكرياً ناجحاً أو نجحت في تحصين أراضيها ضد هجمات الخصوم فقد انسحبت الإمارات جزئياً من حرب اليمن والمستمرة منذ 7 سنوات دون تحقيق أهدافها العسكرية.
بينما تبحث المملكة العربية السعودية عن نهاية للصراع في اليمن تحفظ بها ماء وجهها، أعلن التحالف الذي تقوده السعودية وقفاً لإطلاق النار خلال قمة لزعماء مجلس التعاون الخليجي التي تضم السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر وعمان، ورفض المتمردون الحوثيون في اليمن الانضمام إلى الاجتماع؛ لأنه عقد في الرياض، وفي الوقت نفسه لم تتمكن الدولتان الخليجيتان من حماية بنيتهما التحتية ومنشآتهما النفطية من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي يشنها الحوثيون عليها.

ومن هنا استطاعت إسرائيل أن تسوّق لقدراتها العسكرية التي تستطيع أن توفرها للإمارات لمواجهة الخطر الإيراني، لذلك سارعت إسرائيل بعقد “قمة النقب”.
لا تكمن أهمية إسرائيل في براعتها العسكرية والتكنولوجية وقدرتها واستعدادها، لمواجهة إيران في إيران نفسها وكذلك في سوريا والفضاء الإلكتروني فقط، ولكنها أيضاً الدولة الشرق أوسطية التي يمكنها التباهي بحضور فعال في الولايات المتحدة من خلال اللوبيات التي تقودها في واشنطن.

ما يمنح إسرائيل نوعاً من النفوذ في واشنطن لا يمكن الحصول عليه من خلال إنفاق ملايين الدولارات على خدمات العلاقات العامة وشركات الضغط، ما يعني أن إسرائيل هي الدولة الإقليمية الوحيدة التي ستحتفظ باهتمام واشنطن الكامل وحمايتها، وهو ما تحلم به الأنظمة العربية المستبدة.

مخاطر منتدى النقب على الأمن القومي العربي

سواء عن طريق الصدفة أو عن قصد، انعقدت “قمة النقب” بعد 20 عاماً من اعتماد “مبادرة السلام العربية” في قمة جامعة الدول العربية في بيروت عام 2002، لذلك فإن مساعي حل الدولتين والإعلان عن دولة فلسطينية مقابل التطبيع قد تحطمت مع الإعلان عن “اتفاق أبراهام” في أغسطس 2020.

لقد شكلت “قمة النقب” في الصحراء الفلسطينية المحتلة حدثاً غير ذي شأن كبير في العيون العربية الشعبية، بينما اعتبر اللقاء “تاريخياً” من منظور إسرائيل، لأنها الرابحة الأكبر منه، إذ تجاوز حدود تكريس الاعتراف بدولة إسرائيل إلى التحالف معها.

قد يسبب “منتدى النقب” الذي ترعاه إسرائيل وسيلة لقطع الطريق على أي حراك عربي ينطلق من المصلحة القومية العربية والحفاظ على الأمن القومي العربي، وهو حراك كان يؤمل أن تقوده جامعة الدول العربية على الرغم من أن الأردن والسعودية رفضا المشاركة في هذا التحالف لإدراكهما خطورة ما يجري، ولكنهما لا يستطيعان مواجهة الإرادة الأمريكية.

وبما أن إسرائيل هي التي دعت إلى هذا التحالف، فهي التي حددت أجندته ووضعت جدول أعماله، ورسمت أهدافه الاستراتيجية التي تختلف حتماً عن أهداف دول وشعوب والدول العربي المشاركين فيه. إذ تستهدف إسرائيل تحويل إيران إلى عدو وجودي وخطر أزلي على الوجود العربي، لتوجيه جهود العرب وثرواتهم نحو حرب الاستنزاف التي تغذيها بتعظيمها الخطر الإيراني الداهم، وشيطنتها له.

المصدر – عربي بوست – إسلام زعبل

شاهد أيضاً

فواتير التدفئة في النمسا ترتفع بنسبة 50%

رجحت صحيفة “كلاين تسايتونجمن” النمساوية ارتفاع فواتير التدفئة في البلاد هذا العام بمعدل 50 بالمئة، …

%d مدونون معجبون بهذه: