فيينا، مدينة الأمان والجمال، تحوّلت في لحظة إلى مسرح لجريمة مؤلمة هزّت الشارع النمساوي والجالية العربية على حد سواء. شابان سوريان، لا يتجاوز أكبرهما الـ22 عامًا، يلتقيان في وضح النهار عند محطة “Neue Donau” على خط المترو U6، ليس من أجل المصالحة أو الحديث… بل ليُترجم الغضب الرقمي إلى طعنات حقيقية بالسكين!
ما الذي أوصل شبابًا في ريعان العمر إلى هذه الحالة من الانفجار الداخلي؟
خلاف على منصات التواصل، شتائم متبادلة عبر TikTok، ثم دعوة “للحسم وجهًا لوجه”. والنتيجة؟
فتى عمره 17 عامًا يُنقل إلى المستشفى مصابًا بطعنات في صدره وظهره، وألم لا يُمحى من ذاكرته مدى الحياة.
“لم أكن أريد قتله… فقط كنت غاضبًا”
— المهاجم في اعترافه أمام الشرطة
هذا الجواب، الصادم والبسيط في آنٍ معًا، لا يُلخّص جريمة فقط، بل يعري وجعًا أكبر: كيف أصبح الغضب وسيلة التعبير الوحيدة؟ أين اختفت لغة الحوار؟ وكيف تحوّل شباب هارب من الحرب إلى حربٍ جديدة يصنعها بنفسه؟
المهاجم سلّم نفسه بعد أسبوعين من الهروب، وقد بدا مكسورًا، خائفًا، منهكًا من ملاحقة الشرطة ومن أعباء الضمير، لكنه في النهاية… سلّم نفسه لعدالة القانون، أما الضحية، فسيظل يسلّم جراحه لذاكرة لا تنسى.
“كلنا هربنا من العنف… لكننا نحمله معنا إذا لم نداوِ جراحنا النفسية”
— ناشط اجتماعي في فيينا
رأي خبير نفسي:
الدكتور “كريم شاهين”، استشاري نفسي في فيينا، يوضح لنا أن هذه الظاهرة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات نفسية واجتماعية معقدة. يقول:
“العنف هو استجابة نفسية في الأساس لشعور بالإحباط أو الفقدان. هؤلاء الشباب يعيشون في بيئة مليئة بالتحديات، مثل الصدمات النفسية الناتجة عن الحرب، وفقدان الهوية، وقلة الدعم الاجتماعي. وسائل التواصل الاجتماعي تزيد الطين بلة، حيث تتحول إلى ساحة لتبادل الإهانات والتحديات التي تنتهي بالصدامات. ما يجب أن نفعله هو توفير بيئة آمنة نفسياً، وتعليم المهارات الحياتية التي تساعدهم على التعامل مع الغضب بطريقة سليمة.”
رأي مختص اجتماعي:
من جانبه، يقول الباحث الاجتماعي “محمود الشامي”:
“في كثير من الأحيان، يكون العنف رد فعل مباشر على الشعور بالعزلة والتهميش. هذه الحوادث هي نتيجة لتفشي ثقافة العنف في بعض الأوساط الشبابية، حيث يرى البعض أن القوة هي السبيل الوحيد للتعبير عن الذات. الحل يكمن في برامج توعية شاملة، تستهدف تغيير المفاهيم المغلوطة عن القوة، وتعزز ثقافة الحوار والتسامح. كما أن الأسرة والمجتمع المحلي عليهما دور كبير في إعادة تشكيل هذه المفاهيم.”
في النمسا، أصبحنا نشهد تزايدًا مقلقًا في جرائم العنف بين شباب الجاليات العربية، وغالبًا ما تكون الأسباب تافهة، لكن النتائج مأساوية. بعضهم يعيش تمزق الهوية، والبعض الآخر يعاني من ضغوط نفسية لم تجد من يسمعها. غياب التوجيه، انعدام القدوة، وثقافة “الشارع” الرقمية… كلها قنابل موقوتة تنفجر كل يوم.
وهنا، يأتي السؤال الأصعب:
هل نحن نكتفي بالشجب، أم نبدأ بالحلول؟
هل نُدين الشاب، أم نتساءل كيف وصل إلى هنا؟
وهل تنتبه الجاليات إلى خطورة ترك جيل كامل يواجه الحياة وحده، بيدٍ على الهاتف… وأخرى على الزناد؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار