في قلب جبال الألب، حيث كانت القمم ترتدي قبعاتها البيضاء طوال العام، يوشك مشهدٌ عمره آلاف السنين على التلاشي. إنه اختفاء الأنهار الجليدية، الثروة الطبيعية التي لا تُقدَّر بثمن، والتي تشكّل جزءًا من هوية النمسا الجبلية.
دراسة نمساوية بريطانية حديثة أطلقت ناقوس الخطر: الأنهار الجليدية العملاقة في النمسا تختفي بسرعة غير مسبوقة، وفي حال استمرار ارتفاع درجات الحرارة كما هو اليوم، فإن معظمها سيكون مجرد ذكرى خلال العقود القليلة القادمة.
لماذا تذوب الأنهار الجليدية؟
السبب الرئيسي هو الاحتباس الحراري. مع ارتفاع درجة حرارة الأرض، أصبحت الفصول الدافئة أطول وأكثر حرارة، ما يؤدي إلى تسارع ذوبان الجليد، مقابل شتاء لا يعوض هذا الذوبان بتساقطات كافية من الثلوج.
حالياً، ارتفعت درجات الحرارة العالمية بمعدل 2.7 درجة مئوية عن مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بينما تشير الدراسات إلى أن الحفاظ على الأنهار الجليدية يتطلب تقليص هذا الارتفاع إلى 1.5 درجة مئوية فقط، وهو هدف يبدو بعيد المنال في ظل الأوضاع الحالية.
ماذا يحدث في النمسا تحديدًا؟
وفقًا للدراسة، اختفت بين عامي 2006 و2017 خمسة أنهار جليدية رئيسية في منطقتي “أوتستال” و”شتوباي” بولاية تيرول، غرب النمسا. وإذا استمر الاتجاه الحالي، فإن 97% من الكتلة الجليدية في هذه المنطقة ستذوب بحلول منتصف هذا القرن.
فابيان موسيون، أحد العلماء المشاركين في الدراسة، وصف ما يحدث بأنه “ضياع للفرصة الأخيرة”، مؤكدًا أن حتى السيناريوهات المتفائلة لم تعد كافية لإنقاذ هذه المعالم الطبيعية بالكامل.
لماذا يهمنا اختفاء الجليد؟
الأنهار الجليدية ليست مجرد منظر طبيعي ساحر؛ بل هي خزّانات مائية ضخمة تغذي الأنهار، وتضمن التوازن البيئي، وتحمي من الانهيارات الأرضية، وتدعم السياحة والاقتصاد المحلي.
كما أن اختفائها يعني ارتفاع مستوى البحار، وتعطيل دورة المياه، وتأثير مباشر على حياة ملايين البشر، ليس فقط في أوروبا، بل في العالم كله.
سباق مع الزمن
ذوبان الأنهار الجليدية هو من أكثر الظواهر وضوحًا لتغير المناخ، و”تيرول” النمساوية أصبحت الآن بمثابة شاهد حي على انهيار بيئي وشيك.
الخبراء يحذرون: إن لم تُتخذ إجراءات جذرية وعاجلة لتقليل الانبعاثات، فإن الأنهار الجليدية في جبال الألب قد تصبح شيئًا ندرّسه في الكتب، لا شيئًا نراه بأعيننا.
الخلاصة؟
ربما لن تُصدر الطبيعة صوتًا حين تموت، لكن صمت ذوبان الجليد هو أكثر الأصوات فزعًا. فهل نستفيق قبل أن يُمحى الثلج الأبدي من ذاكرة الأرض؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار