بينما ينشغل العالم بالتقدّم التكنولوجي والتسابق نحو المستقبل، تذكّرنا بعض المبادرات بأن الإنسان فيجوهره ليس رقماً… بل كائناً يحتاج إلى لمسة حنان في أقسى لحظاته.
وهكذا، كتبت منظمة Caritas الخيرية فصلاً جديداً من فصول التعاطف والرعاية، بافتتاحها أكبر دار للرعاية التلطيفية الثابتة في العاصمة النمساوية فيينا، في منطقة ليزينغ، لترافق المرضى حتى آخر أنفاسهم، بكرامة… وإنسانية… واحتضان لا يلين.
أكثر من مجرد سرير… إنها كرامة الإنسان
يضم المركز الجديد 16 سريراً، ويعدّ الأول من نوعه الذي تعمل فيه المنظمة بنظام الإقامة الدائمة، ما يمثل خطوة حاسمة نحو سد فجوة كبيرة في مجال الرعاية التلطيفية، والتي غالباً ما تعاني من نقص في البنية التحتية رغم أهمية رسالتها النبيلة.
المدير العام لـCaritas، كلاوس شفيرتنر، أكد أن “الحاجة حقيقية وكبيرة”، وأشار إلى أن المركز الجديد، رغم افتتاحه الرسمي مؤخراً، قد بدأ فعلياً باستقبال المرضى منذ أشهر، وقد رافق حتى الآن 25 شخصاً من مختلف الأعمار نحو وداعهم الأخير، في جوّ يغلب عليه الدفء والرعاية والأمل.
عندما تُعطي المنظمات الخيرية الحياة معنى جديداً
هذا الإنجاز ليس رقماً فقط، بل تجسيد حيّ لقوة المنظمات الخيرية في تشكيل وجه المجتمع. ففي وقت تتقلّص فيه الميزانيات وتتزايد التكاليف، تواصل Caritas مدّ يدها لمن يحتاجها، مؤكدة أن الإنسان لا يُقاس بإنتاجيته أو عمره، بل بكرامته.
ورغم أن المنظمة كانت نشطة سابقاً في الرعاية المتنقلة، إلا أن هذا المركز الجديد جاء ليسد فراغاً مؤلماً في الرعاية الثابتة، التي لا تزال محدودة مقارنةً بالحاجة المتزايدة، خصوصاً في مجتمع يزداد فيه متوسط العمر، وتتعقد فيه الظروف الصحية.
من قانون التمويل… إلى حقّ الإنسان في الرحمة
وأشار شفيرتنر إلى أهمية قانون صندوق الرعاية التلطيفية الذي صدر عام 2022، والذي نظّم تمويل هذه المراكز بين الحكومة الاتحادية والولايات، وفتح الباب أمام توسّع ملموس. لكنه أضاف بوضوح: “هذا لا يكفي”، داعياً إلى إقرار حق قانوني للرعاية التلطيفية لكل فرد، بغضّ النظر عن منطقته أو ظروفه.
وتتفق معه زوزانه فينكلر، المديرة التنفيذية لصندوق الشؤون الاجتماعية في فيينا، التي أوضحت أن المدينة تضم حالياً خمس دور إقامة دائمة فقط، وهي بحاجة ماسة لزيادة عدد الأسرّة.
أما وزيرة الصحة والشؤون الاجتماعية، كورينا شومان، فطمأنت بأن خطط التوسع مدمجة فعلاً في الاتفاق الحكومي، وأن التقييمات الجارية ستحدّد بدقة الأماكن التي تحتاج إلى تعزيز.
لأن الإنسانية لا تتقاعد
في عالم تُقاس فيه الإنجازات بعدد الصفقات والمشاريع، تبقى المبادرات الخيرية مثل هذه منارات مضيئة، تذكّرنا بأن القيمة الحقيقية للمجتمع تقاس بقدرته على رعاية أضعف أفراده، وخصوصاً أولئك الذين يسيرون في الطريق الأخير من حياتهم.
وهنا، تُثبت كاريتاس أن العمل الخيري ليس فقط صدقة… بل أسلوب حياة، ورسالة، وصوت هادئ يقول لكل إنسان: لست وحدك.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار