تتجه الأنظار إلى العاصمة النمساوية فيينا، حيث تشهد في 27 أبريل انتخابات محلية قد تحمل مفاجآت غير متوقعة، في ظل مؤشرات مقلقة حول انخفاض كبير في نسبة المشاركة الشعبية. ويجمع عدد من خبراء الاستراتيجيات السياسية على أن “كل الاحتمالات واردة”، مع تراجع الحماس الجماهيري وغياب الاستقطاب السياسي التقليدي الذي كان يُحرك الناخبين في الانتخابات السابقة.
لماذا يعزف الناخبون عن التصويت؟
هناك عدة أسباب تقف وراء فتور الناخبين في هذه الانتخابات:
-
غياب المواجهات السياسية الساخنة: لم يتم الترويج لسيناريو “مبارزة كبرى” بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي (SPÖ) وحزب الحرية (FPÖ)، ما أفقد الحملة الانتخابية الكثير من حيويتها.
-
توقع فوز الحزب الحاكم مسبقًا: الانتشار الواسع لفكرة أن “الحزب الاشتراكي سيظل الأول ولودفيغ سيبقى عمدة” جعل البعض يرى أن صوته لن يغير شيئًا.
-
الضبابية السياسية وعدم الحسم: كثير من الناخبين المتأرجحين بين الحزب الاشتراكي (SPÖ) والخضر أو النيوز (NEOS) لم يجدوا دافعًا قويًا لترجيح كفة أحدهم.
الحزب الاشتراكي (SPÖ): القلق من التراجع رغم الصدارة
ميخائيل لودفيغ، عمدة فيينا والمرشح الأبرز عن الحزب الاشتراكي، يخوض حملة شرسة لكسب كل صوت ممكن، إذ تشير التوقعات إلى تراجع نسبة حزبه من 42% إلى نحو 38%. وبالرغم من تصدره المتوقع، إلا أن انخفاض نسبة المشاركة قد يفتح الباب أمام تقدم الأحزاب الصغيرة على حساب الحزب الحاكم، خاصة أن العديد من ناخبي الوسط بدأوا يميلون نحو بدائل “خضراء” أو “وردية”.
حزب الحرية (FPÖ): صعود قوي دون فرص واقعية للحكم
دومينيك نِب، مرشح حزب الحرية، يُعوّل على المشاعر المتزايدة بعدم الأمان في المدينة ليحقق طفرة انتخابية. الحزب، الذي حصل على 7% فقط في الانتخابات الماضية بعد فضيحة “إيبيزا”، يطمح للوصول إلى أكثر من 25%. لكن الخبراء يُحذرون من أن الهجمات المستمرة على لودفيغ قد تكون ذات مفعول عكسي، كما أن علم الناخبين بعدم قدرة الحزب على المشاركة في الحكم قد يقلل من دوافع التصويت له.
الخضر (Die Grünen): الاستفادة من الهدوء الانتخابي
الخضر بقيادة يوديت بيورينغر يستفيدون من غياب التوتر السياسي، إذ يسعون لاجتذاب الناخبين المترددين بين الحزب الاشتراكي والخضر، بهدف تحقيق تحالف جديد محتمل بين الحزبين. مشاركة الوزيرة السابقة ليونور غيفسلر في الحملة الانتخابية أعطت دفعة معنوية للخضر، لكنها في الوقت نفسه أثارت بعض التحفظات لدى قواعد الحزب الاشتراكي.
حزب الشعب (ÖVP): تراجع حتمي بلمسة إنقاذ من الحكومة الفيدرالية
رغم الاستعداد لخسارة مؤلمة، إلا أن المستشار النمساوي كريستيان شتوكر قد يكون قد نجح في الحد من الانهيار الكامل للحزب في فيينا. ومن المتوقع أن يتجنب الحزب السقوط تحت عتبة الـ10% بفضل تماسكه النسبي على المستوى الوطني.
النيوز (NEOS): ارتفاع محدود وشريك محتمل
قد يكون حزب النيوز هو المستفيد الهادئ من هذا المشهد، إذ تشير التوقعات إلى ارتفاعه من 7.5% إلى نحو 9%. وإذا لم تكن هناك أغلبية حمراء-خضراء، فقد يُعاد إحياء التحالف بين الحزب الاشتراكي والنيوز، وهو السيناريو الذي يفضله الاشتراكيون أنفسهم.
لاننسى من تدعيم حزب SÖZ: صوت الأقليات في قلب العاصمة النمساوية
يُعد حزب SÖZ – Soziales Österreich der Zukunft (النمسا الاجتماعية للمستقبل) من الأحزاب الحديثة نسبيًا على الساحة السياسية في فيينا، وقد تأسس بهدف تمثيل الفئات التي غالبًا ما تُهمّش في الخطابات السياسية التقليدية، وعلى رأسها الأقليات العرقية والدينية، والمهاجرين، والنساء، والشباب من أصول غير نمساوية.
يركّز الحزب بشكل خاص على محاربة العنصرية والتمييز، ويدعو إلى سياسات شاملة تعزز المساواة في التعليم والعمل والسكن، بالإضافة إلى دعم سياسات مناخية عادلة اجتماعيًا.
في مدينة كفيينا، حيث يعيش عدد كبير من ذوي الخلفيات المهاجرة، يحرص SÖZ على أن يكون منبرًا سياسيًا لهذه الفئات التي غالبًا ما يُستغل اسمها في الحملات الانتخابية دون منحها صوتًا حقيقيًا.
رغم صغر حجمه مقارنة بالأحزاب الكبرى، تمكن الحزب في انتخابات سابقة من إحداث صدى إعلامي وسياسي، خاصة بين الشباب وسكان الأحياء متعددة الثقافات. وهو يعوّل على الوعي المتزايد بقضايا التمييز وحقوق الإنسان لكسب المزيد من التأييد في الانتخابات المقبلة.
خاتمة: برودة الانتخابات تخفي حرارة ما بعدها
رغم الأجواء الباهتة التي تميزت بها الحملة الانتخابية، فإن نتائج اقتراع 27 أبريل قد تحمل تحولات عميقة في التوازنات السياسية داخل العاصمة النمساوية. فإذا واصل الحزب الاشتراكي تقدمه ولكن بنسبة أقل مما كان عليه، فسيواجه ضغوطاً داخلية لإعادة تقييم استراتيجيته، وربما زعامته. كما أن استمرار صعود حزب الحرية سيضعه في موقع أقوى كمعارضة شعبوية لا يمكن تجاهلها، حتى لو لم يكن له نصيب في الحكم.
أما التحالفات، فتبقى مفتوحة على سيناريوهين رئيسيين:
-
تحالف “الضرورة” بين SPÖ و NEOS، في حال تراجع الخضر، وهو ما قد يُنتج حكومة أكثر انفتاحاً على قضايا الاقتصاد والتجديد المدني.
-
أو تحالف “العودة” بين SPÖ والخضر، رغم الفتور بين الطرفين، إذا أثبت الخضر أنهم لا يزالون رقماً صعباً في الشارع.
في كل الحالات، ستكون هذه الانتخابات بمثابة مؤشر مبكر للانتخابات الوطنية المقبلة، حيث تُختبر شعبية الحكومة الفيدرالية، وتُقاس قدرة المعارضة على استقطاب أصوات القاعدة النمساوية خارج النخبة السياسية التقليدية.
ويبقى التحدي الأكبر بعد يوم الاقتراع هو استعادة ثقة المواطن في جدوى المشاركة الديمقراطية، وهي أزمة تتجاوز فيينا، وتمتد إلى الديمقراطيات الغربية بأسرها.
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار