الإثنين , 27 أبريل 2026

النمسا تُفكّر بسجن الأطفال… والشارع يتساءل: من فقد السيطرة؟

في خطوة صدمت الأوساط التربوية والاجتماعية، أثار اقتراح وزير الداخلية النمساوي غيرهارد كارنر بإنشاء مرافق “مشابهة للسجون” لاحتجاز الأطفال القاصرين الجانحين نقاشًا محمومًا في العاصمة فيينا. فبينما تُعرض المقترحات باعتبارها ردًّا على تصاعد الجريمة بين القاصرين، يرى كثير من الخبراء أن النمسا، ولأول مرة في تاريخها، تقف على عتبة سياسة عقابية لا تُشبه قيمها الراسخة في رعاية الطفولة وحماية الحقوق الأساسية.

سابقة خطيرة في تاريخ النمسا

لم تُعرف النمسا، ولا حتى في أشد أزماتها، باتباع نهج عقابي ضد الأطفال والمراهقين. ففكرة عزل الأطفال في مرافق مغلقة ذات طابع سجني تُعتبر خروجًا فاضحًا عن تقاليد البلاد القائمة على التربية لا العقاب، وعلى الوقاية والدعم بدلًا من القمع. ولذلك جاءت ردود الفعل قوية من مسؤولين اجتماعيين وأكاديميين، محذرين من أن هذا التوجه قد يُحدث أضرارًا نفسية واجتماعية جسيمة، لن تمحوها سنوات.

“الأطفال غير المسموعين”… لا المجرمين

من قلب الجدل، خرج صوت مختلف، يطالب بالاستماع لا بالتأديب. ألفريد كولبيرغر من جمعية “نويشتارت” وصف هؤلاء الأطفال بأنهم “غير مسموعين”، لا مجرمين بالفطرة. أما الباحث الاجتماعي غونتر شتومفول فأكد أن الظاهرة تعكس إخفاقات المجتمع في تقديم بيئة آمنة ومستقرة، لا خللاً أخلاقيًا في الأطفال أنفسهم. مشيرًا إلى أن معظم هؤلاء القاصرين عاشوا في أسر مفككة أو عانوا من عنف أو إقصاء مجتمعي، فكان الجنوح ردّ فعل لا خيارًا.

أرقام قليلة… لكنها معقّدة

رغم كل هذا الجدل، لا يتعدى عدد القاصرين “المتكرري المخالفات” في فيينا أكثر من 30 إلى 50 طفلًا، بحسب التقديرات. فهل يعقل أن تبني دولة ديمقراطية سياستها العقابية على ظاهرة بهذا الحجم؟ هذا ما يثيره الخبراء، الذين يفضلون الاستثمار في مؤسسات رعاية مكثفة، توفر الدعم النفسي والتربوي والاجتماعي، بدلًا من الحلول التي تُشبه السجون وتفشل في تحقيق الإصلاح.

السياسة تتقدم على العلم؟

المفارقة الكبرى أن وزير الداخلية أعلن مقترحه تزامنًا مع نشر الإحصاءات الجنائية، التي أظهرت تراجعًا في الإدانات بين القاصرين رغم تزايد البلاغات. ما يُثير شبهة الاستخدام السياسي لقضية معقدة. فبدلًا من الإنصات للخبراء، يبدو أن الخطاب الأمني بدأ يغلب على القرارات، في محاولة لاسترضاء فئات تميل إلى شعارات “القانون والنظام” ولو على حساب مستقبل الأطفال.

الختام: أي مستقبل تنتظره فيينا؟

إذا ما تم تمرير هذه المقترحات، فإن النمسا لن تُسجّل فقط سابقة قانونية، بل ستفتح بابًا رمزيًا نحو تغيير عميق في فلسفتها الاجتماعية. بين مجتمع يُربّي وآخر يُعاقب، تقف فيينا اليوم أمام مفترق طرق. والمخاوف لا تتعلق فقط بحقوق الطفل، بل بهوية البلد وقيمه في التعامل مع الضعفاء والهشّين.

تحقق أيضًا

لودفيغ يحسم الجدل: لا لرفع سن التقاعد.. وتشديد غير مسبوق على سوق الإيجارات في فيينا

شهدت العاصمة النمساوية فيينا انعقاد المؤتمر الحزبي لحزب الحزب الاشتراكي الديمقراطي النمساوي في قاعة Messe Wien، وسط حضور قرابة ألف مندوب، حيث تصدرت

error: Content is protected !!