لم تكن “محاكمة القرن” في تونس سوى فصل جديد من رواية انقلاب ناعم، كتبت سطورها رئاسة تعِد بالديمقراطية وتغتالها في وضح النهار. الأحكام الصادمة التي صدرت مؤخرًا بحق رموز من المعارضة التونسية، والتي وصلت في بعضها إلى 66 عامًا سجنًا، لم تكن سوى رصاصة في رأس ما تبقى من المسار الديمقراطي الذي حلم به التونسيون بعد 2011.
من غازي الشواشي إلى جوهر بن مبارك، ومن خيام التركي إلى نور الدين البحيري، قائمة طويلة من السياسيين والنشطاء الذين وُصِموا بـ”التآمر على أمن الدولة” و”تشكيل تنظيم إرهابي”— تهم فضفاضة تُذكّرنا بمدارس الاستبداد العربي العتيقة، حيث يصبح الانتماء للمعارضة جريمة، ورفع الصوت ضد الحاكم خيانة.
قيس سعيد: من أستاذ دستور إلى منفذ “تصفية سياسية” ناعمة
لم يحتج قيس سعيّد إلى دبابة أو بيان رقم واحد ليقلب الطاولة، بل استند إلى ما سمّاه “الإجراءات الاستثنائية” في يوليو 2021، حين حلّ البرلمان، وجمّد العمل بالدستور، واحتكر السلطات الثلاث. في ظاهر الأمر، كان يَعد بإصلاح جذري، لكن ما جرى هو تجريف شامل للحياة السياسية والمؤسسات الديمقراطية، وها نحن اليوم نعيش نتائجه خلف جدران المحاكم.
قضاء التعليمات.. لا القانون
القضية التي يُحاكم فيها المعارضون تشهد خروقات فاضحة، ليس فقط على مستوى الضمانات القانونية، بل حتى في الشكل: جلسات عن بُعد، رفض طلبات الدفاع، ضغوطات على القضاة، وأحكام تبدو وكأنها صادرة من مكتب سياسي لا من محكمة مستقلة.
المحامون يتحدثون عن “قضاء بالتعليمات”، والمنظمات الدولية تعرب عن قلقها، والمعتقلون يَصرخون داخل الزنازين، لكن السلطة لا تُصغي، وكأن شيئًا لم يكن. إنها عدالة مُعلّبة تُستخدم كسلاح لتصفية الخصوم، لا كأداة لتحقيق الإنصاف.
الخارج يُدين، والداخل يُخنق
بينما تزداد الإدانات الدولية وتطالب بمراجعة الأحكام الجائرة، تتسع الهوة بين النظام وشعبه، وتضيق المساحة أمام أي حوار سياسي حقيقي. أكثر من 20 متهمًا فرّوا إلى الخارج، فيما تبقى السجون حافلة بالأصوات التي أزعجت الحاكم الفرد. ما نراه ليس “حماية للأمن القومي”، بل هدم منهجي لمسار ديمقراطي هشّ بُني بدماء التونسيين قبل أن يُهدم بتوقيع واحد.
هل تبقى من تونس ما يُنقذ؟
ما يحدث في تونس ليس فقط أزمة سياسية، بل زلزالٌ أخلاقي وقانوني يهدد بتحويل الدولة إلى نسخة جديدة من الجمهوريات القمعية، حيث يُصبح الرئيس هو الدستور، والقاضي، والمُحقق، والحارس الأخير للبوابة.
السؤال المرّ الذي يطرح نفسه اليوم: هل ما زال هناك مجال لإنقاذ الديمقراطية التونسية؟ أم أن قيس سعيّد قد أنهى ما بدأه في 2021، وها هو يُغلق القوس الأخير بسجن كل من تجرأ على الحلم؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار