في مشهد مقلق يعكس عمق الأزمة الاقتصادية في النمسا، سجّل الربع الأول من عام 2025 ارتفاعًا حادًا في حالات إفلاس الشركات بنسبة 8% مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. ومع 6700 حالة إفلاس وديون تتجاوز 19 مليار يورو، تبدو البلاد وكأنها تسير نحو موجة انهيار اقتصادي صامت لا يُقال عنه الكثير في الإعلام، لكنه يضرب في عمق الاقتصاد الحقيقي: الشركات الصغيرة والمتوسطة، والوظائف، والثقة العامة.
25 ألف وظيفة ذهبت أدراج الرياح في ثلاثة أشهر فقط. ليس مجرد رقم، بل حياة عشرات الآلاف من العائلات المتضررة، وسؤال مفتوح: لماذا يحدث هذا في واحدة من أغنى دول أوروبا؟
الأسباب خلف الستار: اقتصاد هش بواجهة براقة
رغم المظاهر الهادئة، يواجه الاقتصاد النمساوي تحديات بنيوية متراكمة، من أبرزها:
-
ارتفاع أسعار الطاقة والمواد الخام بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ما زاد تكاليف الإنتاج وأثقل كاهل الشركات الصناعية.
-
التضخم المرتفع الذي قلّص القدرة الشرائية للمستهلكين، فأدى إلى تراجع الطلب الداخلي، وأصاب قطاع التجزئة والخدمات بالشلل.
-
ارتفاع أسعار الفائدة من قبل البنك المركزي الأوروبي، ما صعّب على الشركات الحصول على قروض تشغيلية أو إعادة تمويل الديون.
-
تشدد الإجراءات البيروقراطية والضريبية، وهو ما اشتكت منه الغرف الاقتصادية منذ سنوات، خاصة في ما يتعلق بالضرائب على الدخل والعمل.
-
ضعف سياسات الدعم الحكومي مقارنة بدول أوروبية أخرى، حيث فشلت حكومة النمسا في تقديم حزم إنقاذ فعالة تحمي الشركات المتعثرة.
إفلاس الثقة… لا الشركات فقط
ما يجري ليس فقط إفلاس ميزانيات، بل إفلاس ثقة في النموذج الاقتصادي النمساوي، الذي يعتمد على شركات صغيرة ومتوسطة تُعرف محليًا بـ”العمود الفقري للاقتصاد”. هذه الشركات تنهار الآن واحدة تلو الأخرى، دون أن تجد من ينقذها.
وبينما تكتفي الحكومة بإصدار بيانات جافة، يشعر المواطنون بأن قطار الأمان الاجتماعي بدأ يخرج عن سكّته. والأسوأ قادم إن استمرت السياسات الاقتصادية الحالية بلا مراجعة.
هل من مخرج؟
الاقتصاد النمساوي بحاجة ماسة إلى إصلاحات حقيقية، تشمل تخفيف الضرائب عن الشركات، وتسهيل القروض، وخفض أسعار الطاقة، وتحفيز السوق الداخلية، إضافة إلى مراجعة شاملة لسياسات الدعم الموجه. فالتعامل مع الأرقام وحدها دون معالجة الأسباب، لا يُنقذ وظائف ولا يحمي شركات.
أما إن استمر هذا المسار، فالأرقام القادمة في الربع الثاني قد تكون أكثر قسوة… وقد يتحول شتاء الاقتصاد النمساوي إلى صقيع دائم.
حكومة عاجزة… أم متواطئة مع الانهيار؟
في قلب هذا المشهد الكارثي، لا يمكن تجاهل الدور السلبي الذي لعبته الحكومة النمساوية، سواء بالتقاعس أو بالقرارات الخاطئة. فبدل أن تتحرك سريعًا لإنقاذ الشركات من الإفلاس، بدت الحكومة وكأنها تدير الأزمة بالبطء البيروقراطي المعتاد، وأحيانًا باللامبالاة المتعمدة.
فحزمة الدعم الاقتصادي التي وعدت بها الحكومة جاءت متأخرة، ومحدودة، ومليئة بالشروط التعجيزية التي جعلت الكثير من الشركات غير قادرة على الاستفادة منها. كما أن السياسات الضريبية ظلّت على حالها، بل زادت في بعض القطاعات، في وقت كانت فيه الشركات تنزف كل يورو لتغطية نفقاتها التشغيلية.
ورغم التحذيرات المتكررة من اتحاد حماية الدائنين، وغرف الاقتصاد، والمؤسسات المالية، فإن صناع القرار لم يُظهروا أي رؤية استراتيجية أو خطة إنقاذ جادة. وكل ما قُدّم حتى الآن لا يتجاوز المسكنات الإعلامية ووعود الائتلاف الحاكم بانتعاش “قادم”… لا أحد يراه.
المعارضة من جهتها اتهمت الحكومة بالفشل في حماية الاقتصاد الوطني، بل ذهب بعض النواب إلى القول إن “السلطة التنفيذية مشغولة بخلافاتها السياسية أكثر من انشغالها بإنقاذ آلاف الوظائف”، في إشارة إلى التوترات داخل الائتلاف بين المحافظين والخضر.
في ظل هذا الإخفاق، لا بد من طرح السؤال: هل نحن أمام عجز حقيقي عن إدارة الأزمة؟ أم أن هناك من يراهن على إعادة هيكلة الاقتصاد لصالح الكبار، وترك الصغار يموتون ببطء؟
شبكة رمضان الإخبارية شبكة إخبارية تهتم بشئون الجالية العربية فى النمسا ودول الجوار